روايات وقصص

اختي حكايات صافي هاني

“قومي يا ماما.”

 

فضلت مكانها.

 

“قومي، أرجوكي.”

 

قامت وهي بتترعش.

 

سألتها:

 

“هل زياد كان يعرف إني متبناة؟”

 

بصت ليلى لأمي، وأمي بصت لليلى.

 

والصمت اللي حصل بينهم كان كفاية.

 

قلت:

 

“من إمتى؟”

 

أمي ردت بصوت واطي:

 

“من أول سنة جوازكم.”

 

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.

 

“إزاي عرف؟”

 

قالت ليلى:

 

“أنا اللي قلت له.”

 

بصيت لها.

 

“إنتِ؟”

 

هزت رأسها.

 

“كنت بتكلم معاه في موضوع يخصك، وقلت له إن ماما مخبية عنك الحقيقة. هو سألني أسئلة كتير، وبعدها بدأ يزورنا أكتر.”

 

سألتها:

 

“وليه؟”

 

ليلى مسحت دموعها وقالت:

 

“في الأول كان بيقول إنه عايز يساعدني. بعدين…”

 

ما كملتش.

 

قلت:

 

“بعدها إيه؟”

 

ردت بصعوبة:

 

“بعدها بقينا قريبين.”

 

فضلت باصة لها، وبعدين سألت:

 

“وماما كانت عارفة؟”

 

أمي أغمضت عينيها.

 

“أيوه.”

 

المرادي ما صرختش.

 

ما عيطتش.

 

كل اللي عملته إني أخدت شنطتي، ولفيت ناحية الباب.

 

لكن قبل ما أخرج، سمعت أمي بتقول:

 

“استني يا فريدة. فيه حاجة لازم تعرفيها عن أبوكي الحقيقي.”

 

وقفت.

 

قالت:

 

“قبل ما محمود يموت، ساب أوراق عند أبوكي اللي رباكي. وكان فيه وصية بتخصك.”

 

لفيت لها.

 

“وصية؟”

 

هزت رأسها.

 

“أيوه. وأنا ما شفتهاش غير بعد وفاته.”

 

“وفين هي؟”

 

أمي بصت ناحية غرفة المكتب.

 

“في درج مكتبه القديم.”

 

مشيت ناحية المكتب وفتحته.

 

كان مليان دفاتر قديمة، وفواتير، وصور، ومظاريف مصفرة من الزمن.

 

وبعد بحث طويل، لقيت ظرفًا مكتوبًا عليه بخط إيد أبي اللي رباني:

 

إلى فريدة، لما تكبر وتكون مستعدة تعرف الحقيقة.

 

إيدي بدأت تترعش.

 

فتحت الظرف.

 

كان فيه جواب، وصورة لرجل ما شفتوش قبل كده، وشهادة ميلاد قديمة.

 

لكن اللي شد عيني فعلًا كان سطر في آخر الصفحة:

 

“إلى ابنتي فريدة، التي تركت لها أمها حقًا لا يجوز لأحد أن يستولي عليه.”

 

رفعت رأسي ناحية أمي.

 

“حق إيه؟”

 

ما ردتش.

 

وفي اللحظة دي، سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت.

 

وبعدها صوت الباب الخارجي بيتفتح.

 

دخل زياد.

 

كان واضح إنه جاي مستعجل، وأول ما شافني واقفة في المكتب والجواب في إيدي، وقف مكانه.

 

بص لأمي.

 

وبعدين لليلى.

 

وبعدين رجع بص لي.

 

قال بحدة:

 

“إنتِ بتعملي إيه هنا؟”

 

رفعت الجواب قدامه.

 

“بقرأ تاريخ العيلة اللي إنتوا حاولتوا تخبوه عني.”

 

قرب خطوة.

 

“هاتِ الورقة دي.”

 

ضمّيت الورقة لصدري.

 

“لأ.”

 

اتغيرت ملامحه.

 

“فريدة، إحنا لازم نتكلم بعيد عن الناس.”

 

قلت:

 

“إحنا مش هنتكلم بعيد عن حد تاني. كفاية أسرار.”

 

مد إيده ناحيتي، لكني رجعت خطوة.

 

“ما تقربش.”

 

وقف مكانه.

 

ولأول مرة من يوم ما عرفته، شفت الغضب الحقيقي في عينيه.

 

مش غضب الراجل اللي اتكشف سره.

 

غضب الراجل اللي اكتشف إن الطرف اللي كان فاكره ضعيف، بدأ يعرف الحقيقة.

 

قال بصوت منخفض:

 

“إنتِ مش فاهمة حجم الموضوع اللي بتدخلي نفسك فيه.”

 

رفعت رأسي.

 

“طيب، فهمني.”

 

سكت.

 

قلت:

 

“فهمني ليه بنت أختي اسمها زينة زياد المراكبي. فهمني ليه كنت في المستشفى وإنت قايل لي إنك في دبي. فهمني ليه أختي عندها توكيل يخص شركة أنا شريكة فيها. وفهمني ليه فيه وصية بتخصني وإنت أول ما شفتها حاولت تاخدها مني.”

 

زياد بص لأمي وقال:

 

“إنتِ اللي قلتي لها؟”

 

أمي ما ردتش.

 

بص لليلى.

 

“وإنتِ كمان؟”

 

ليلى كانت بتعيط، لكنها المرادي ما دافعتش عنه.

 

ابتسم ابتسامة باردة وقال:

 

“تمام. واضح إن محدش فيكم فاهم العواقب.”

 

وبعدين بص لي.

 

“إنتِ فاكرة إن الورقة دي هتغير حاجة؟”

 

قلت:

 

“مش عارفة. بس هعرف.”

 

ضحك بسخرية.

 

“إنتِ ما تعرفيش حتى إنتِ وارثة إيه.”

 

الكلمة دي خلتني أركز.

 

“وارثة إيه؟”

 

زياد سكت فجأة.

 

ولأول مرة، أدركت إنه قال أكتر مما كان ناوي يقوله.

 

قربت منه خطوة.

 

“إنت تعرف حاجة عن الوصية دي؟”

 

رد بسرعة:

 

“أنا ما أعرفش حاجة.”

 

لكن عينيه قالت العكس.

 

حطيت الجواب في شنطتي، وقلت:

 

“يبقى مفيش داعي للكلام دلوقتي.”

 

خرجت من البيت.

 

ما حاولش يمنعني.

 

لكني سمعت صوته ورايا وهو بيقول:

 

“فريدة، لو خرجتي بالورقة دي، ما ترجعيش تطلبي مني أي حاجة.”

 

وقفت عند الباب، وبصيت له آخر مرة.

 

“أنا عمري ما طلبت منك غير الصدق. وإنت حتى دي بخلت بيها عليا.”

 

وخرجت.

 

في مكتب الأستاذ عادل، فتحنا الجواب على المكتب، وبدأنا نقرأه كلمة كلمة.

 

كان مكتوبًا فيه إن محمود عبد الرحمن، والد فريدة البيولوجي، كان شريكًا قديمًا في شركة عائلية تعمل في مجال الأراضي السياحية وإدارة الفنادق.

 

قبل وفاته، نقل جزءًا من حصته إلى حساب قانوني مخصص لابنته، على أن تتم مراجعة الملكية والمستندات عند بلوغها السن القانونية.

 

أما بقية الحصة، فكانت مرتبطة بعقود قديمة، وبعضها دخل في شراكات لاحقة مع شركات أخرى.

 

الأستاذ عادل قلب الصفحات، وقال:

 

“الموضوع أكبر من مجرد وصية.”

 

سألته:

 

“يعني إيه؟”

 

قال:

 

“لازم نعرف الشركة الأصلية كانت إيه، وإيه اللي حصل لحصصها على مدار السنين. الورق ده ممكن يكون له قيمة مالية كبيرة، وممكن يكون مجرد حق قديم اتسوى بالفعل. ما نقدرش نحكم قبل ما نراجع السجلات.”

 

قلت:

 

“وزياد يعرف ده؟”

 

رد:

 

“من كلامه، واضح إنه يعرف جزءًا من القصة على الأقل.”

 

طلعت صورة الرجل اللي كانت في الظرف.

 

كان واقف قدام مبنى قديم، وعلى الباب لوحة معدنية مكتوب عليها اسم شركة:

 

المرسى للاستثمارات السياحية.

 

الأستاذ عادل قرب الصورة من عينيه.

 

“الاسم ده مهم.”

 

“تعرفه؟”

 

قال:

 

“شركة المرسى كانت من الشركات القديمة اللي اشتغلت في الأراضي الساحلية. لازم نراجع إذا كان فيه ارتباط بينها وبين مجموعة المراكبي الحالية.”

 

حسيت إن قلبي بيدق أسرع.

 

“يعني زياد ممكن يكون عارف إن ليا حق في الشركة؟”

 

قال:

 

“ممكن. لكن ما نقدرش نثبت إنه أخفى معلومات أو تصرف في حقوقك من غير مستندات.”

 

سألته:

 

“نعمل إيه؟”

 

رد:

 

“هنبدأ من السجلات الرسمية، ونراجع كل المعاملات اللي تخص اسم والدك، وبعدها نشوف إذا كان فيه أي تحويلات أو تنازلات محتاجة تحقيق.”

 

وافقت.

 

وقبل ما أمشي، سألني:

 

“فيه حاجة تانية حصلت؟”

 

فكرت في ليلى، وفي زينة الصغيرة اللي ما لهاش ذنب في أي حاجة.

 

قلت:

 

“أنا مش عايزة البنت تدفع تمن أخطاء الكبار.”

 

الأستاذ عادل هز رأسه.

 

“وده حقها. أي خلاف بينك وبين أمها أو أبوها لازم يفضل منفصل عن حقوقها كطفلة.”

 

خرجت من المكتب، وقررت إني مش هستخدم زينة كسلاح ضد حد.

 

هي بنت صغيرة، وما اختارتش الظروف اللي اتولدت فيها.

 

لكن ده ما يمنعش إن أبوها وأمها لازم يتحملوا مسؤولية أفعالهم.

 

مرت تلات أيام.

 

زياد ما رجعش البيت، لكنه بدأ يبعت رسائل كتير.

 

مرة يقول إنه عايز يصلح الأمور.

 

ومرة يقول إن ليلى كانت بتمر بظروف صعبة وإنه حاول يساعدها.

 

ومرة يقول إن اللي حصل كان خطأ وإنه مستعد يعوضني عن أي وجع سبب لي.

 

كنت بقرأ الرسائل، وما بردش.

 

لحد ما وصلتني رسالة مختلفة.

 

“فريدة، أنا عارف إنك زعلانة، لكن فيه ناس تانية ممكن تتضرر لو الموضوع اتفتح. خلينا نتقابل ونتفاهم.”

 

المرة دي رديت.

 

“مين الناس التانية؟”

 

رد بعد ثواني:

 

“الشركاء. والموظفين. والناس اللي ليها مصالح في الشركات.”

 

كتبت:

 

“لو الشركات سليمة، محدش هيتضرر من مراجعة قانونية.”

 

ما ردش بعدها.

 

وفي نفس اليوم، الأستاذ عادل اتصل بيا.

 

“فريدة، وصلنا لأول نتيجة.”

 

قعدت على طرف السرير.

 

“قول.”

 

“فيه مستندات قديمة بتشير إن والدك كان عنده حصة في شركة دخلت بعد كده في شراكة مع مجموعة المراكبي. لكن فيه اختلاف بين الأرقام الموجودة في الوصية والسجلات الحالية.”

 

قلت:

 

“يعني فيه تلاعب؟”

 

رد بحذر:

 

“ما نقدرش نقول كده لسه. ممكن يكون فيه بيع أو تسوية حصلت من سنين، وممكن تكون فيه أوراق ناقصة. محتاجين نسخة من ملف الشركة القديم.”

 

سألته:

 

“ونجيبها منين؟”

 

قال:

 

“فيه أرشيف قديم للشركة. وهنقدم طلب رسمي للحصول على المستندات المتاحة.”

 

قفلت المكالمة، وفضلت أفكر.

 

لو زياد كان يعرف بوجود الحصة دي، هل كان قرب من عيلتي بسببها؟

 

هل كان جوازنا مجرد وسيلة يدخل بيها إلى ملف قديم؟

 

ولا إن الحقيقة بدأت بحكاية شخصية، وبعدها اتشابكت مع المصالح والفلوس؟

 

ما كنتش عايزة أتهمه من غير دليل.

 

لكن كنت مصممة أوصل للحقيقة مهما كانت.

 

بعد أسبوع، ليلى جت لي البيت.

 

المرة دي ما دخلتش من غير ما تستأذن.

 

بصيت لها من ورا الباب، وشفتها شايلة زينة بين إيديها.

 

قالت بصوت متردد:

 

“ممكن أدخل؟”

 

اترددت لحظة، وبعدها فتحت الباب.

 

دخلت وقعدت في الصالة، وهي بتبص حوالين المكان بتوتر.

 

زينة كانت نايمة، ملفوفة في بطانية وردية صغيرة.

 

فضلت باصة للبنت شوية.

 

كانت ملامحها هادية، وإيديها الصغيرة مقفولة جنب وشها.

 

ليلى قالت:

 

“أنا عارفة إنك مش عايزة تشوفيني.”

 

قلت:

 

“أنا مش عايزة أسمع تبريرات.”

 

هزت رأسها.

 

“مش جاية أبرر.”

 

سكتت شوية، وبعدها قالت:

 

“أنا جاية أقولك إن زياد ما كانش أول واحد دخل حياتي بالطريقة دي.”

 

لفيت لها بسرعة.

 

“يعني إيه؟”

 

بدأت دموعها تنزل.

 

“من سنين، قبل جوازك منه، كنت بشوفه في مناسبات عائلية. كان بيعاملني باهتمام، وأنا كنت فاكرة إن ده لأنه شايفني أختك الصغيرة. لما اتجوزك، حاولت أبعد، لكن ماما كانت دايمًا بتقول لي إنك محظوظة وإن حياتك هتتغير.”

 

قلت:

 

“وده يبرر اللي حصل؟”

 

“لأ.”

 

ردت بسرعة، وكملت:

 

“بعد جوازكم بفترة، حصلت مشكلة بيني وبين ماما. كنت محتاجة فلوس علشان أبدأ مشروع صغير، وزياد عرض يساعدني. في الأول كان الموضوع شغل، وبعدها الأمور خرجت عن السيطرة.”

 

حسيت بالغضب بيطلع جوايا.

 

“وإنتِ ما فكرتيش فيا؟”

 

غطت وشها بإيدها.

 

“فكرت. كل يوم. لكن كل مرة كنت بقول لنفسي إني هوقف كل حاجة، وبعدين أرجع أضعف.”

 

قلت بمرارة:

 

“والنتيجة إنك خلفتي بنت وسميتيها باسمه، وكنتِ مستنية إني أفضل عايشة في الوهم.”

 

ليلى هزت رأسها.

 

“أنا ما كنتش عارفة أقولك إزاي.”

 

“كان ممكن تقولي الحقيقة من أول يوم.”

 

“كنت خايفة.”

 

“من إيه؟”

 

بصت لي بعينين مليانين دموع.

 

“من إنك تكرهيني.”

 

ضحكت بحزن.

 

“إنتِ كنتِ فاكرة إن إخفاء الحقيقة هيخليني أحبك أكتر؟”

 

ما ردتش.

 

وبعدين مدت إيدها وطلعت من شنطتها ظرفًا صغيرًا.

 

“فيه حاجة لقيتها في مكتب زياد من يومين. كنت بدور على أوراق تخص زينة، ولقيت الملف ده وسط مستندات قديمة. أنا مش فاهمة كل اللي فيه، لكن اسمك مكتوب عليه.”

 

خدت الظرف منها.

 

كان عليه ختم شركة المرسى للاستثمارات السياحية.

 

فتحت الظرف، ولقيت صورة من خطاب قديم، ومجموعة أرقام، وتوقيعًا أعرفه كويس.

 

توقيع زياد.

 

رفعت عيني لها.

 

“إنتِ صورتي الورق ده؟”

 

هزت رأسها.

 

“أيوه. خفت أسيبه هناك.”

 

سألتها:

 

“هو عارف إنك خدتيه؟”

 

“مش عارفة.”

 

حطيت الورق في الملف، وقلت:

 

“ليلى، أنا مش هقدر أسامحك دلوقتي. ومش هقدر أرجع علاقتنا زي الأول. لكن لو فيه مستندات تخص الحقيقة، لازم تتسلم للمحامي.”

 

هزت رأسها.

 

“اعملي اللي إنتِ شايفاه صح.”

 

قامت وهي شايلة زينة.

 

وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب وقالت:

 

“فريدة، أنا عارفة إن الكلام مش كفاية، بس أنا مش عايزاكي تفتكري إن زينة كانت جزء من أي خطة. هي بنتي، ومهما حصل، مش هسمح لحد يستخدمها علشان يأذيكي.”

 

بصيت للبنت النائمة.

 

قلت:

 

“وأنا كمان مش هسمح لحد يأذيها. لكن ده مش معناه إن اللي حصل هيتنسى.”

 

خرجت ليلى.

 

وأنا رجعت للمكتب، وفتحت المستندات اللي سابتها.

 

كان فيه خطاب بتاريخ يرجع لأربع سنين، قبل جوازي من زياد بشهور.

 

الخطاب موجه إلى إدارة شركة المرسى، وفيه طلب مراجعة حصة موروثة باسم فريدة محمود عبد الرحمن.

 

وفي آخر الخطاب، كان مكتوبًا بخط إيد زياد:

 

“يُرجى عدم اتخاذ أي إجراء قبل مراجعة المستندات الأصلية.”

 

قرأت الجملة مرة واتنين.

 

أربع سنين.

 

يعني قبل ما أتجوزه، كان اسمي موجودًا في ملف الشركة.

 

وقبل ما أكون مراته، كان عارف إن فيه حق محتمل باسمي.

 

لكن السؤال اللي خلاني ما أنامش الليلة دي كان أبسط وأخطر من كل اللي فات:

 

هو اتجوزني لأنه حبني فعلًا، ولا لأنه كان عايز يوصل لحاجة تخصني؟

 

تاني يوم، رحت مع الأستاذ عادل إلى مقر الشركة القديمة.

 

المبنى كان في وسط القاهرة، بعيد عن الأبراج الزجاجية والفنادق الفخمة اللي ارتبطت باسم زياد. واجهته قديمة، والدهان متقشر عند المدخل، لكن جوه كان فيه أرشيف كبير يضم ملفات عقود من عشرات السنين.

 

استقبلنا موظف مسؤول عن السجلات، وراجع الطلب الرسمي، وبعدها دخل غرفة جانبية.

 

رجع بعد حوالي نص ساعة، ومعاه صندوق مستندات.

 

قال:

 

“دي الملفات اللي قدرنا نوصل لها. فيه أجزاء ناقصة بسبب نقل الأرشيف أكتر من مرة، لكن ده الموجود.”

 

الأستاذ عادل بدأ يراجع الأوراق، وأنا كنت قاعدة جنبه، بحاول أفهم كل سطر.

 

ظهرت أسماء شركات، وتواريخ، وعقود بيع، وتنازلات عن حصص.

 

وبعد وقت طويل، وقف عند ورقة معينة.

 

“فريدة، بصي هنا.”

 

قربت.

 

كان فيه عقد إعادة هيكلة للشركة، مؤرخ بعد وفاة محمود بسنوات، وبيشير إلى حصة موروثة باسم فريدة محمود عبد الرحمن.

 

لكن في الصفحة التالية، كان فيه ملحق بيقول إن الحصة دخلت في تسوية مالية، مقابل التزامات قديمة تخص الشركة.

 

الأستاذ عادل راجع التوقيعات.

 

“التوقيع المنسوب لولي أمرك موجود، لكن لازم نفحص أصل المستند ونتأكد من صحة الإجراءات، خصوصًا إنك كنتِ قاصر وقتها.”

 

سألته:

 

“يعني حقي ضاع؟”

 

رد:

 

“مش بالضرورة. فيه أسئلة كتير لسه محتاجة إجابات. مين وافق على التسوية؟ هل كانت قانونية؟ هل تم تمثيل مصلحتك بشكل صحيح؟ وهل فيه أي مستحقات تانية ما اتسوتش؟”

 

قلب الورقة الأخيرة.

 

وفجأة، سكت.

 

قلت:

 

“فيه إيه؟”

 

رفع رأسه ببطء.

 

“فيه اسم.”

 

بصيت للورقة.

 

كان اسم زياد المراكبي موجودًا ضمن لجنة مراجعة الصفقة، رغم إن الخطاب اللي لقيناه قبل كده كان بيشير إنه طلب مراجعة المستندات.

 

قلت:

 

“يعني هو كان مسؤول؟”

 

رد:

 

“مش بالضرورة مسؤول عن التسوية نفسها. وجود اسمه معناه إنه شارك في المراجعة أو كان طرفًا فيها. لازم نعرف دوره بالتحديد.”

 

رجعت بظهري للكرسي.

 

كل مرة أفتكر إني وصلت للحقيقة، تظهر حقيقة تانية أكبر.

 

الأستاذ عادل جمع الأوراق وقال:

 

“هنطلب فحص المستندات، وهنراجع التسلسل القانوني للملكية. ومهم جدًا ما نعلنش أي اتهامات قبل ما يكون معانا دليل واضح.”

 

وافقت.

 

لكن وأنا خارجة من المبنى، لقيت عربية سوداء واقفة في الناحية التانية من الشارع.

 

الزجاج كان غامق، لكني لمحت الراجل اللي قاعد ورا.

 

زياد.

 

ما نزلش من العربية.

 

فضل باصص لي لحد ما ركبت عربيتي، وبعدها العربية اتحركت واختفت وسط الزحمة.

 

ما احتجتش أسأله كان بيعمل إيه هناك.

 

هو كان عارف إننا هنوصل للأرشيف.

 

والأهم إنه كان عارف إن الملف ده ممكن يغير كل حاجة.

 

في الليلة نفسها، وصلني اتصال من رقم أرضي.

 

رديت.

 

جالي صوت راجل كبير في السن، متردد لكنه واضح.

 

“مساء الخير. حضرتك فريدة محمود عبد الرحمن؟”

 

قلت بحذر:

 

“أيوه، مين معايا؟”

 

قال:

 

“اسمي حمدي الشاذلي. كنت شغال محاسب في شركة المرسى من سنين طويلة. ووصلني إنك بتدوري على مستندات تخص والدك.”

 

قلبي دق بسرعة.

 

“إنت تعرف والدي؟”

 

“أيوه. وكنت موجود وقت ما حصلت التسوية القديمة.”

 

سكت لحظة، وبعدها قال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى