روايات وقصص

حكايات زهرة الربيع 1

 

ـ يا بيه، دي مشاكل عائلية، وملهاش علاقة بحضرتك.

 

بصيت له وقلت:

 

ـ أنا اللي هحدد إذا كانت تخصني ولا لأ. إنت مين أصلًا؟

 

رد بتوتر:

 

ـ أنا عم الطفل، وأحق واحد إني آخده وأربيه.

 

شادية قاطعته فورًا:

 

ـ كداب! إنت مش عمه، إنت ابن عم أبويا، وعمرك ما سألت علينا غير لما عرفت إن بابا ساب ورق باسمي واسم ياسين!

 

صبري اتعصب، ومد إيده ناحية الطفل.

 

ـ اخرسي يا بنت! أنا مش هسمحلك تضيعي حق الولد.

 

وقفت بينه وبين ياسين.

 

ـ محدش هيمد إيده على الطفل طول ما أنا واقف هنا. ولو إنت فعلًا عايز مصلحته، يبقى تقدر تستنى لحد ما نفهم الحكاية من غير زعيق ولا تهديد.

 

صبري بص لي بحقد، وبعدها قال:

 

ـ إنت مش عارف إنت داخل على إيه يا بيه. البنت دي مخبية عنك حاجات كتير، ولو عرفت الحقيقة، مش هتصدقها.

 

قلت له:

 

ـ يبقى قول الحقيقة دلوقتي.

 

بص لشادية، وبعدين لياسين، وبعدها قال جملة واحدة قلبت كل حاجة:

 

ـ اسألها عن أبوها، وعن اليوم اللي مات فيه، واسألها هي كانت فين وقتها. ساعتها هتعرف إنك بتدافع عن ناس مش عارفهم.

 

شادية بدأت تعيط، وياسين مسك في هدومها وهو بيترعش.

 

أما أنا، فبصيت لها وقلت:

 

ـ شادية، أنا مش عايز أظلمك، لكن لازم أفهم. أبوكي مات إزاي؟ وإيه الورق اللي بيتكلم عنه؟

 

شادية قعدت على الكرسي الخشب، وحطت إيديها على وشها، وفضلت ساكتة فترة طويلة.

 

وبعدين رفعت راسها وقالت:

 

ـ أبويا مات في حادثة على الطريق الزراعي، من تلات سنين. كان راجع من شغله، وفي نفس الليلة دي، عرفت إن فيه ديون كتير متراكمة عليه، وإن ناس كانت بتطالبه بفلوس. أمي كانت عارفة إن أبويا دخل في شراكة مع ناس، لكنه عمره ما حكى لنا التفاصيل.

 

سكتت شوية، وبعدها كملت:

 

ـ بعد موته، عم صبري ظهر فجأة، وقال إن أبويا كان عليه فلوس، وإنه لازم ياخد حاجات من البيت مقابل الدين. أمي رفضت، وقالت إن معاها ورق يثبت إن أبويا كان هو صاحب الفلوس، مش مديون لحد. ومن يومها وهو بيهددنا.

 

بصيت لصبري، لقيته بيحاول يبان هادي، لكنه كان بيتجنب عيني.

 

شادية كملت:

 

ـ أمي تعبت من الخوف والضغط، وبعد سنة ماتت. قبل ما تموت، ادتني مفتاح صغير، وقالتلي إن فيه أمانة لازم أحافظ عليها لحد ما ياسين يكبر. ومن يومها، صبري مش سايبنا في حالنا.

 

سألتها:

 

ـ المفتاح ده فين؟

 

شادية قامت، وراحت ناحية المرتبة، ورفعت طرفها، وطلعت علبة صفيح صغيرة. فتحتها، وطلعت منها مفتاح قديم، وورقة مطوية بعناية.

 

مدت الورقة ناحيتي.

 

ـ دي آخر حاجة أمي كتبتها قبل ما تموت، وأنا مش فاهمة كل اللي فيها.

 

أخدت الورقة، وبدأت أقرا.

 

كان الخط ضعيفًا، والكلام مكتوبًا بعجلة، لكن فيه اسم واحد خلاني أحس إن قلبي وقف.

 

اسم أخويا محمود.

 

وتحت الاسم، كانت فيه جملة قصيرة:

 

“لو حصل لي أي حاجة، الأمانة عند محمود، وهو الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة.”

 

رفعت عيني لشادية.

 

ـ محمود مات من خمس سنين. إزاي أمك بتقول إنه كان عنده الأمانة؟

 

شادية هزت راسها، ودموعها بتنزل.

 

ـ أنا معرفش يا بيه. والله ما أعرف. أنا عمري ما شفت أخوك، ولا كنت أعرف اسمه غير من الورقة دي.

 

في اللحظة دي، صبري مد إيده وخطف الورقة من إيدي، وجرى ناحية الباب.

 

لكن قبل ما يخرج، وقفت قدامه وقلت:

 

ـ الورقة دي مش هتخرج من هنا.

 

حاول يزقني، لكني مسكت إيده، وشادية صرخت تطلب منه يسيبنا.

 

وبعد لحظات من الشد والجذب، صبري قدر يفلت إيده، وخرج من البيت وهو بيهددنا:

 

ـ هتندموا كلكم! والولد ده مش هيفضل هنا كتير!

 

جريت ناحية الباب، لكني ما لحقتوش.

 

رجعت لجوه، ولقيت ياسين واقف في مكانه، ماسك إيد شاديه، وبيبص لي بخوف.

 

نزلت على ركبي قدامه وقلت:

 

ـ متخافش يا حبيبي، محدش هياخدك غصب عنك. بس أنا محتاج أفهم اللي بيحصل عشان أقدر أساعدكم.

 

الطفل بص لي شوية، وبعدها سألني:

 

ـ هو حضرتك عندك ابن مات؟

 

حسيت إن السؤال طعن قلبي من جديد.

 

قلت له بصوت مبحوح:

 

ـ أيوه، كان عندي ابن اسمه عمر.

 

ياسين نزل عينه للأرض، وبعدها قال:

 

ـ أنا آسف.

 

استغربت.

 

ـ آسف على إيه يا حبيبي؟

 

رد بصوت ضعيف:

 

ـ عشان حضرتك بتعيط بسببه. شوشو بتقول إن اللي بيموت بيبقى عند ربنا، وإننا لازم نفتكره بالدعاء. أنا بدعي لماما وبابا كل يوم، ومش عايزك تفضل زعلان لوحدك.

 

ما قدرتش أتمالك نفسي.

 

ضمّيته لحضني، وفضلت أعيط، لأول مرة من سنين من غير ما أحاول أخبي دموعي عن حد.

 

كان طفل غريب عني، ما يعرفش عني حاجة، ومع ذلك قدر يقول لي بكلمتين اللي ناس كتير حاولت تقولهولي ومقدرتش.

 

لكن وأنا بحضنه، حسيت بإيده الصغيرة بتحط حاجة في جيب الجاكت بتاعي.

 

بعد ما بعد عني، بص لي وقال:

 

ـ دي كانت مع ماما. قالتلي لو عم صبري جه ياخدني، أديها للراجل اللي صورته مع بابا.

 

طلعت إيدي في جيبي، ولقيت مفتاحًا صغيرًا مربوطًا بقطعة ورق، عليها عنوان محل قديم في وسط البلد.

 

قلبت الورقة، فلقيت مكتوبًا بخط واضح:

 

“مخزن محمود منصور للأوراق والمستندات.”

 

ده كان اسم أخويا كاملًا.

 

بصيت لشادية، فهزت راسها وقالت:

 

ـ أنا معرفش العنوان ده، والله دي أول مرة أشوفه.

 

في اللحظة دي، قررت إني مش هسيب الحكاية دي معلقة.

 

طلبت من شادية تجهز نفسها هي وياسين، وقلت لها إني هساعدهم يلاقوا مكان آمن يقعدوا فيه مؤقتًا، وإننا هنتصرف في موضوع صبري بالطريق القانوني، من غير تهديد ولا خناقات.

 

لكن قبل ما نخرج من البيت، شادية وقفت قدامي وقالت:

 

ـ يا بيه، قبل ما تروح العنوان ده، لازم تعرف حاجة. أنا مخبية عنك جزء من الحكاية، ومكنتش عايزة أقوله، بس بعد اللي حصل، مفيش فايدة من السكوت.

 

بصيت لها بترقب.

 

قالت:

 

ـ يوم ما أبويا مات، قبل الحادثة بساعات، اتصل بيا وقال لي إنه رايح يقابل أخوك محمود. وقال لي لو اتأخر، ما أديش أي ورق لحد، حتى لو قال إنه من العيلة.

 

حسيت إن دقات قلبي زادت.

 

ـ وأبوك قالك ليه رايح يقابل أخويا؟

 

شادية بصت ناحية ياسين، وبعدها قالت:

 

ـ قال لي إن محمود اكتشف إن فيه فلوس اتصرفت من حساب شركة كان أبويا شغال فيها، وإن فيه مستندات تثبت مين اللي سحب الفلوس. وقال لي إنهم كانوا رايحين يواجهوا الشخص المسؤول.

 

سكتت لحظة، وبعدين أضافت:

 

ـ والشخص ده، يا بيه، كان يعرف أخوك من سنين طويلة.

 

سألتها:

 

ـ مين هو؟

 

شادية ردت بصوت منخفض:

 

ـ أنا مش متأكدة، لكن اسم الشخص اللي سمعته من أبويا في التليفون كان…

 

وفجأة، رن موبايلي.

 

بصيت للشاشة، ولقيت رقم مش مسجل.

 

رديت.

 

جالي صوت راجل، هادي وواضح:

 

ـ مساء الخير يا أستاذ فؤاد. أنا عارف إنك مع شادية والولد دلوقتي، وعارف إنك لقيت المفتاح.

 

اتجمدت مكاني.

 

الراجل كمل:

 

ـ لو عايز تعرف الحقيقة عن أخوك محمود، وعن موت أبو ياسين، وعن الفلوس اللي اختفت، روح العنوان المكتوب على الورقة بكرة الصبح. بس خلي بالك… فيه حد من أقرب الناس ليك مش عايزك توصل للحقيقة دي.

 

وبعدين قفل الخط.

 

بصيت للموبايل، وبعدها لشادية، اللي كانت بتبص لي برعب.

 

سألتها:

 

ـ مين اللي ممكن يكون عارف إني هنا؟

 

شادية ما ردتش.

 

لكن ياسين شد إيدي، وقال بصوت خافت:

 

ـ يا عمو فؤاد… الراجل اللي اتصل بيك ده، أنا شوفته قبل كده.

 

نزلت لمستواه وسألته:

 

ـ شوفته فين يا حبيبي؟

 

الطفل بص لي وقال:

 

ـ كان واقف تحت بيتنا من يومين، وكان بيسأل عن شوشو. ولما شافني، اداني صورة وقال لي أوصلها ليك لو جيت عندنا.

 

طلع ياسين من جيبه صورة صغيرة، ومدها ناحيتي.

 

أخدتها، وبمجرد ما بصيت فيها، حسيت إن الدم اتسحب من وشي.

 

الصورة كانت لأخويا محمود، واقف قدام باب مخزن قديم، وبجانبه نفس الراجل اللي شفته في صورة أبو ياسين.

 

لكن اللي خلاني أرتعش فعلًا، إن الصورة كانت متصورة من فترة قريبة جدًا، وكان مكتوب على ظهرها تاريخ بعد يوم وفاة أخويا بخمس سنين!

 

يعني إيه؟

 

هل أخويا كان مخبي حاجة عننا قبل ما يموت؟ ولا فيه حد بيستخدم صورته عشان يخليني أمشي ورا خيط كدب؟

 

رفعت عيني ناحية شادية، وقلت لها:

 

ـ بكرة الصبح هنروح العنوان ده، ومش هنسيب حاجة مستخبية تاني.

 

لكن وأنا بقول الجملة دي، ماكنتش أعرف إن اللي مستنيني جوه المخزن مش مجرد مستندات قديمة، وإن المفتاح اللي في إيدي هيخليني أكتشف سر أخويا، وسر وفاة أبو ياسين، وحقيقة الشخص اللي حاول يسرق طفولة طفل صغير.

 

وفي الليلة دي، وأنا راجع الفيلا ومعايا شادية وياسين بعد ما اتفقنا نرتب لهم مكان آمن، وقفت قدام صورة ابني عمر المعلقة في الصالة، وقلت له بصوت مبحوح:

 

ـ سامحني يا ابني… يمكن ربنا بعتلي الطفل ده عشان أفوق من حزني، وأتعلم إن فيه ناس لسه محتاجة حد يقف جنبها.

 

لكن قبل ما أطلع أوضتي، لقيت ظرف بني محطوط تحت باب المكتب.

 

فتحته، فلقيت جواه ورقة واحدة مكتوب فيها:

 

“لو رحت مخزن محمود بكرة، هتعرف ليه أخوك مات، لكنك كمان هتعرف إن آخر مكالمة عملتها يوم وفاة ابنك عمر ما كانتش مكالمة عادية.”

 

وقفت مكاني، والورقة بتترعش بين إيديا.

 

لأن آخر مكالمة عملتها يوم وفاة ابني كانت من رقم أخويا محمود.

 

وأنا طول السنين اللي فاتت كنت فاكر إنه اتصل بيا يسألني عن شغل، وإن المكالمة دي هي اللي أخرتني عن ابني.

 

لكن لو كانت المكالمة مرتبطة بكل اللي بيحصل دلوقتي…

 

يبقى أنا كنت عايش طول السنين اللي فاتت وأنا فاهم جزء واحد بس من الحقيقة.

 

والسؤال اللي فضل يطاردني لحد الفجر كان:

 

إيه اللي كان محمود عايز يقولهولي في آخر مكالمة، وليه فيه حد مستعد يعمل أي حاجة عشان أفضل فاكر إن موت ابني كان مجرد حادث؟

فضلت طول الليل قاعد في مكتبي، والورقة اللي لقيتها تحت الباب قدامي، بقراها مرة واتنين وعشرة، وكل مرة أحاول أقنع نفسي إن اللي مكتوب فيها مجرد تهديد من شخص عايز يخوفني، ألاقي قلبي بيرجع يدق بعنف من جديد.

 

آخر مكالمة يوم وفاة عمر كانت من محمود فعلًا، ودي حاجة عمري ما نسيتها. لكن اللي ما كنتش فاهمه إن إزاي مكالمة من خمس سنين ممكن تكون مرتبطة بشادية وأخوها ياسين، وبراجل اسمه صبري، وبمخزن قديم أخويا سايب فيه مستندات محدش يعرف عنها حاجة.

 

قمت من مكاني وطلعت صورة عمر من درج المكتب. كانت صورة عيد ميلاده الأخير، واقف فيها قدام التورتة، ضاحك ضحكته اللي كانت بتخليني أنسى الدنيا كلها.

 

مررت إيدي على وشه في الصورة وقلت:

 

ـ يا رب، أنا تعبت من العذاب. لو فيه حقيقة لازم أعرفها، قويني إني أواجهها، بس ياريت ما يكونش كل اللي عشته السنين دي مبني على كدبة.

 

مع أول ضوء للنهار، نزلت للصالة، ولقيت شادية قاعدة على طرف الكنبة، وياسين نايم جنبها، حاضن شنطته الصغيرة. واضح إنها ما نامتش طول الليل، وكل شوية كانت تبص ناحية الباب كأنها مستنية صبري يظهر في أي لحظة.

 

لما شافتني، قامت بسرعة.

 

ـ صباح الخير يا بيه.

 

قلت لها وأنا ببص للطفل:

 

ـ صباح الخير يا شادية. ياسين نام كويس؟

 

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

 

ـ الحمد لله، أول مرة ينام في مكان من غير ما يفضل يفوق كل شوية مفزوع. بس أنا قلبي مش مطاوعني، وخايفة أكون جبتلكم المشاكل لحد عندكم.

 

قعدت قصادها وقلت:

 

ـ اسمعيني كويس. إنتي ما جبتليش مشاكل، إنتي خليتيني أشوف مشاكل كانت موجودة من زمان وأنا مش واخد بالي منها. والنهارده هنروح المخزن، لكن قبل أي حاجة، عايزك تطمني إن ياسين مش هيتاخد منك بالقوة. أي خلاف على رعايته أو الأوراق اللي بتتكلموا عنها، هنتعامل معاه بالقانون.

 

شادية نزلت عينيها، وبعد لحظة قالت:

 

ـ أنا مش عايزة فلوس حد يا بيه، ولا عايزة أعيش في فيلا ولا قصر. أنا كل اللي نفسي فيه إن أخويا يتعلم ويكبر وهو مش خايف من بكرة. أنا بشتغل من وأنا عندي ستاشر سنة، وبعد ما بابا مات كنت بشتغل الصبح في محل هدوم وبالليل أنضف بيوت، وأمي كانت بتعمل اللي تقدر عليه. ولما أمي ماتت، بقيت أنا وهو لوحدنا.

 

سكتت، وبصت ناحية ياسين اللي بدأ يتحرك في نومه.

 

ـ ساعات كنت برجع البيت ومعايا رغيفين عيش وجبنة، وأقوله إني أكلت في الشغل عشان ياكل هو. ولما بدأت الشغل عند حضرتك، كنت بقول لنفسي إن ربنا عوضني، وإن أقدر أخيرًا أوفر له أكله ودواءه من غير ما أستلف من حد.

 

بصيت لها وسألتها:

 

ـ طب ليه ما طلبتيش مساعدة؟ ليه كنتي بتاخدي بواقي الأكل في السر؟

 

ابتسمت بحزن.

 

ـ عشان أنا مش عايزة حد يشوفني وأنا بمد إيدي. وبعدين، الأكل اللي بيتترمي عندكم كان ممكن يشبع ياسين يوم كامل. أنا كنت باخد اللي ينفع يتاكل، وبسيب أي حاجة بايظة أو ريحتها متغيرة. ولما الطباخ رمى الشنطة كلها، أنا ما عيطتش عشان العضم نفسه، أنا عيطت عشان كنت عارفة إني هرجع لأخويا بإيدي فاضية، ومش عارفة هأكله إيه.

 

الكلام ده وجعني، لكني ما حبيتش أحرجها ولا أحسسها إني ببصلها بعطف من فوق لتحت.

 

قلت لها:

 

ـ من النهارده، مفيش حد في البيت هياخد حاجة من الزبالة عشان يطعم طفل. هتكون فيه وجبات طازة ومناسبة لياسين، ولو إنتي موافقة، هنساعدك تلاقي سكن مناسب ليكم، وده مش تمن لأي حاجة ولا ليه علاقة بالورق اللي بندور عليه.

 

شادية بصت لي باستغراب، وكأنها مش مصدقة إن حد ممكن يساعدها من غير ما يطلب منها مقابل.

 

وبعدها قالت:

 

ـ ربنا يجبر بخاطرك يا بيه، زي ما جبرت بخاطري.

 

في اللحظة دي، ياسين صحي، وبص حواليه بخوف، ولما شاف شادية جنبه، مسك إيدها.

 

نزلت لمستواه وقلت:

 

ـ صباح الخير يا ياسين. إيه رأيك تيجي معانا مشوار صغير النهارده؟

 

بص لي بحذر.

 

ـ هنرجع شوشو البيت؟

 

قلت له:

 

ـ شوشو هتكون معاك طول الوقت، ومحدش هيفرقكم عن بعض. إحنا بس رايحين نشوف حاجة تخص باباك.

 

سكت لحظة، وبعدين قال:

 

ـ طب لو لقينا حاجة تخص بابا، هنعرف هو مات ليه؟

 

شادية بصت لي بسرعة، لكني رديت عليه بهدوء:

 

ـ هنحاول نعرف الحقيقة، يا حبيبي. بس لازم تعرف إن فيه أسئلة ساعات بتاخد وقت عشان نلاقي إجاباتها.

 

هز راسه، وبعدها قام يلبس حذاءه القديم.

 

وأنا بتابعه، لاحظت إنه كل ما يسمع صوت عربية تقف قدام الفيلا، بيجري ناحية الشباك ويبص بره. ولما سألته عن السبب، قال لي إن عم صبري كان بيقف قدام البيت اللي ساكن فيه، وإنه كان خايف ياخده من شادية.

 

المعلومة دي خلتني أقرر إني مش هروح المخزن لوحدي من غير ما أكون مرتب أموري. اتصلت بمحامي الشركة، الأستاذ سامح، وطلبت منه يقابلني في العنوان، وشرحت له باختصار إن فيه أوراق تخص أخويا المتوفى، وإننا محتاجين نفحصها بشكل قانوني قبل ما نتصرف على أساسها.

 

بعدها خرجنا من الفيلا.

 

طول الطريق، شادية كانت ساكتة، وياسين قاعد جنبها في المقعد الخلفي، ماسك إيدها بإيده الصغيرة. وأنا بسوق، كنت كل شوية أبص في المراية وأفتكر ابني عمر، وأتخيل لو كان لسه عايش، كان هيبقى عنده كام سنة دلوقتي، وكان هيبقى شكله عامل إزاي.

 

وصلنا شارع قديم في وسط البلد، فيه محلات مقفولة وورش صغيرة، ومخازن أبوابها حديد قديم. العنوان اللي في الورقة كان لمخزن في آخر الشارع، فوقه لافتة باهتة مكتوب عليها اسم أخويا.

 

نزلت من العربية، ولقيت الأستاذ سامح واقف مستنيني.

 

سلم عليا، وبعدها بص للمفتاح اللي في إيدي.

 

ـ إنت متأكد إن المفتاح ده يخص المخزن ده؟

 

قلت له:

 

ـ ده اللي مكتوب في الورقة اللي وصلتنا، وهنعرف دلوقتي.

 

الباب كان عليه طبقة تراب سميكة، والقفل قديم لكنه متين. دخلت المفتاح، ولفيته مرتين، فالباب اتفتح بصعوبة، وطلع صوت صرير طويل خلاني أحس إننا بنفتح باب من الماضي نفسه.

 

دخلت الأول، وشغلت كشاف الموبايل.

 

المخزن كان مليان كراتين وملفات، ورفوف حديد متغطية بالتراب، ومكتب خشب صغير في آخر المكان. مفيش أي حاجة شكلها غريب، ولا فيه دليل واضح على إن حد دخل المكان من فترة قريبة.

 

لكن وأنا بتقدم ناحية المكتب، لاحظت إن التراب على الأرض متشال في خط مستقيم لحد درج المكتب، وكأن حد كان واقف هناك من أيام قليلة.

 

الأستاذ سامح لاحظ نفس الحاجة.

 

قال لي:

 

ـ واضح إن حد دخل هنا قريب، رغم إن الباب كان مقفول.

 

قربت من المكتب، وفتحت الدرج الأول. كان فاضي، والتاني فيه فواتير قديمة، أما الدرج التالت فكان مقفول بقفل صغير.

 

جربت المفتاح اللي معايا، لكنه ما فتحش.

 

شادية كانت واقفة عند الباب، وياسين جنبها. وفجأة، الطفل قال:

 

ـ يا عمو فؤاد، استنى.

 

بصيت له.

 

قرب من المكتب، وطلع من جيبه مفتاح صغير تاني، مربوط بخيط أزرق.

 

ـ ده كان مع ماما. قالتلي ما أديهولش لحد غير لما شوشو تقول إن الوقت جه.

 

شادية بصت له بدهشة.

 

ـ إنت مخبيه فين يا ياسين؟

 

رد ببراءة:

 

ـ في جيب الشنطة. ماما قالتلي أحافظ عليه، وأنا حافظت عليه.

 

أخدت المفتاح منه، وجربته في القفل.

 

فتح.

 

جوه الدرج، لقينا ظرف أبيض، ودفتر حسابات، وصورة قديمة لأخويا محمود مع رجلين ما كنتش أعرفهم.

 

فتحت الظرف، ولقيت جواه خطاب مكتوب بخط أخويا.

 

“إلى أخي فؤاد، لو وصل لك الخطاب ده، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.”

 

إيدي بدأت ترتعش.

 

قعدت على الكرسي، وبدأت أقرا.

 

“يا فؤاد، أنا عارف إنك هتستغرب إني سايب لك خطاب بدل ما أتكلم معاك، لكن فيه حاجات كنت خايف أقولها لك قبل ما أتأكد منها. من حوالي خمس سنين، اكتشفت إن فيه مبالغ مالية بتتسحب من حساب شركة كنا شغالين معاها، وإن التوقيعات الموجودة على بعض المستندات مش كلها صحيحة.

 

أول شخص ساعدني أفهم الموضوع كان والد شادية، الأستاذ حسن عبدالسلام، وكان موظف حسابات في الشركة. حسن اكتشف اختلافات في الدفاتر، واحتفظ بصور من المستندات قبل ما يقدم تقريره للإدارة.

 

اتفقنا نقابل بعض عشان نسلم المستندات للمحامي، لكن قبل الموعد، حصلت له حادثة الطريق الزراعي.

 

أنا ما عنديش دليل يثبت إن الحادثة كانت مدبرة، ومش عايزك تظلم حد من غير دليل. لكن عندي أسباب تخليني أخاف إن فيه شخص كان عايز يمنع حسن من تسليم الأوراق.

 

لو لقيت الدفتر اللي في الدرج، راجع التواريخ والمبالغ، وهتعرف مين كان مسؤول عن الحسابات وقتها.

 

وفيه حاجة تانية لازم تعرفها: أنا كنت ناوي أتصل بيك ليلة وفاة عمر، لكن المكالمة ما كانتش عشان شغل. كنت محتاجك في موضوع مهم، وكنت ناوي أجيلك بنفسي، لكن لما عرفت إن عمر اتوفى، سكت وما قدرتش أتكلم معاك.

 

سامحني إني سبتك شايل وجعك لوحدك، وسامحني إني ما لحقتش أقولك كل حاجة.”

 

وقفت عند آخر سطر، وحسيت إن كل نفس باخده بيوجعني.

 

رفعت عيني للأستاذ سامح وقلت:

 

ـ يعني أخويا كان عارف إن فيه مشكلة في الشركة قبل ما يموت، وكان بيحاول يثبتها؟

 

رد بهدوء:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى