روايات وقصص

حكايات. نورهان العشري

مالك فرح وشكره، وجري على أوضته.

 

سعيد بص لرانيا.

 

ـ أهو الموضوع اتحل. مش لازم تشيلي كل حاجة لوحدك.

 

رانيا ردت بهدوء:

 

ـ أنا عارفة إنك أبوهم، وإنك لازم تصرف عليهم. ومش همنعك تساعدهم أبدًا. بس أنا كمان عايزة أكون قادرة أوفر لهم احتياجاتهم من غير ما أفضل خايفة إن الظروف تتغير في أي لحظة.

 

سعيد سألها:

 

ـ وإنتِ فاكرة إني ممكن أسيب عيالي من غير مصاريف؟

 

رانيا بصت له.

 

ـ أنا مش بتكلم عن اللي إنت ناوي تعمله النهارده. أنا بتكلم عن ضمان حقهم بكرة. الظروف بتتغير، والناس بتتغير، واللي النهارده بيقول عمره ما هيبعد، ممكن بكرة يقرر إن وجودك بقى عبء عليه.

 

سعيد اتضايق من كلامها.

 

ـ إنتِ كل كلامك بقى شك فيا.

 

رانيا ردت:

 

ـ الثقة مش حاجة بتطلبها يا سعيد. الثقة حاجة بتتبني، وإنت هدمتها بإيدك. وأنا مش هقدر أرجعها لمجرد إنك جبت كيس حلويات أو دفعت مصاريف رحلة.

 

سعيد سابها ومشي، لكنه فضل طول الليل يفكر في كلامها.

 

كان بدأ يدرك إن رانيا مش بتعمل كل ده عشان تضايقه.

 

هي فعلًا بتحاول تبني حياة ما يكونش هو المتحكم الوحيد فيها.

 

في يوم جمعة، جيهان قررت تيجي تزور الحاجة زينب.

 

دخلت البيت ومعاها علبة حلوى، وبدأت تتكلم مع حماتها عن العيال وأحوالهم.

 

رانيا كانت في المطبخ بتحضر الغدا، ولما خرجت تحط الأطباق على السفرة، جيهان بصتلها بابتسامة باردة.

 

ـ إزيك يا رانيا؟

 

رانيا ردت بأدب:

 

ـ الحمد لله، إزيك يا جيهان؟

 

جيهان بصت لها من فوق لتحت.

 

ـ كويسة. واضح إنك اتعودتي على البيت هنا.

 

رانيا حطت الطبق على السفرة.

 

ـ الواحد بيتعود على ظروفه لحد ما يقدر يغيرها.

 

جيهان رفعت حاجبها.

 

ـ تقصدي إيه؟

 

ـ ولا حاجة، أقصد إن الواحد لازم يتأقلم مع الموجود.

 

جيهان ضحكت بسخرية.

 

ـ بصي يا رانيا، أنا مش جاية أعمل مشاكل. بس لازم تبقي فاهمة إن سعيد بيتي وجوزي، وإن وجودك هنا مش معناه إنك هتفضلي جزء من حياتنا للأبد.

 

رانيا بصتلها مباشرة.

 

ـ أنا عمري ما طلبت أبقى جزء من حياتك يا جيهان. أنا كنت فاكرة إني ببدأ حياة مع راجل صادق، وبعدها اكتشفت إن الحقيقة غير اللي اتقالت لي. إنتِ ليكي حياتك وبيتك، وأنا ليا حياتي وولادي.

 

جيهان سكتت لحظة، وبعدها قالت:

 

ـ طيب، طالما إنتِ عايزة حياتك، ليه لسه قاعدة هنا؟

 

رانيا كانت تقدر تقول لها إن السبب هو سعيد، وإنه هو اللي حطها في الوضع ده، لكنها اختارت ردًا مختصرًا.

 

ـ عشان لسه برتب أموري.

 

جيهان قربت منها وهمست:

 

ـ خلي بالك، سعيد لما بيقرر حاجة، محدش بيقدر يغير رأيه.

 

رانيا ردت بهدوء:

 

ـ وأنا لما بقرر أحافظ على ولادي وعلى نفسي، مش بستنى حد يغير رأيه.

 

جيهان اتضايقت، لكنها ما ردتش.

 

وقت الغدا، الحاجة زينب طلبت من رانيا تجيب لها طبق مخصوص، وبعدها طلبت منها تساعدها تقوم من مكانها.

 

رانيا قامت تساعدها، لكن جيهان فضلت قاعدة بتتكلم في التليفون.

 

لما رانيا رجعت، جيهان قالت لها:

 

ـ بالمناسبة، أنا سمعت إنك اشتغلتي في محل هدوم.

 

رانيا بصتلها.

 

ـ أيوه.

 

ـ مش خايفة إن الناس تعرف وتقول إن سعيد مش قادر يصرف عليكي؟

 

رانيا ردت من غير تردد:

 

ـ اللي يعرفني هيعرف إني بشتغل عشان أكون مستقلة، مش عشان جوزي مش قادر يصرف. وبعدين، الشغل مش عيب.

 

جيهان ضحكت.

 

ـ استقلالية إيه بس؟ إنتِ متجوزة راجل مقتدر، وعايشة في بيته، وهو بيصرف على ولادك. إنتِ بتعملي كل ده ليه؟

 

رانيا حطت الكوباية على الترابيزة.

 

ـ عشان محدش يقدر يقف قدامي يوم ويقول لي إن لقمة عيشي في إيده. دي كل الحكاية.

 

جيهان بصتلها باستغراب.

 

لأول مرة، بدأت تفهم إن رانيا مش بتنافسها على سعيد، ولا بتحاول ترجع له.

 

وده كان المفروض يريحها.

 

لكن الغريب إن جيهان ما ارتاحتش.

 

كانت متوقعة إن رانيا تفضل متعلقة بسعيد، وتفضل تحاول تلفت نظره، وإن وجودها في البيت يبقى تهديدًا مستمرًا لعلاقتها بيه.

 

لكن رانيا كانت بتتعامل معاها كأنها شخص بعيد عن حياتها تمامًا.

 

وده خلاها تحس إن فيه حاجة مش مفهومة.

 

بعد الغدا، جيهان دخلت أوضة الحاجة زينب، وقعدت معاها لوحدهم.

 

قالت لها:

 

ـ إنتِ شايفة رانيا دي هتعمل إيه؟

 

الحاجة زينب ردت:

 

ـ هتفضل قاعدة، فين هتروح؟

 

جيهان قالت بقلق:

 

ـ مش عارفة. بس أنا مش مرتاحة. سعيد بدأ يتغير، وبقى يقعد مع العيال أكتر، وكل ما أطلب منه حاجة يقول لي استني شوية. وأنا مش عايزة أعيش في مشاكل بسببها.

 

الحاجة زينب تنهدت.

 

ـ أنا هتكلم مع سعيد، وأفهمه إن الموضوع لازم ينتهي.

 

لكن اللي الاتنين ما كانوش يعرفوه إن سعيد كان واقف بره الأوضة، وسمع جزءًا من كلامهم.

 

ولأول مرة، بدأ يحس إن كل واحد في البيت عايز يقرر له يعيش إزاي، وإنه رغم إنه كان فاكر نفسه مسيطر على الجميع، إلا إنه بقى محاصرًا بين رغباتهم.

 

بعد ما جيهان مشيت، سعيد دخل أوضة أمه.

 

ـ إنتِ وجيهان كنتوا بتتكلموا عن إيه؟

 

الحاجة زينب اتفاجئت.

 

ـ ولا حاجة يا ابني، كلام ستات.

 

ـ سمعت اسم رانيا، وسمعت إنكم عايزين الموضوع ينتهي. تقصدوا إيه؟

 

الحاجة زينب حاولت تتهرب.

 

ـ يا سعيد، أنا ست كبيرة، ومش ناقصة مشاكل. رانيا بقت بتشتغل، وبتخرج، ومبقتش فاضية للبيت زي الأول. وأنا محتاجة حد يساعدني.

 

سعيد رد:

 

ـ هي لسه بتعمل كل اللي طلبتيه منها.

 

ـ بس مش بنفس الطريقة. زمان كانت طول اليوم هنا، دلوقتي بقت بتقول عندها شغل وعندها مواعيد.

 

سعيد قعد على الكرسي.

 

ـ يا أمي، هي مش خدامة عندنا. وأنا اللي طلبت منها تساعدك، وهي وافقت عشان الظروف. مش معنى كده إننا نمنعها من حياتها.

 

الحاجة زينب بصت له بصدمة.

 

ـ إنت بتدافع عنها؟

 

سعيد رد بهدوء:

 

ـ أنا مش بدافع عن حد. أنا بقول إننا لازم نكون عادلين.

 

الحاجة زينب اتعصبت.

 

ـ عادلين؟ طب وأنا؟ أنا اللي ربيتك وكبرتك، وأنا اللي وقفت جنبك لما كنت لسه بتبدأ حياتك. دلوقتي تيجي تقولي إنك مش هتقدر تريحني؟

 

سعيد قرب منها.

 

ـ أنا هريحك يا أمي، وهجيب لك مساعدة لو محتاجة، وهظبط لك كل حاجة. لكن مش هخلي رانيا تتحمل كل المسؤولية لوحدها.

 

الحاجة زينب سكتت، لأنها لأول مرة تسمع ابنها بيتكلم بالطريقة دي.

 

سعيد خرج من الأوضة، وراح ناحية المطبخ.

 

لقى رانيا بتحضر الشاي.

 

وقف قدامها وقال:

 

ـ أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع الشغل.

 

رانيا رفعت عينيها.

 

ـ خير؟

 

ـ أنا مش همنعك تشتغلي، ومش هطلب منك تسيبي شغلك. بس عايز نتفق على مواعيد واضحة عشان أمي والولاد.

 

رانيا بصت له بحذر.

 

ـ أنا ملتزمة بمواعيدي، وكل يوم بخلص اللي عليا.

 

ـ عارف. وأنا مش بقول إنك مقصرة. بس عايز نرتب الموضوع بحيث محدش يضغط عليكي، ولا تحسي إنك مضطرة تعملي كل حاجة لوحدك.

 

رانيا فضلت ساكتة شوية.

 

كان الكلام مختلفًا عن أسلوبه المعتاد، لكنها ما كانتش مستعدة تصدقه بسهولة.

 

ـ طيب، أنا موافقة نتفق على المواعيد. لكن فيه حاجة لازم تكون واضحة.

 

ـ إيه هي؟

 

ـ أنا مش هرجع أكون مراتك بالشكل اللي إنت متخيله. ومش معنى إنك بقيت بتتكلم بهدوء إن كل اللي حصل اتنسى. أنا هفضل أتعامل معاك باحترام عشان ولادنا، لكن مش هسمح لك تستخدم الهدوء ده عشان ترجع تتحكم فيا.

 

سعيد نزل عينيه.

 

ـ أنا فاهم.

 

رانيا بصت له باستغراب، لكنها ما علقتش.

 

هو نفسه ما كانش متأكد إذا كان فاهم فعلًا، ولا مجرد بيحاول يمنع الوضع من الانهيار.

 

مرت الشهور، ورانيا بدأت تحقق تقدمًا واضحًا في شغلها.

 

صاحبة المحل وثقت فيها، وبقت مسؤولة عن الطلبات والحسابات اليومية، وزاد مرتبها بالتدريج.

 

كانت بتوفر جزءًا من دخلها، وتدفع منه احتياجاتها الشخصية، وتساعد في مصاريف ولادها، من غير ما تتنازل عن حقهم في النفقة من أبوهم.

 

وفي الوقت نفسه، كانت بتسجل كل الاتفاقات والمصاريف المتعلقة بالأطفال، وبدأت تستشير محامية عن حقوقها القانونية، من غير ما تدخل في خناقات أو تهديدات.

 

المحامية شرحت لها إن أي قرار يتعلق بالانفصال أو تنظيم النفقة وحقوق الأطفال لازم يتم بشكل قانوني واضح، وإنها ما تتنازلش عن حقوقها بسبب الضغط أو الخوف.

 

رانيا خرجت من عندها وهي حاسة إنها أخيرًا بدأت تفهم طريقها.

 

مش لازم تخرج من البيت النهارده.

 

ومش لازم تواجه سعيد بصوت عالي.

 

المهم إنها تبقى عارفة حقوقها، وتجهز نفسها لأي قرار تاخده.

 

في المساء، رجعت البيت ولقت سعيد قاعد في الصالة، وقدامه أوراق كتير.

 

أول ما شافها، قال:

 

ـ رانيا، تعالي.

 

قعدت قدامه.

 

ـ خير؟

 

سعيد حط ورقة على الترابيزة.

 

ـ أنا فكرت في موضوع الشقة اللي كلمتك عنه قبل كده. لقيت شقة مناسبة قريبة من مدرسة الولاد، وإيجارها معقول. ممكن نروح نشوفها سوا.

 

رانيا بصت للورقة، لكنها ما مسكتهاش.

 

ـ وليه دلوقتي؟

 

ـ عشان أمي بقت محتاجة راحة، وإنتِ كمان محتاجة مساحة خاصة ليكي وللولاد. وأنا شايف إن ده ممكن يكون حل مناسب.

 

رانيا فضلت ساكتة.

 

كان العرض اللي انتظرته من أسابيع، لكن المرة دي ما كانتش هتوافق لمجرد إنها عايزة تخرج.

 

سألته:

 

ـ والشقة دي هتكون باسم مين في عقد الإيجار؟

 

ـ باسمك إنتِ، وأنا هدفع الإيجار.

 

ـ ومصاريف الولاد؟

 

ـ هنتفق عليها بشكل واضح.

 

ـ ولو حصل خلاف بيننا، هتقدر توقف الإيجار أو المصاريف؟

 

سعيد اتضايق من السؤال، لكنه رد:

 

ـ لأ، مش هعمل كده.

 

رانيا قالت:

 

ـ الكلام لوحده مش كفاية يا سعيد. أنا عايزة كل حاجة تبقى واضحة ومكتوبة، وحقوق الولاد تبقى محفوظة. مش عايزة أعيش في شقة جديدة، وبعد شهرين أرجع لنفس النقطة.

 

سعيد سكت لحظة، وبعدها هز راسه.

 

ـ ماشي. نعمل اتفاق قانوني واضح، ونشوف محامي.

 

رانيا بصت له، ولأول مرة من شهور، حسّت إن فيه احتمال إن حياتها تتغير فعلًا.

 

لكنها ما سمحتش للأمل إنه يسبق عقلها.

 

قالت له:

 

ـ أنا موافقة أشوف الشقة، لكن ده مش معناه إني رجعت لك، ولا إن اللي حصل اتنسى. أنا بعمل ده عشان ولادي، وعشان أعيش في مكان أقدر أربيهم فيه من غير مشاكل كل يوم.

 

سعيد رد بصوت واطي:

 

ـ عارف.

 

لكن قبل ما يقوم، سألها:

 

ـ رانيا، هو إنتِ عمرك هتسامحيني؟

 

رانيا بصت له طويلًا.

 

كان السؤال ده زمان كفيل يخليها تعيط وتترجاه إنه يصلح اللي بينهم.

 

أما دلوقتي، فكانت إجابتها مختلفة.

 

ـ أنا مش عارفة يا سعيد. يمكن في يوم أسامحك عشان أريح قلبي من الوجع، لكن المسامحة مش معناها إننا نرجع زي الأول. فيه حاجات لما بتتكسر، بتفضل آثارها موجودة حتى لو حاولنا نصلحها.

 

سعيد نزل عينيه، ورانيا قامت ودخلت أوضتها.

 

في الليلة دي، ما عيطتش.

 

قعدت جنب ولادها، وبدأت تتخيل شكل حياتهم في شقة جديدة، فيها أوضتين، ومطبخ صغير، وبلكونة تدخل منها الشمس.

 

مكان محدش يقدر يعايرها فيه بلقمة عيشها.

 

مكان تقدر تصحى فيه الصبح من غير ما تسمع حد بينادي عليها عشان تخدمه.

 

مكان تكون فيه أمًا وامرأة لها كرامتها، مش مجرد شخص موجود عشان يريح الجميع.

 

في اليوم اللي بعده، رانيا راحت تشوف الشقة مع سعيد.

 

كانت في شارع هادي، قريبة من المدرسة والمواصلات، وفيها أوضة واسعة نسبيًا، وأوضة أصغر للأطفال، ومطبخ محتاج شوية تصليحات بسيطة.

 

دخلت رانيا الأوضة الصغيرة، ووقفت عند الشباك.

 

تخيلت سرير مالك في الركن، ومكتب صغير جنب الحيطة، وسرير ليلى جنب الشباك، ورفوف عليها كتبهم وألعابهم.

 

ابتسمت من غير ما تحس.

 

سعيد كان واقف عند الباب، وبيراقبها.

 

ـ عجبتك؟

 

رانيا ردت:

 

ـ مناسبة.

 

ـ نقدر نجيب العفش اللي تحتاجيه، وأنا هتكفل بكل حاجة.

 

بصت له.

 

ـ مش لازم تجيب كل حاجة مرة واحدة. أنا هظبط البيت واحدة واحدة.

 

سعيد قال:

 

ـ إنتِ ليه مصممة تتعبي نفسك؟

 

رانيا ابتسمت ابتسامة بسيطة.

 

ـ عشان الحاجة اللي الواحد بيتعب فيها بإيده، بيحس إنها بتاعته.

 

سعيد سكت.

 

بعد ما خلصوا معاينة الشقة، اتفقوا إنهم هيراجعوا عقد الإيجار، وإن أي التزامات تخص الولاد تتكتب بشكل واضح.

 

لكن لما رجعوا البيت، كانت جيهان مستنياهم.

 

أول ما شافتهم، سألت سعيد:

 

ـ كنت فين؟

 

ـ كنت بشوف شقة لرانيا والعيال.

 

جيهان بصت له بصدمة.

 

ـ شقة؟ يعني إنت هتأجر لها بيت كمان؟

 

سعيد رد بهدوء:

 

ـ أيوه، عشان يبقى ليها وللولاد مكان مستقل.

 

جيهان رفعت صوتها.

 

ـ وإنت شايف إن ده طبيعي؟ إنت هتصرف على بيتين، وهتفضل مسؤول عن رانيا طول العمر؟

 

رانيا كانت واقفة عند باب المطبخ، وسمعت الكلام كله.

 

سعيد قال:

 

ـ رانيا أم ولادي، ومسؤولياتي تجاههم مش هتتغير.

 

جيهان ردت:

 

ـ أنا مش بتكلم عن الولاد، أنا بتكلم عنها هي! إنت ليه بتديها كل ده؟ ما هي وافقت تقعد عند أمك، وكانت بتعمل كل حاجة.

 

رانيا خرجت من المطبخ، وبصت لجيهان.

 

ـ أنا ما وافقتش أكون خدامة عند حد. أنا وافقت أساعد في ظروف صعبة عشان ولادي ما يتبهدلوش. وده مش معناه إن حياتي كلها تبقى ملك لحد تاني.

 

جيهان بصتلها بغضب.

 

ـ إنتِ داخلة بيني وبين جوزي، ولسه بتتكلمي عن الكرامة؟

 

رانيا ردت بثبات:

 

ـ أنا مش داخلة بينك وبين جوزك. بالعكس، أنا من أول يوم قلت إني مش عايزاه كزوج. إنتِ اللي كل ما تسمعي إني هعمل خطوة في حياتي، تفتكري إنها تهديد ليكي. أنا مش عايزة سعيد، ولا عايزة بيتك، ولا عايزة آخد منك حاجة. أنا عايزة أعيش أنا وولادي في أمان.

 

جيهان سكتت، لكن ملامحها كانت بتقول إنها مش مقتنعة.

 

سعيد تدخل.

 

ـ كفاية يا جيهان. الموضوع اتحسم، ورانيا هتعيش في الشقة الجديدة مع الولاد.

 

جيهان بصت له.

 

ـ وإنت بتقرر من غير ما ترجع لي؟

 

سعيد رد:

 

ـ دي مسؤوليتي تجاه ولادي، وأنا مش هتنازل عنها.

 

جيهان أخدت شنطتها، وخرجت من البيت وهي غاضبة.

 

سعيد وقف لحظة، وبعدها خرج وراها.

 

رانيا فضلت مكانها، وما حاولتش تمنعه.

 

هي ما كانتش عايزة تكسب جولة ضد جيهان.

 

كانت عايزة تكسب حياتها.

 

بعد أسبوع، انتقلت رانيا مع مالك وليلى للشقة الجديدة.

 

كانت الشقة بسيطة، والعفش فيها قليل، لكن كل حاجة كانت مترتبة بحب.

 

السريرين اللي جابتهم للأطفال كانوا مستعملين لكن حالتهم كويسة، والترابيزة الصغيرة اللي حطتها في المطبخ كانت هدية من نجلاء، والستارة اللي اختارتها بنفسها كانت أول حاجة اشترتها من مرتبها.

 

يوم النقل، مالك كان شايل شنطته بنفسه، وليلى كانت ماسكة عروستها وبتجري من أوضة لأوضة.

 

ـ ماما! دي أوضتنا بجد؟

 

رانيا ضحكت.

 

ـ أيوه يا حبيبتي، دي أوضتكم.

 

ليلى حضنتها.

 

ـ يعني محدش هيقول لنا نخرج منها؟

 

رانيا نزلت لمستواها، ومسكت إيديها.

 

ـ طول ما إحنا بنحترم بعض وبنحافظ على بيتنا، هتحسي هنا إنك في أمان. ومحدش له حق يخوفك أو يزعلك.

 

مالك جري ناحية البلكونة.

 

ـ ماما، بصي! أنا شايف الشارع كله!

 

رانيا وقفت جنب ولادها، وبصت للشمس اللي داخلة من الشباك.

 

كانت الشقة صغيرة، وفيها حاجات كتير ناقصة، لكن لأول مرة من شهور، حسّت إن نفسها طالع ونازل من غير ما يكون فيه حجر فوق صدرها.

 

في المساء، سعيد جه يزورهم.

 

جاب معاه شوية أكل، وشنطة فيها ملابس جديدة للولاد.

 

الأطفال فرحوا بيه، وقعدوا يحكوا له عن أوضتهم الجديدة والمدرسة.

 

رانيا قدمت له الشاي، وبعدها قعدت بعيد شوية.

 

سعيد فضل يبص حواليه.

 

ـ الشقة محتاجة شوية حاجات.

 

رانيا ردت:

 

ـ هظبطها مع الوقت.

 

ـ أنا ممكن أجيب لك غسالة جديدة، وأغير المطبخ.

 

رانيا هزت راسها.

 

ـ الغسالة مش أولوية دلوقتي، وعندي غسالة صغيرة شغالة. المهم مصاريف الولاد ومدارسهم تبقى منتظمة.

 

سعيد قال:

 

ـ هظبط الموضوع ده.

 

ـ كويس.

 

فضلوا ساكتين شوية، وبعدها سعيد قال:

 

ـ إنتِ مرتاحة هنا؟

 

رانيا بصت له، وبعدين بصت ناحية أوضة الولاد.

 

ـ أيوه، الحمد لله.

 

ـ يعني أحسن من البيت القديم؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى