روايات وقصص

اختي حكايات صافي هاني

“فيه حاجة لازم تعرفيها، لكن مش هقدر أتكلم في التليفون.”

 

سألته:

 

“ليه؟”

 

رد:

 

“لأن فيه أوراق اتنقلت من الأرشيف قبل ما الشركة تتقفل، وأنا احتفظت بصورة منها. الأوراق دي ممكن توضح إيه اللي حصل لحصتك.”

 

قلت:

 

“طيب، نتقابل إمتى؟”

 

اتفقنا على موعد في مكتب الأستاذ عادل، تاني يوم الساعة عشرة صباحًا.

 

وقبل ما يقفل، قال جملة واحدة:

 

“يا أستاذة فريدة، أنا مش عارف إنتِ متجوزة زياد المراكبي ليه، لكن لو هو ما قالكيش الحقيقة، يبقى لازم تسمعيها من حد تاني.”

 

قفلت المكالمة، وفضلت قاعدة في مكاني.

 

لأول مرة، حسيت إن الحكاية مش بس عن جواز اتكسر، أو أخت خانت ثقتي.

 

كان فيه ماضٍ كامل، محدش سمح لي أعرفه.

 

وكان واضح إن زياد مش مجرد راجل ارتكب خطأ في حياته الشخصية.

 

كان فيه شيء في الماضي بيربطه باسمي، وبأبي، وبحق ما زال مجهول المصير.

 

في اليوم التالي، وصل حمدي الشاذلي إلى مكتب الأستاذ عادل ومعاه حقيبة جلد قديمة.

 

كان راجلًا في أواخر الستينات، شعره أبيض، وملامحه متعبة، لكنه كان بيتكلم بثبات.

 

حط الحقيبة على المكتب، وطلع منها ملفًا بنيًا.

 

قال:

 

“أنا احتفظت بالأوراق دي لأنني كنت عارف إن فيه حاجة مش مظبوطة في التسوية، لكن وقتها ما كانش عندي القدرة أواجه الإدارة.”

 

الأستاذ عادل سأله:

 

“هل المستندات دي أصلية؟”

 

رد:

 

“دي صور من الملفات الأصلية، وعندي بيانات عن مكان بعض النسخ. أقدر أساعدكم توصلوا لها.”

 

فتح الملف.

 

كان فيه كشف حساب قديم، وخطاب من والد فريدة، ومحضر اجتماع، وورقة عليها توقيعات متعددة.

 

حمدي أشار إلى كشف الحساب.

 

“والدك كان عنده حصة في الشركة، والحصة دي ما كانتش صغيرة. بعد وفاته، حصلت مراجعة للملكية، لكن فيه اختلاف بين القيمة اللي اتسجلت في الأوراق، والقيمة اللي اتدفعت فعلًا.”

 

سأله الأستاذ عادل:

 

“هل عندك دليل على إن فيه مبلغ ما اتدفعش؟”

 

قال:

 

“عندي مستندات بتوضح إن التسوية اتعملت على مراحل، لكن الملف النهائي مش كامل. وده السبب اللي خلاني أحتفظ بالنسخ.”

 

قلب الأستاذ عادل الصفحات، وبعدها وقف عند محضر اجتماع.

 

“مين الشخص اللي وقّع هنا؟”

 

حمدي بص للاسم.

 

“ده زياد المراكبي. وقتها كان لسه في بداية توسع مجموعته.”

 

حسيت إن نفسي اتسحب من صدري.

 

سألت:

 

“هو كان عارف إن الحصة تخصني؟”

 

حمدي بص لي مباشرة.

 

“أيوه. اسمك كان مكتوب في الملف من البداية.”

 

ما قدرتش أتكلم.

 

الأستاذ عادل سأل:

 

“هل تقدر تثبت إنه كان يعرف التفاصيل كاملة؟”

 

رد حمدي:

 

“أنا أقدر أشهد باللي شفته في الاجتماعات، وأقدر أوضح إيه اللي اتقال. أما التفاصيل القانونية والمالية، فدي محتاجة مراجعة كاملة.”

 

وبعدين طلع ورقة أخيرة.

 

“لكن فيه خطاب تاني، كان مرفق بمحضر الاجتماع. الخطاب ده اختفى من الأرشيف بعد فترة، وأنا احتفظت بصورة منه.”

 

مد الورقة للأستاذ عادل.

 

قرأها بتركيز، وبعدها بص لي.

 

“فريدة، لازم تقري ده بنفسك.”

 

خدت الورقة.

 

كان الخطاب موجهًا إلى إدارة الشركة، ومكتوبًا قبل جوازي من زياد بفترة قصيرة.

 

وفيه جملة واحدة وقفت عندها طويلًا:

 

“يُرجى عدم التواصل مع السيدة فريدة محمود عبد الرحمن مباشرة قبل الانتهاء من مراجعة وضعها القانوني، نظرًا إلى وجود صلة عائلية محتملة قد تؤثر على استقلال قرارها.”

 

وتحت الجملة، كان فيه توقيع زياد.

 

رفعت عيني ببطء.

 

“يعني إيه صلة عائلية محتملة؟”

 

حمدي اتنهد.

 

“دي النقطة اللي ما كنتش فاهمها وقتها. بعدها بفترة، عرفت إنك اتجوزتيه، وما سألتش. لكن لما سمعت إنك بتدوري على الملف، حسيت إن لازم أقول اللي أعرفه.”

 

الأستاذ عادل أخد الورقة.

 

“إحنا محتاجين نعرف مين كتب الخطاب، وليه اتقال إن فيه صلة عائلية. ما ينفعش نبني استنتاج على جملة واحدة.”

 

هزيت رأسي، لكن دماغي كانت بتلف.

 

صلة عائلية؟

 

زياد ما كانش من أقارب أبي، على حد علمي.

 

ولا كان يعرف عيلتي قبل ما نتقابل.

 

فإيه اللي كان يقصده؟

 

بعد ما حمدي مشي، فضلت في مكتب الأستاذ عادل.

 

قلت له:

 

“أنا عايزة أواجه زياد.”

 

رد:

 

“مش دلوقتي. لازم نعرف المقصود بالخطاب الأول. ممكن يكون المقصود صلة تجارية أو مصلحة مشتركة، وممكن يكون فيه معنى تاني. ما نقدرش نقرر من غير مستندات.”

 

قلت:

 

“أنا تعبت من الانتظار.”

 

قال بهدوء:

 

“عارف. لكن الحقيقة اللي تثبت نفسها أقوى من أي مواجهة غاضبة.”

 

رجعت البيت، وقررت أعمل حاجة ما عملتهاش من يوم اكتشفت الموضوع.

 

فتحت الدولاب، وبدأت أراجع أوراق جوازي، وشهادات الميلاد القديمة، وأي مستندات تخص العيلة.

 

لقيت ملفًا صغيرًا في آخر درج، فيه صورة من شهادة ميلادي الأصلية، ونسخة من محضر تسليمي إلى الأسرة اللي ربتني.

 

الورق كان قديمًا، وبعض الكلمات باهتة.

 

لكن فيه اسم لفت نظري.

 

اسم الشاهد على محضر التسليم.

 

عبد الرحمن المراكبي.

 

قعدت على الأرض، والورقة في إيدي.

 

المراكبي.

 

نفس اسم عيلة زياد.

 

رجعت قرأت الاسم مرة تانية، وبعدها فتحت تليفوني واتصلت بالأستاذ عادل.

 

رد بسرعة.

 

“خير يا فريدة؟”

 

قلت بصوت متوتر:

 

“لقيت اسم في أوراق ميلادي. عبد الرحمن المراكبي كان شاهدًا على محضر تسليمي للعيلة اللي ربتني.”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين قال:

 

“ابعتي لي صورة واضحة من المستند. لازم نراجع الاسم ده، ونشوف إذا كان فيه أي صلة فعلية بعائلة زياد.”

 

بعت له الصورة.

 

بعد دقائق، اتصل بيا تاني.

 

“فريدة، فيه احتمال إن الموضوع أقدم مما كنا متخيلين. لكن محتاجين نتحقق من السجلات العائلية.”

 

قلت:

 

“يعني إيه؟”

 

قال:

 

“مش هقدر أقولك أكتر قبل ما نراجع الأوراق.”

 

قفلت المكالمة، وأنا حاسة إن كل خيط في الحكاية بيرجعني لنفس الاسم.

 

المراكبي.

 

زياد المراكبي.

 

عيلة كانت موجودة في حياتي قبل ما أعرف حتى اسمي الحقيقي.

 

بعد يومين، الأستاذ عادل طلب مني أروح مكتبه بدري.

 

أول ما دخلت، لقيته حاطط قدامه ملفًا جديدًا.

 

قال:

 

“راجعنا بعض السجلات القديمة، وتواصلنا مع شخص من العائلة كان اسمه موجود في المستندات. فيه صلة بين عبد الرحمن المراكبي، اللي وقّع شاهدًا على محضر التسليم، وبين والد زياد.”

 

سألته:

 

“إيه الصلة؟”

 

رد:

 

“كان عمه.”

 

حسيت ببرودة في إيدي.

 

“يعني زياد كان يعرف إن اسمي موجود في الأوراق؟”

 

قال:

 

“ده احتمال قوي، خصوصًا إن الخطابات القديمة بتثبت إن اسمه ظهر في ملف الشركة قبل جوازكم.”

 

قلت:

 

“طيب، هل فيه دليل إنه اتجوزني علشان الحصة؟”

 

رد بحزم:

 

“لأ. ما عندناش دليل يثبت نيته وقت الجواز. لازم نفرق بين إنه كان يعرف بوجود حق محتمل، وبين إنه اتجوزك بهدف الاستيلاء عليه. دي مسألة مختلفة تمامًا.”

 

هزيت رأسي.

 

كنت محتاجة أسمع الكلام ده، حتى لو كان صعبًا.

 

ما كنتش عايزة أظلم حد لمجرد إني اتظلمت.

 

لكن كان فيه سؤال لازم أواجهه.

 

“هل ممكن أكون قريبة لزياد؟”

 

الأستاذ عادل فتح ورقة.

 

“السجلات اللي عندنا بتقول إن عم زياد كان شاهدًا على تسليمك للعيلة اللي ربتك، لكن ده وحده ما يثبتش أي قرابة بينك وبين زياد. محتاجين نعرف علاقة والدك الحقيقي بعائلة المراكبي، لو فيه علاقة أصلًا.”

 

سكت لحظة، وبعدين قال:

 

“وفيه حاجة تانية.”

 

بصيت له.

 

“إيه؟”

 

“وصلنا إلى نسخة من خطاب قديم كتبه والدك قبل وفاته، وكان موجّهًا إلى عبد الرحمن المراكبي.”

 

مد لي الورقة.

 

قرأت أول سطر.

 

“أخي العزيز عبد الرحمن…”

 

رفعت رأسي بسرعة.

 

“أخويا؟”

 

الأستاذ عادل قال:

 

“الخطاب بيشير إلى علاقة أخوة بين والدك وعبد الرحمن، لكن لازم نراجع الوثائق الرسمية علشان نتأكد من طبيعة العلاقة. لو كان المقصود أخوة بالنسب، فده معناه إنك من نفس العيلة اللي ينتمي لها زياد.”

 

ما قدرتش أتكلم.

 

رجعت قرأت الخطاب.

 

كان فيه كلام عن أمانة، وعن طفلة لازم تفضل بعيدة عن خلافات الكبار، وعن حق مالي لا ينبغي المساس به.

 

وفي آخره، كتب أبي:

 

“أرجوك، لا تسمح لأحد أن يجعل مستقبل فريدة ثمنًا لتسوية لا تفهمها.”

 

حطيت الورقة على المكتب، وغطيت وشي بإيدي.

 

كل اللي كنت فاكرها حياتي، بدأت تظهر قدامي بشكل مختلف.

 

لكن الحقيقة كانت لسه ناقصة.

 

والسؤال الأهم كان: لو زياد يعرف كل ده، ليه اختار يخبي عني؟

 

في المساء، وصلني اتصال من زياد.

 

المرة دي رديت.

 

قال بصوت هادي:

 

“فريدة، أنا عايز أشوفك.”

 

قلت:

 

“ليه؟”

 

“علشان نتكلم في كل حاجة.”

 

“كل حاجة؟ ولا الحاجة اللي إنت شايف إنها بقت خطر عليك؟”

 

سكت لحظة.

 

وبعدين قال:

 

“أنا عارف إنك وصلتي لملفات الشركة.”

 

ما اتفاجئتش.

 

قلت:

 

“وعارف كمان إن اسمك موجود فيها.”

 

“أيوه.”

 

“وعارف إن عمك كان شاهدًا على تسليمي للعيلة اللي ربتني؟”

 

اتغير صوته.

 

“مين قالك كده؟”

 

قلت:

 

“ده مش مهم. المهم إنك كنت عارف إني بنت محمود، وإن فيه حق باسمي.”

 

تنهد.

 

“فريدة، الموضوع أعقد مما تتخيلي.”

 

ضحكت بمرارة.

 

“الجملة دي سمعتها كتير. كل مرة حد بيخبي عني حاجة، يقول لي الموضوع أعقد مما تتخيلي.”

 

قال:

 

“أنا ما اتجوزتكيش علشان فلوسك.”

 

سكت لحظة، وبعدها كمل:

 

“أنا حبيتك فعلًا.”

 

غمضت عيني.

 

كان جزء مني نفسه يصدق الكلمة دي.

 

جزء صغير، تعبان، لسه فاكر أول يوم اتقابلنا فيه، وأول مرة مسك إيدي، وأول مرة قال لي إن وجودي في حياته بيخليه يحس إنه مش لوحده.

 

لكن الجزء الأكبر كان بيسأل: لو كنت بتحبني، ليه سبتني أعيش وسط كل الأكاذيب دي؟

 

قلت:

 

“لو كنت بتحبني، كان المفروض تقول لي الحقيقة.”

 

رد:

 

“كنت خايف أخسرك.”

 

قلت:

 

“فقررت تخسرني بإيدك؟”

 

ما ردش.

 

كملت:

 

“وزينة؟ وليلى؟ وأمي؟ كل ده كان خوفًا من خسارتي؟”

 

قال بصوت منخفض:

 

“أنا غلطت.”

 

قلت:

 

“الغلط مش كلمة تتقال لما الحقيقة تظهر.”

 

سكتنا شوية.

 

وبعدين قال:

 

“أنا مستعد أجي أقابلك، وأقولك كل حاجة من البداية.”

 

قلت:

 

“هتقابلني في مكتب الأستاذ عادل، وكل كلمة هتتقال هتكون قدام المحامي.”

 

وافق.

 

وقبل ما أقفل، قال:

 

“فريدة، فيه حاجة واحدة لازم تعرفيها قبل المقابلة.”

 

استنيت.

 

قال:

 

“أبوكي الحقيقي ما كانش مجرد شريك في الشركة. كان فيه اتفاق قديم بينه وبين أبويا، والاتفاق ده هو السبب اللي خلّى اسمك يظهر في ملفات المراكبي من البداية.”

 

سألته:

 

“إيه الاتفاق؟”

 

رد:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى