
هزت راسها، وبعدين قالت بصوت مكسور:
— أيوه يا صافي… ده ابنك الكبير.
اتجمدت مكاني.
أنا ما عنديش غير طارق!
لفيت لها وأنا مش فاهمة.
— ابن مين يا سعاد؟! إنتِ بتقولي إيه؟!
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل الراجل اللي شوفته على الكاميرا.
أستاذ سامح كان وراه مباشرة.
الراجل وقف في نص الصالة، وبص لي طويلًا، وبعدها قال:
— السلام عليكم يا مدام صافي.
ما رديتش عليه.
كنت ببص له، وبحاول أفتكر أنا شوفته فين قبل كده.
ملامحه فيها حاجة مألوفة، خصوصًا عينيه وطريقة وقوفه، لكن ذاكرتي كانت مشوشة من الصدمة.
أستاذ سامح قرب مني وقال:
— اقعدي يا مدام صافي، لأن اللي هتسمعيه محتاج إنك تكوني هادية.
ضحكت بمرارة.
— هادية؟! إنتوا داخلين بيتي واحد ورا التاني، وابني بي
— هادية؟! إنتوا داخلين بيتي واحد ورا التاني، وابني بيقول على واحد فيكم بابا، وأختي بتقول لي إن عندي ابن تاني، ولسه عايزني أبقى هادية؟!
الراجل الغريب نزل عينيه للأرض، وقال:
— من حقك تعرفي الحقيقة كلها. وأنا جاي النهارده عشان أحكي لك كل حاجة، حتى لو بعد الكلام ده عمرك ما سامحتيني.
وبعدين بص ناحية طارق.
طارق أول ما شافه، جري عليه وحضنه.
الراجل ضمّه لصدره، وفضل يمسح على شعره، وهو بيقول:
— وحشتني يا ابني.
في اللحظة دي، ما قدرتش أتحمل أكتر من كده.
صرخت:
— ابني إيه؟! إنت مين؟! وإزاي بتقول له يا ابني؟!
الراجل رفع عينيه ليا، وقال:
— أنا اسمي حسام… وأنا أخوكي يا صافي.
المشهد الخامس: السر اللي اتدفن مع جوزي
فضلت باصة له من غير ما أتكلم.
أخويا؟
حسام؟
أنا كان عندي أخ اسمه حسام فعلًا، لكنه مات من أكتر من خمسة وعشرين سنة، في حادثة سفر، أو ده اللي اتقال لي وقتها.
أنا حضرت العزا، وشفت شهادة الوفاة، وأهلي وقتها قالوا لي إن الجثمان اتدفن بعيد، وإن ظروف الحادثة ما سمحتش بنقله.
كنت لسه صغيرة نسبيًا، ومتجوزة من سنين قليلة، ومن يومها ما شفتش حسام تاني.
بصيت للراجل اللي واقف قدامي وقلت:
— إنت بتكدب! أخويا مات!
هز راسه وقال:
— أنا عارف إنك هتقولي كده، وعارف إن عندك كل الحق إنك ما تصدقينيش. لكن أنا حسام فعلًا، أخوكي اللي اختفى من حياتك من خمسة وعشرين سنة.
قربت منه وأنا برتعش.
— طب لو إنت حسام، فين كنت كل السنين دي؟ وليه ما رجعتش؟ وليه سيبتني أعيش وأنا فاكرة إنك مت؟
حسام قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
— لأن اللي حصل زمان كان أكبر مني ومنك. وأنا غلطت لما سكت كل السنين دي، وغلطت لما خليتك تعيشي على حكاية مش حقيقية.
أستاذ سامح تدخل وقال:
— يا مدام صافي، إحنا محتاجين نفصل بين موضوعين. موضوع اختفاء أستاذ حسام، وموضوع طارق. لأن الاتنين مرتبطين ببعض، لكن مش بالطريقة اللي حضرتك متخيلاها.
بصيت له بحدة.
— اتفضلوا احكوا. أنا مش هسيب البيت قبل ما أعرف كل حاجة.
حسام بدأ يتكلم.
قال لي إنه في آخر سنة من حياته قبل الاختفاء، كان بيشتغل مع جوزي في تجارة الأدوات الكهربائية. وكان بينهم شغل مشترك، ومبالغ مالية، واتفاقات مكتوبة.
في الوقت ده، حصل خلاف كبير بين جوزي وبين شريك تالت اسمه عادل، كان مسؤول عن الحسابات.
عادل اتهم حسام إنه اختلس مبلغ كبير من الشركة، وقدم أوراق تثبت كلامه.
حسام حلف إنه بريء، لكن الأوراق كانت ضده، والناس اللي كان فاكرهم هيساندوه بدأوا يبعدوا عنه.
وفي يوم، اكتشف إن فيه مستندات مهمة اتزورت، وإن حد استخدم توقيعه في معاملات ما عملهاش.
حاول يثبت براءته، لكن قبل ما يقدر يعمل ده، حصلت حادثة في الطريق، واتنقل للمستشفى في محافظة تانية من غير أوراق تثبت هويته بشكل كامل.
قال حسام:
— أنا فضلت فترة طويلة بتعالج، وبعدها اكتشفت إن فيه ناس بتدور عليا، وإن رجوعي ممكن يسبب مشاكل كبيرة لناس كتير. كنت فاكر إن اختفائي هيحميكم، لكن الحقيقة إني كنت بهرب من المواجهة.
قلت له بغضب:
— وده يديك الحق تسيب أختك تعيش خمسة وعشرين سنة فاكرة إن أخوها مات؟!
رد بصوت واطي:
— لأ. مفيش أي مبرر يخليني أعمل كده.
لأول مرة، حسيت إنه مش بيحاول يدافع عن نفسه.
لكنه كمل كلامه، وقال إن جوزي كان الوحيد اللي صدقه من البداية، وإنه فضل يدور عليه لحد ما قدر يوصل له بعد سنين.
ساعتها قلبي بدأ يدق بسرعة.
— جوزي كان عارف إنك عايش؟
حسام هز راسه.
— أيوه. كان عارف، وقابلني أكتر من مرة قبل ما يتوفى.
بصيت لسعاد.
كانت واقفة في مكانها، وبتعيط في صمت.
صرخت فيها:
— وإنتِ كمان كنتِ عارفة؟!
قالت:
— عرفت بعد وفاة جوزك بفترة، لما حسام اتواصل معايا. هو طلب مني ما أقولكيش لحد ما يقدر يحل المشاكل اللي كانت لسه مرتبطة باسمه.
— وإنتِ وافقتي؟!
— أيوه، وده كان غلط مني. أنا افتكرت إني بحميكي، لكني في الحقيقة زودت وجعك.
كنت حاسة إني عايزة أصرخ فيهم كلهم، لكن فيه سؤال واحد كان أهم من كل ده.
بصيت لحسام وقلت:
— طيب إيه علاقة طارق بكل الكلام ده؟ وليه ابني بيقول لك بابا؟
حسام سكت لحظة، وبعدين بص لطارق اللي كان قاعد جنبه.
— لأن طارق كان متعلق بيا من صغره. جوزك كان بياخده معاه لما يقابلني في الفترة اللي سبقت وفاته، وكنت بقضي معاه وقت طويل. طارق كان صغير، لكنه افتكرني كويس، خصوصًا إني كنت بلعب معاه وأجيبلُه الحاجات اللي بيحبها.
قلت له:
— لكن إنت اختفيت قبل ما طارق يكبر!




