روايات وقصص

حكايات. نورهان العشري

رانيا ردت بهدوء:

 

ـ بكتير.

 

سعيد نزل عينيه.

 

ـ أنا مكنتش متخيل إنك هتقدري تعيشي من غيري.

 

رانيا ابتسمت ابتسامة حزينة.

 

ـ وأنا كمان مكنتش متخيلة إني هضطر أتعلم ده بالطريقة دي.

 

سعيد اتنهد.

 

ـ أنا غلطت في حقك يا رانيا.

 

رانيا فضلت ساكتة.

 

ـ أنا كنت فاكر إن طالما هقدر أوفر لك حياة كويسة، يبقى مش مهم تعرفي كل حاجة من الأول. وكنت فاكر إنك لما تحبيني، هتفضلي معايا مهما حصل. مكنتش فاهم إن الكذب نفسه ممكن يهدم كل حاجة، حتى لو الواحد حاول يصلح بعد كده.

 

رانيا بصت له.

 

ـ المشكلة مش بس إنك كذبت. المشكلة إنك لما اتكشفت، ما فكرتش إزاي تصلح اللي عملته. فكرت إزاي تخلي الوضع مناسب ليك. كنت عايز جيهان ترضى، وأمك ترتاح، والعيال يبقوا كويسين، وأنا أتحمل كل حاجة وأسكت. كنت عايز الكل يبقى مرتاح، حتى لو راحتي أنا هي الثمن.

 

سعيد هز راسه ببطء.

 

ـ عندك حق.

 

رانيا اتفاجئت إنه ما جادلهاش.

 

لكنه كمل:

 

ـ أنا مش هطلب منك ترجعي لي. بس كنت أتمنى إننا نفضل أسرة واحدة.

 

رانيا ردت:

 

ـ الأسرة مش مجرد ناس عايشين تحت سقف واحد. الأسرة أمان واحترام وصدق. وأنا حاولت أعمل ده معاك، لكن إنت ما حافظتش عليه. دلوقتي إحنا هنفضل أهل بسبب الولاد، وهنحاول نربيهم كويس، لكن مش هقدر أوعدك بأكتر من كده.

 

سعيد سكت، وبعدها قام عشان يمشي.

 

قبل ما يخرج، مالك جري عليه وحضنه.

 

ـ هتيجي تاني يا بابا؟

 

سعيد باست راسه.

 

ـ طبعًا يا حبيبي.

 

ليلى وقفت جنب أخوها وقالت:

 

ـ بس المرة الجاية العب معانا كتير.

 

سعيد ابتسم.

 

ـ حاضر.

 

خرج من الشقة، ورانيا قفلت الباب وراها.

 

وقفت للحظة، وحطت إيدها على مقبض الباب.

 

ما كانتش بتودع سعيد.

 

كانت بتودع النسخة القديمة من نفسها، النسخة اللي كانت فاكرة إن الحب وحده يكفي عشان البيت يفضل واقف.

 

عدت شهور، وحياة رانيا بدأت تستقر.

 

شغلها اتحسن، وبقت مسؤولة عن جزء كبير من إدارة المحل، وصاحبة المحل بدأت تثق فيها أكتر.

 

مالك اتحسن في دراسته، وليلى بقت بتروح المدرسة وهي فرحانة، والبيت الصغير بدأ يمتلئ بحاجات بسيطة اشترتها رانيا واحدة واحدة.

 

أما سعيد، فبدأ يزور أولاده بانتظام، لكنه اضطر يتعلم إن علاقته برانيا اتغيرت للأبد.

 

ما بقاش يدخل البيت من غير ما يخبط، وما بقاش يقرر عنها أي حاجة، وبقى أي اتفاق يخص الأولاد يتناقشوا فيه بهدوء.

 

وفي يوم، اتصل برانيا وقال لها إنه عايز يقابلها عشان يتكلموا في موضوع مهم.

 

رانيا وافقت، واتقابلوا في مكان عام قريب من البيت.

 

سعيد وصل قبلها، وكان واضح عليه التوتر.

 

لما قعدت، سألته:

 

ـ خير يا سعيد؟

 

سعيد بص لها وقال:

 

ـ أنا وجيهان قررنا نروح لاستشاري أسري، ونحاول نصلح المشاكل اللي بيننا.

 

رانيا هزت راسها.

 

ـ ربنا يصلح حالكم.

 

سعيد اتفاجئ من ردها البسيط.

 

ـ إنتِ مش زعلانة؟

 

ـ أزعل من إيه؟ دي حياتك، وإنت حر فيها.

 

سعيد سكت، وبعدها قال:

 

ـ كنت فاكر إنك هتتضايقي.

 

رانيا بصت له باستغراب.

 

ـ ليه؟ هو إنت لسه فاكر إني مستنياك ترجع لي؟

 

سعيد نزل عينيه.

 

ـ مش عارف. يمكن كنت متخيل إنك لسه بتحبيني.

 

رانيا أخدت نفس طويل.

 

ـ أنا مش هكدب عليك وأقول لك إن كل مشاعري اختفت في يوم وليلة. أنا حبيتك بصدق، واللي حصل وجعني بصدق. لكن الحياة علمتني إن الحب مش سبب كفاية عشان أفضل في مكان بيكسرني. أنا دلوقتي مركزة في ولادي وشغلي، وبحاول أبني حياة مستقرة. ومش عايزة أرجع أعيش في نفس الدائرة.

 

سعيد سألها:

 

ـ يعني مستحيل نرجع؟

 

رانيا بصت له طويلًا، وبعدها قالت:

 

ـ أنا مش هبني حياتي على احتمال إنك تتغير. لو إنت عايز تصلح علاقتك بجيهان، صلحها عشان إنت مقتنع، مش عشان تثبت لي إنك راجل كويس. ولو عايز تبقى أب كويس لأولادك، اعمل ده عشانهم، مش عشان ترجعني. وأنا هكمل حياتي على الأساس اللي بنيته بنفسي.

 

سعيد ما لاقاش رد.

 

ولأول مرة، فهم إن رانيا مش بتستخدم البعد عشان تعاقبه.

 

هي فعلًا خرجت من العلاقة اللي كانت بتربطها بيه، حتى لو لسه فيه ذكريات بتوجعها.

 

قاموا من مكانهم، واتفقوا على مواعيد زيارة الأولاد.

 

وقبل ما رانيا تمشي، سعيد قال:

 

ـ رانيا، أنا آسف.

 

وقفت وبصت له.

 

ـ أتمنى تكون فهمت غلطك، عشان متكرروش مع أي حد تاني.

 

وبعدها مشيت.

 

في نفس الليلة، رانيا رجعت البيت، ولقت ولادها مستنيينها.

 

مالك كان مجهز لها ورقة رسم فيها البيت الجديد، ورسم نفسه وليلى وهي واقفين جنبها.

 

وتحت الرسم كتب بخط صغير: «ماما بطلت تزعل».

 

رانيا مسكت الورقة، وحست إن دموعها قربت تنزل.

 

ليلى جريت حضنتها.

 

ـ ماما، مالك رسمك عشان إنتِ بقيتي بتضحكي أكتر.

 

رانيا بصت لابنها.

 

ـ إنت شايفني بقيت بضحك أكتر يا مالك؟

 

الولد هز راسه.

 

ـ أيوه، زمان كنتِ بتعيطي كتير، ودلوقتي بقيتي بتضحكي معانا، وبتلعبي معانا، وبتحكي لنا حواديت قبل النوم.

 

رانيا ضمتهم الاتنين.

 

ـ أنا بحبكم أوي يا ولاد.

 

مالك سألها:

 

ـ ماما، هو إحنا كده بقينا أغنياء؟

 

رانيا ضحكت من قلبها.

 

ـ ليه يا حبيبي؟

 

ـ عشان عندنا بيت لوحدنا، وإنتِ بتشتغلي، ومحدش بيزعق لنا.

 

رانيا باست راسه.

 

ـ الغنى مش بس فلوس يا مالك. الغنى إن الواحد يبقى عنده مكان آمن، وناس بتحبه، ويقدر ينام من غير ما يكون خايف من بكرة. وإحنا لسه بنحاول نوفر كل ده، يوم ورا يوم.

 

ليلى رفعت إيدها.

 

ـ وأنا هساعدك يا ماما. هرتب أوضتي، ومش هسيب اللعب في الأرض.

 

رانيا ضحكت.

 

ـ اتفقنا يا ست ليلى.

 

قعدوا التلاتة على الأرض، وبدأوا يرتبوا الكتب والألعاب.

 

كانت لحظة بسيطة، لكن بالنسبة لرانيا كانت أكبر من أي هدية غالية.

 

لأنها أخيرًا بقت في بيتها، في المكان اللي محدش فيه بيقول لها إنها عبء، ولا بيمن عليها بلقمة عيشها، ولا بيطلب منها تدفع كرامتها تمنًا للأمان.

 

بعد مرور سنة كاملة، رانيا ما بقتش الست اللي وقعت على الرصيف قدام عمارة سعيد وهي مش عارفة تروح فين.

 

بقت ست عندها شغل ثابت، وسمعة كويسة، وناس بتثق فيها، وولاد بيكبروا قدام عينيها وهما شايفين أمهم بتواجه الحياة بدل ما تستسلم لها.

 

كانت لسه بتتعب، ولسه فيه أيام بتقلق فيها من المصاريف، ولسه ساعات بتفتكر اللي حصل فتشعر بغصة في قلبها.

 

لكنها ما بقتش بتخاف من الوحدة زي الأول.

 

اتعلمت إن الوحدة أحيانًا أرحم من وجود ناس حوالينا بيخلونا نحس إننا لوحدنا.

 

وفي يوم، وهي راجعة من الشغل، لقت سعيد واقف قدام باب العمارة.

 

كان مستنيها، وأول ما شافها قال:

 

ـ ممكن أتكلم معاكي شوية؟

 

رانيا وقفت على مسافة منه.

 

ـ خير؟

 

سعيد كان شكله متغير، وملامحه فيها تعب واضح.

 

ـ أنا وجيهان انفصلنا.

 

رانيا سكتت لحظة، وبعدها قالت:

 

ـ ربنا يكتب لكم الخير.

 

سعيد هز راسه.

 

ـ الموضوع مش سهل، والعيال متأثرين، وأنا بحاول أرتب حياتي من جديد.

 

رانيا ردت:

 

ـ طبيعي إنهم يتأثروا. حاول تخليهم يحسوا إنهم مش السبب، وإنك هتفضل موجود في حياتهم.

 

سعيد بص لها وقال:

 

ـ أنا كنت بفكر في كلامك كتير الفترة اللي فاتت. وفهمت إني كنت عايز كل حاجة من غير ما أتحمل مسؤولية اختياراتي. كنت عايزك تسامحيني، وكنت عايز جيهان ترضى، وكنت عايز أمي ترتاح، وفي الآخر كنت بضغط على كل واحد فيكم عشان أنا ما أخسرش حاجة.

 

رانيا فضلت ساكتة.

 

سعيد كمل:

 

ـ أنا مش جاي أطلب منك ترجعي لي. أنا عارف إن ده حقي مش موجود عندي. بس كنت محتاج أقول لك إني فهمت.

 

رانيا بصت له، وحست إن الكلام اللي كانت مستنياه زمان وصل متأخر جدًا.

 

قالت بهدوء:

 

ـ كويس إنك فهمت يا سعيد. بس المهم إنك تتعلم من اللي حصل، وتتعامل مع الناس بصدق، حتى لو الحقيقة مش هتعجبهم. محدش يستاهل إنه يبني حياته على معلومات ناقصة عشان حد تاني يضمن راحته.

 

سعيد هز راسه.

 

ـ عندك حق.

 

وقفوا لحظة من غير كلام، وبعدها رانيا قالت:

 

ـ الولاد جوه. لو عايز تشوفهم، اتفضل، بس أنا عندي شغل لازم أخلصه.

 

سعيد ابتسم ابتسامة صغيرة.

 

ـ شكرًا يا رانيا.

 

دخل سعيد، ورانيا فضلت واقفة عند الباب لثواني.

 

كانت شايفة قدامها الراجل اللي حبيته يومًا، واللي كانت مستعدة تضحي عشانه بحاجات كتير، لكنها ما بقتش شايفة فيه المستقبل اللي كانت بتحلم بيه.

 

ما حسّتش بالانتصار، ولا بالشماتة، ولا حتى بالرغبة إنها تثبت له إنه خسرها.

 

كل اللي حسّته هو الراحة.

 

راحة إنها ما اضطرتش ترجع له عشان هو بقى وحيدًا.

 

وراحة إنها ما بنتش سعادتها على فشله في حياته الجديدة.

 

دخلت شقتها، وسمعت صوت ولادها بيضحكوا مع أبوهم.

 

ابتسمت، وراحت للمطبخ تحضر لهم العشا.

 

وفي اللحظة دي، رانيا فهمت إن النهاية الحقيقية مش إن سعيد يندم، ولا إن جيهان تبعد، ولا إن أم سعيد تعرف إنها ظلمتها.

 

النهاية الحقيقية كانت إنها قدرت تعيش من غير ما تستنى اعتذار من حد، ومن غير ما تفضل واقفة عند باب حياة انتهت.

 

في مساء شتوي هادي، كانت رانيا قاعدة في البلكونة الصغيرة، بتشرب الشاي بعد يوم طويل من الشغل.

 

ليلى كانت بتذاكر في أوضتها، ومالك قاعد على الترابيزة بيحل واجباته.

 

بصت رانيا للسما، وافتكرت نفسها من سنة، وهي واقفة قدام عمارة سعيد، بتترجى قلبها يصدق إن اللي شافته مجرد سوء تفاهم.

 

افتكرت خوفها، ودموعها، والليالي اللي نامت فيها وهي مش عارفة بكرة هيكون عامل إزاي.

 

وبعدين بصت لجوه البيت.

 

شافت أولادها، وشافت تعبها اللي بدأ يجيب نتيجة، وشافت الحياة الصغيرة اللي بنتها بإيديها.

 

دخلت ليلى البلكونة، وقعدت جنبها.

 

ـ ماما، إنتِ بتفكري في إيه؟

 

رانيا ابتسمت.

 

ـ بفكر في حاجات كتير يا حبيبتي.

 

ـ حاجات تزعل؟

 

رانيا حضنتها.

 

ـ لأ، حاجات علمتني.

 

ليلى رفعت عينيها.

 

ـ زي إيه؟

 

رانيا سكتت شوية، وبعدها قالت:

 

ـ علمتني إن الإنسان ممكن يحب حد جدًا، لكن ده مش معناه إنه يقبل منه أي حاجة. وإننا ممكن نخسر ناس كنا فاكرين إننا مش هنقدر نعيش من غيرهم، وبعدها نكتشف إننا كنا محتاجين نعرف نفسنا أكتر. وإن البيت مش الحيطان، ولا العفش، ولا الفلوس اللي فيه. البيت هو المكان اللي بتحسي فيه إنك آمنة، وإن صوتك مسموع، وإن محدش بيطلب منك تتنازلي عن نفسك عشان يسمح لك تفضلي.

 

ليلى سندت راسها على كتف أمها.

 

ـ وأنا لما أكبر، عايزة أبقى قوية زيك.

 

رانيا باست راسها.

 

ـ تبقي قوية، بس مش لازم تستحملي كل حاجة لوحدك. القوة إنك تعرفي حقك، وتطلبيه، وتعرفي إمتى تسامحي، وإمتى تحطي حدود، وإمتى تمشي من مكان مش مناسب ليكي.

 

ليلى ابتسمت.

 

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى