
قعدت هبة على الكرسي المقابل، وفضلت تبص للظرف اللي في إيدها.
وبعدين قالت:
— أنا ما اتجوزتش طارق عشان أستغله، ولا عشان أضحك عليه. أنا كنت بنت عندها عشرين سنة، وأهلي كانوا غرقانين في الديون، ولما حضرتك عرضتي عليهم الفلوس مقابل الجواز، هما وافقوا من غير ما يسألوني أنا عايزة إيه.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— أنا غلطت لما وافقت من غير ما أفكر في طارق. وغلطت لما سكت عن حاجات كان لازم أتكلم عنها من أول يوم. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها: أنا عمري ما قربت من طارق بطريقة تأذيه، ولا طلبت منه حاجة هو مش فاهمها أو مش مرتاح لها.
بصيت لها من غير ما أرد.
قالت:
— لما لقيته بيخاف مني، حاولت أفهم السبب. اكتشفت إنه مش بس خايف من وجودي، ده كان بيخاف من أي تغيير في روتينه، وبيقلق جدًا لما يلاقيكي مش موجودة. ومع الوقت، فهمت إنه محتاج مساعدة متخصصة، مش حد يتجوز منه وخلاص.
سألتها:
— والراجل اللي جه البيت؟
هبة رفعت عينيها ليا وقالت:
— أستاذ سامح. متخصص في دعم وتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة، وكان بيتابع حالة طارق من فترة.
حسيت إني مش فاهمة.
— بيتابع حالة طارق من فترة إزاي؟ وأنا ما أعرفش حاجة عن الكلام ده!
هبة بصت لسعاد، وسعاد غمضت عينيها كأنها بتستعد لوجع كبير.
وبعدين هبة قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة في حياتي:
— لأن طارق كان بيتقابل مع أستاذ سامح من قبل ما حضرتك تفكري في جوازه، وكان فيه حد من عيلتكم هو اللي طلب منه يتدخل… والحد ده هو اللي سلّمه الصورة القديمة اللي شوفتيها على الكاميرا.
بصيت لأختي.
— مين يا سعاد؟
سعاد ما ردتش.
هبة مدت لي الظرف الأبيض.
— افتحيه يا طنط، وهتعرفي ليه طارق كان بيقول لأستاذ سامح «بابا»، وليه إحنا كلنا خايفين من اللحظة اللي هتعرفي فيها الحقيقة.
مديت إيدي آخد الظرف، لكن قبل ما أفتحه، سمعت صوت طارق من ورايا.
— ماما، ماتزعليش من بابا… هو قال لي إنه هيرجع ياخدني معاه، وإنك هتوافقي لما تعرفي هو مين.
لفيت له ببطء.
— طارق… إنت تقصد إيه بكلامك ده؟
طارق بص لي بعينيه البريئة، وبعدين مد إيده ناحية جيبه وطلع مفتاحًا صغيرًا، كان متعلقًا بسلسلة قديمة أعرفها كويس.
دي كانت سلسلة جوزي الراحل، اللي اختفت من درج أوضتي من سنين، وكنت فاكرة إني ضيعتها.
طارق حط المفتاح في إيدي وقال:
— ده بابا سابهولي، وقال لي ما أديهوش لماما غير لما الراجل اللي في الصورة ييجي.
في اللحظة دي، سعاد شهقت، وهبة غطت وشها بإيديها، ومحمود رجع خطوتين لورا.
أما أنا، ففضلت ماسكة المفتاح وببص له، لحد ما افتكرت حاجة خلت الدم يهرب من وشي.
المفتاح ده ما كانش بيفتح أي باب في بيتنا.
كان بيفتح صندوقًا حديديًا صغيرًا، جوزي دفنه بنفسه جوه مخزن قديم كان مقفول من يوم وفاته.
صندوق أقسم عليّ قبل موته إني ما أفتحهش أبدًا إلا لو جه يوم واضطريت أعرف الحقيقة.
رفعت عيني لسعاد وقلت:
— إنتِ كنتِ عارفة إن الصندوق ده موجود؟
سعاد دموعها نزلت، وهزت راسها بالموافقة.
وبعدين قالت:
— أيوه يا صافي… وكنت عارفة كمان إن اللي جواه ممكن يغيّر كل حاجة إنتِ مصدقاها عن جوزك وعن طارق.
وقبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، تليفون هبة رن.
ردت، وسمعتها بتقول:
— أيوه يا أستاذ سامح… إحنا فتحنا الظرف.
سكتت لحظة، وبعدين وشها اتغير تمامًا.
بصت لي وقالت بصوت مرتعش:
— هو بيقول إننا لازم نروح المخزن دلوقتي، لأن فيه حد دخل المكان من شوية، والصندوق اتفتح بالفعل.
وبعدها سمعت صوت أستاذ سامح من التليفون، واضح ومرعوب:
— يا مدام صافي، اسمعيني كويس… لو الصندوق اتفتح قبل ما توصلي، يبقى الشخص اللي جوزك كان بيحاول يحمي طارق منه عرف إنكم بدأتوا تدوروا وراه… والشخص ده غالبًا موجود دلوقتي في بيتك!
أول ما سمعت كلام أستاذ سامح، حسيت إن رجلي مش شيلاني، وبصيت ناحية باب الشقة كأني مستنية أشوف حد واقف وراه.
قلت لهبة بصوت مرتعش:
— هو مين الشخص ده؟! مين اللي جوزي كان بيحاول يحمي طارق منه؟! اتكلمي يا بنتي، أنا خلاص أعصابي مبقتش مستحملة!
هبة كانت ماسكة التليفون بإيد، والظرف الأبيض بالإيد التانية، ووشها أصفر كأنها شافت عفريت.
قالت لأستاذ سامح:
— إحنا كلنا في البيت، ومفيش حد غريب معانا. تقصد مين؟
رد عليها بصوت حاسم:
— أنا مش هقدر أشرح كل حاجة في التليفون. اقفلوا الباب كويس، ومحدش يفتح لأي حد لحد ما أوصل لكم. والأهم من ده كله، محدش يقرب من طارق أو ياخده من البيت لوحده.
أول ما سمعت الجملة الأخيرة، صرخت فيه:
— إنت بتقول إيه؟! ده ابني! هو فيه حد ممكن ياخده مني؟!
لكنه أنهى المكالمة.
فضلت باصة للتليفون، مش مصدقة إن الراجل اللي كنت فاكرة إنه داخل بيتي عشان يعمل مصيبة، بقى هو الشخص الوحيد اللي ممكن يفسر لي إيه اللي بيحصل.
أما طارق، فكان واقف جنبي، ماسك في طرف عبايتي، وبيبص لوشي بخوف.
نزلت لمستواه، وحاولت أبتسم له رغم الرعب اللي جوايا.
— مالك يا حبيبي؟ إنت خايف ليه؟
قال لي:
— ماما، هو بابا زعلان منك؟
السؤال نزل على قلبي زي الحجر.
ضمّيته لصدري وقلت له:
— لأ يا حبيبي، ماما بس عايزة تفهم حاجات كتير.
رد عليا بمنتهى البراءة:
— طيب لما تفهمي، هتسيبيني أروح معاه؟
ما عرفتش أرد.
لأن السؤال اللي ابني سألهولي في اللحظة دي، كان أصعب من كل الأسئلة اللي دارت في دماغي من ساعة ما شفت التسجيل.
هو عايز يروح مع الراجل ده فعلًا؟
وهل أنا، من كتر خوفي عليه، بقيت بحرمه من حاجات هو محتاجها؟
لكن قبل ما أقدر أتكلم، سمعنا صوت خبط على الباب.
تلات خبطات متتالية.
هبة جريت تبص من العين السحرية، وبعدها رجعت بسرعة وهي بتقول:
— طنط صافي… ده أستاذ سامح.
محمود قرب من الباب، لكنه قبل ما يفتحه، سمعنا صوت راجل تاني من بره بيقول:
— افتحوا يا جماعة، أنا عارف إنكم جوه!
الصوت كان مألوفًا جدًا.
بصيت لسعاد، لقيتها حاطة إيدها على بقها، ودموعها نازلة.
قلت لها:
— إنتِ تعرفي الصوت ده؟




