روايات وقصص

حكايات زهرة الربيع 1

 

ـ الخطاب بيقول إنه كان بيحقق في مخالفات مالية، لكنه ما يثبتش لوحده مين المسؤول عنها، ولا إن وفاة أي شخص كانت مرتبطة بالموضوع. لازم نفحص الدفتر والمستندات، ونتأكد من صحتها.

 

فتحت الدفتر، وبدأت أقلب صفحاته.

 

كانت فيه تواريخ ومبالغ وأرقام حسابات، وأسماء موظفين، وبعض الصفحات عليها علامات بالقلم الأحمر. وبعد حوالي عشر دقايق، لقيت اسمًا متكررًا في أكتر من صفحة.

 

اسم صبري.

 

بصيت لشادية.

 

وشها كان أبيض تمامًا.

 

ـ هو ده نفس صبري اللي بييجي عندنا؟

 

هزت راسها ببطء.

 

ـ أيوه يا بيه. بس إزاي اسمه موجود في حسابات الشركة؟

 

الأستاذ سامح أخد الدفتر، وبدأ يراجع الصفحات بنفسه.

 

ـ محتاجين نسخة مصورة من المستندات دي، ونراجع السجلات الرسمية عشان نعرف طبيعة المعاملات دي. ما ينفعش نستنتج إن الشخص ده ارتكب جريمة من مجرد وجود اسمه في الدفتر.

 

كنت لسه بحاول أستوعب الكلام، لما سمعت صوت عربية تقف بره المخزن.

 

وبعدها خطوات سريعة قربت من الباب.

 

شادية مسكت إيد ياسين، والطفل استخبى وراها.

 

الباب اتفتح، ودخل راجل في منتصف الخمسينات، لابس بدلة رمادية، وشعره أبيض عند الجانبين.

 

أول ما شفته، حسيت إن الزمن رجع بيا لورا.

 

كنت أعرفه.

 

كان الدكتور نبيل، شريك أخويا القديم، والرجل اللي حضر عزاء محمود، ووقف جنبي يوم وفاة ابني عمر، وقال لي وقتها إنه لو احتجت أي حاجة، فهو موجود.

 

بص لي، وبعدها بص للدفتر اللي في إيد الأستاذ سامح.

 

وشه اتغير.

 

قال بصوت منخفض:

 

ـ فؤاد… إنت بتعمل إيه هنا؟

 

قلت له:

 

ـ ده مخزن أخويا، وأنا جاي أشوف أوراقه. لكن السؤال الأهم: إنت عرفت منين إننا هنا؟

 

سكت لحظة، وبعدها قال:

 

ـ أنا كنت شريك محمود، ومن حقي أعرف إنت بتدور على إيه.

 

رد الأستاذ سامح:

 

ـ أي مستندات تخص الشركة هنراجعها بالطريق القانوني، ومش من حق أي حد ياخدها من غير إثبات صفته.

 

الدكتور نبيل بص لشادية، وبعدين لياسين.

 

وفجأة، قال:

 

ـ الولد ده مين؟

 

شادية ردت بسرعة:

 

ـ ده أخويا.

 

نبيل قرب خطوة، وفضل يبص لوش ياسين كأنه بيحاول يفتكر حاجة.

 

وبعدين قال:

 

ـ حسن كان عنده ولد؟

 

شادية استغربت.

 

ـ أيوه، ياسين ابنه. إنت كنت تعرف بابا؟

 

نبيل ما ردش عليها. فضل مركز مع الطفل، وبعد لحظات قال لي:

 

ـ فؤاد، لازم نتكلم لوحدنا.

 

قلت له:

 

ـ اتكلم قدامنا كلنا.

 

بص ناحية الباب، وبعدها قال:

 

ـ مش هنا. فيه حاجات لو اتقالت هنا، ممكن تتفهم غلط.

 

رديت بحدة:

 

ـ أنا تعبت من الناس اللي بتقول نص الكلام وتمشي. أخويا مات، وأبو شادية مات، وأنا لقيت أوراق فيها اسم صبري، وكل واحد بيظهر قدامي عايزني أروح مكان تاني عشان أسمع الحقيقة بعيد عن الباقيين. المرة دي محدش هيمشي قبل ما نفهم اللي بيحصل.

 

نبيل أخد نفسًا طويلًا، وبعدها قال:

 

ـ طيب. هقول اللي أعرفه، لكن لازم تعرف إن جزءًا من الحكاية دي ما كنتش أعرفه وقتها.

 

وبدأ يحكي.

 

قال إن محمود اكتشف اختلافات في حسابات الشركة، وإن حسن، والد شادية، كان أول شخص لفت نظره ليها. في البداية، كانوا فاكرين إن المشكلة أخطاء محاسبية، لكن مع مراجعة الفواتير، اكتشفوا إن فيه تحويلات مالية اتعملت من غير مستندات كافية.

 

صبري كان مسؤولًا عن متابعة بعض المعاملات، لكنه ما كانش الشخص الوحيد اللي عنده صلاحية التعامل مع الحسابات.

 

قبل ما يقدروا يحددوا المسؤول، حسن مات في حادثة، وبعدها بفترة قصيرة، محمود مات بسبب أزمة صحية مفاجئة.

 

نبيل أكد إنه ما عندوش دليل إن الوفاتين كان ليهم علاقة بالمخالفات، وإنه وقتها ما كانش عارف إن حسن ساب أوراقًا عند شادية.

 

سألته:

 

ـ طب إنت كنت بتعمل إيه هنا النهارده؟

 

نبيل بص لياسين، وبعدها قال:

 

ـ أنا عرفت من صبري إنك ممكن توصل للمخزن. وجيت أحاول أتكلم معاك قبل ما تعمل أي تصرف بناءً على أوراق مش كاملة.

 

الأستاذ سامح سأله:

 

ـ وإيه اللي يخليك تعرف إن فؤاد هييجي النهارده تحديدًا؟

 

نبيل سكت.

 

كانت دي أول مرة أشوفه عاجز عن الرد.

 

وفجأة، ياسين خرج من ورا شادية، وبص للدكتور نبيل وقال:

 

ـ أنا شفت حضرتك قبل كده.

 

نبيل اتوتر.

 

ـ شفتني فين يا حبيبي؟

 

ياسين رد:

 

ـ في الصورة اللي ماما كانت مخبياها. إنت كنت واقف مع بابا وصبري، وبابا كان زعلان منك.

 

شادية حطت إيدها على كتف أخوها.

 

ـ ياسين، إنت متأكد من كلامك؟

 

الطفل هز راسه.

 

ـ أيوه. ماما ورّتني الصورة قبل ما تموت، وقالتلي إن الراجل اللي لابس الساعة الفضية هو اللي كان آخر واحد شاف بابا قبل الحادثة.

 

كلنا بصينا ناحية إيد الدكتور نبيل.

 

كان لابس ساعة فضية.

 

نبيل رفع إيده بسرعة، كأنه فهم إننا بنبص عليها، وقال:

 

ـ أنا كنت شريك حسن في مشروع تجاري صغير، قبل ما أشتغل مع محمود. وده مش دليل على أي حاجة.

 

الأستاذ سامح رد:

 

ـ محدش اتهمك بحاجة. لكن طالما فيه مستندات وشهادات محتاجة مراجعة، لازم كل ده يتوثق.

 

نبيل بص لي طويلًا، وبعدها قال:

 

ـ فؤاد، فيه حاجة لازم تعرفها عن آخر مكالمة بينك وبين محمود. هو ما كانش بيتصل بيك عشان يطلب منك مساعدة في موضوع الشركة بس. كان عايز يحذرك من حاجة تخصك إنت شخصيًا.

 

حسيت إن صدري ضاق.

 

ـ تخصني أنا إزاي؟

 

نبيل بص للأرض، وبعدها قال:

 

ـ محمود كان عارف إنك بتعاني من ضغط كبير في شغلك، وإن فيه ناس بتحاول تقنعك تدخل شراكة جديدة. كان عنده شك إن بعض الأوراق اللي اتعرضت عليك مش سليمة، وكان ناوي يقابلك ويحذرك قبل ما تمضي.

 

رجعت بذاكرتي لليلة وفاة عمر.

 

افتكرت إني فعلًا كنت داخل في مفاوضات شراكة جديدة، وإن محمود اتصل بيا في نفس الليلة. لكنه ما لحقش يقول لي حاجة، لأن عمر كان بينادي عليا من ناحية البسين، وأنا أنهيت المكالمة بسرعة، وبعدها حصل اللي حصل.

 

قلت بصوت متقطع:

 

ـ يعني محمود كان عايز يحذرني من شراكة؟ وإيه علاقة ده بموت ابني؟

 

نبيل رد بسرعة:

 

ـ ما عنديش أي دليل يربط بين الموضوعين. أنا بقولك اللي أعرفه بس.

 

لكن قبل ما أقدر أسأله أكتر، موبايل الأستاذ سامح رن.

 

رد، وسمعنا صوته وهو بيقول:

 

ـ أيوه، أنا معاه دلوقتي… إيه؟ إنت متأكد من الكلام ده؟

 

سكت شوية، وبعدها بص لي بقلق.

 

قفل المكالمة، وقال:

 

ـ فؤاد، أنا اتصلت بموظف قديم في الشركة عشان أراجع اسم صبري. الراجل قال إن صبري مش شغال في الشركة من سنين، وإنه خرج منها بعد خلاف مالي كبير. لكن فيه حاجة أهم.

 

سألته:

 

ـ إيه؟

 

قال:

 

ـ فيه ملف رسمي قديم اتسلم للجهات المختصة وقتها، وفيه توقيعات تخص المعاملات اللي في الدفتر. لو قدرنا نوصل للملف ونقارنه بالأوراق اللي معانا، ممكن نعرف مين اللي وقّع فعلًا، ومين اللي كان مسؤول عن التحويلات.

 

بصيت لنبيل، فلقى نفسه مضطر يقول:

 

ـ أنا مستعد أساعد في مراجعة كل الأوراق، بشرط إن محدش يتهم حد قبل ما تظهر الأدلة.

 

قلت له:

 

ـ محدش هيتهم حد من غير دليل، لكن مفيش حد هيخبي حاجة بعد النهارده.

 

جمعت الأوراق بحضور الأستاذ سامح، وقررنا نعمل منها نسخ ونحافظ على أصولها، ونتواصل مع الجهات المختصة لمراجعتها.

 

وقبل ما نخرج من المخزن، شادية قربت مني وقالت بصوت منخفض:

 

ـ يا بيه، أنا عايزة أقولك حاجة عن صبري. هو ما كانش بيهددنا عشان الفلوس بس. من شهر تقريبًا، جه البيت، وقال لي إن فيه حد من عيلة محمود هيدور علينا، وإن لو ظهر، لازم أرفض أتكلم معاه.

 

بصيت لها.

 

ـ قالك ليه؟

 

هزت راسها.

 

ـ لأ. لكنه قال جملة واحدة عمري ما نسيتها: “لو فؤاد عرف إن محمود كان بيحاول ينقذ ابنه، مش هيسامح نفسه أبدًا.”

 

حسيت إن الدنيا كلها سكتت حواليا.

 

ـ ينقذ ابنه؟ تقصدي عمر؟

 

شادية بدأت تعيط.

 

ـ أنا ما فهمتش قصده يا بيه. والله ما فهمت. بس هو قالها بالحرف.

 

وقفت قدامها، وحاولت أتماسك.

 

ـ شادية، أنا لازم أعرف هو كان يقصد إيه.

 

ردت:

 

ـ أنا كمان عايزة أعرف. يمكن عشان كده كنت بخاف من صبري، ويمكن عشان كده كنت بحاول أخبي ياسين عنه. أنا ما عنديش دليل على أي حاجة، لكن عندي إحساس إن صبري عارف أكتر مما بيقول.

 

خرجنا من المخزن، وكل واحد فينا شايل أسئلة أكتر من الإجابات.

 

وصلنا الفيلا بعد الظهر، وطلبت من رئيس الخدم يجهز أوضة مناسبة لشادية وياسين مؤقتًا، لحد ما نرتب أمورهم بشكل رسمي وآمن.

 

لكن أول ما دخلت مكتبي، لقيت مكالمة فائتة من رقم مجهول، وبعدها رسالة صوتية.

 

شغلتها.

 

جالي صوت رجل كبير في السن، بيتكلم بصعوبة:

 

ـ أستاذ فؤاد، اسمي حسن عبدالسلام، وأنا والد شادية… لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى فيه حاجة حصلت منعتني إني أشرحلك الحقيقة بنفسي.

 

وقفت مكاني.

 

حسن مات من تلات سنين.

 

إزاي صوته بقى على موبايلي؟

 

الرسالة كملت:

 

ـ أنا عارف إنك مش هتصدقني، لكن فيه ورق لازم توصله قبل ما يضيع. محمود كان عارف إنك بتحب عمر أكتر من نفسك، وكان خايف عليك من قرار هتاخده في الأيام الجاية. لو عايز تعرف الحقيقة، اسأل عن الملف رقم سبعة في أرشيف الشركة، وراجع تاريخ آخر تحويل مالي قبل وفاة محمود.

 

وبعدها، الصوت اتقطع.

 

رجعت شغلت الرسالة مرة تانية، وبعدين تالتة.

 

ما كانش فيه أي شك إنه صوت حسن، والد شادية.

 

خرجت من المكتب، ولقيت شادية في الصالة بتساعد ياسين يفتح علبة ألوان جديدة كنت جبتها له.

 

ناديتها.

 

لما دخلت، شغلت لها الرسالة.

 

أول ما سمعت صوت أبوها، حطت إيدها على بقها، ودموعها نزلت من غير ما تنطق.

 

بعد ما خلصت الرسالة، بصت لي وقالت:

 

ـ ده صوت بابا فعلًا. آخر مرة سمعته فيها كانت قبل الحادثة بيوم.

 

سألتها:

 

ـ إنتي عندك فكرة عن الرسالة دي؟ أو مين ممكن يكون سجلها؟

 

هزت راسها.

 

ـ لأ يا بيه. بس بابا كان دايمًا بيحتفظ بتسجيلات صوتية لنفسه، عشان يراجع الشغل والأرقام. يمكن يكون سجلها قبل ما يموت.

 

قلت لها:

 

ـ لازم نعرف الرسالة اتسجلت إمتى، وإزاي وصلت لنا دلوقتي.

 

اتصلت بالأستاذ سامح، وحكيت له اللي حصل. طلب مني ما نحذفش الرسالة ولا نبعثها لحد، وإننا نحتفظ بنسخة منها لحد ما نعرف مصدرها.

 

وبعدها رجعت لمكتبي، وفتحت درجًا قديمًا كنت محتفظ فيه بأوراق الشراكة اللي محمود كان بيحذرني منها.

 

قلبت الأوراق واحدة واحدة، لحد ما لقيت عقدًا قديمًا يحمل اسم الشركة اللي كنت ناوي أدخل معاها في الشراكة قبل وفاة عمر.

 

كان فيه توقيع باسمي، وتاريخ التوقيع كان قبل وفاة ابني بيومين.

 

لكن المشكلة إني ما كنتش فاكر إني مضيت العقد ده أصلًا.

 

راجعت الصفحة الأخيرة، فلقيت توقيعًا تانيًا بجانب توقيعي، باسم الشخص المفوض عن الشركة.

 

الاسم كان…

 

الدكتور نبيل.

 

وفي أسفل الصفحة، كانت فيه ملاحظة مكتوبة بخط محمود:

 

“لا تسمح لفؤاد بإتمام الصفقة قبل مراجعة الملف رقم سبعة.”

 

حسيت إن قلبي بيخبط بعنف.

 

محمود كان بيحاول يوقف الصفقة، والرسالة اللي وصلتنا من والد شادية بتتكلم عن الملف نفسه.

 

لكن لسه ما كنتش أعرف إذا كان نبيل أخفى عني معلومات مهمة، أو كان مجرد شريك اتورط في معاملات مش سليمة من غير ما يعرف كل تفاصيلها.

 

في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات في الممر.

 

رفعت راسي، ولقيت ياسين واقف عند باب المكتب، ماسك ورقة رسم عليها بيت صغير وشجرة وشخصين ماسكين إيد بعض.

 

قرب مني وقال:

 

ـ يا عمو فؤاد، هو ينفع أعيش هنا أنا وشوشو لحد ما نعرف بابا مات ليه؟

 

بصيت للورقة، وبعدين بصيت له.

 

قلت:

 

ـ ينفع يا حبيبي، وهتفضل مع أختك، ومحدش هيجبركم على حاجة. بس لازم نعرف الحقيقة بهدوء، ومن غير ما نظلم حد.

 

ابتسم لأول مرة من يوم ما شوفته، وقال:

 

ـ طب ينفع أعلق الرسمة دي في أوضتي؟

 

قلت له:

 

ـ طبعًا.

 

خرج يجري ناحية شادية، وأنا فضلت باصص وراه.

 

كان طفلًا صغيرًا فقد أبوه وأمه، ومش فاهم ليه الكبار بيتخانقوا على الورق والفلوس، ولا ليه فيه ناس عايزة تاخده من أخته الوحيدة.

 

وفكرت إن مهما كانت الحقيقة اللي هنكتشفها، لازم ما ننساش إن فيه طفل محتاج يعيش في أمان.

 

بعدها بدقايق، موبايلي رن تاني.

 

المرة دي كان المتصل الدكتور نبيل.

 

رديت، فسمعت صوته متوترًا:

 

ـ فؤاد، أنا لازم أشوفك فورًا. لقيت حاجة في أوراق الشركة، ومش هقدر أشرحها لك على التليفون.

 

سألته:

 

ـ إيه اللي لقيته؟

 

رد بصوت منخفض:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى