روايات وقصص

حكايات. نورهان العشري

ـ حاضر يا حاجة، هجيب لك الميه والدواء، وبعدها أشوف الغدا.

 

وهي بتجيب الكوباية من المطبخ، سمعت الحاجة زينب بتنادي عليها تاني.

 

ـ يا رانيا! حطي الميه على الترابيزة، مش على الكومودينو. إنتِ مش شايفة ولا إيه؟

 

رانيا رجعت وعدلت الكوباية، وبعدها قدمت لها الدواء.

 

الحاجة زينب أخدته، وفضلت تبص لها شوية قبل ما تسألها:

 

ـ مالك؟ وشك متغير كده ليه؟

 

ـ مفيش يا حاجة، تعبانة شوية.

 

ـ تعب إيه بس؟ ده إنتِ لسه في عز شبابك. وبعدين الست اللي تتجوز راجل عنده عيال وأم كبيرة لازم تبقى عارفة إنها داخلة على مسؤولية. مش كل واحدة تتجوز وتفتكر إن جوزها هيقعد يبوس إيديها ويقول لها يا حبيبتي طول اليوم.

 

رانيا سمعت الكلام وسكتت.

 

كانت تقدر ترد وتقول إن الجواز مش معناه إن الست تتحول لخادمة، وإن المسؤولية لازم تكون متقسمة، لكنها قررت من أول يوم إنها مش هتدخل في خناقات ملهاش آخر.

 

الحاجة زينب كملت:

 

ـ وبعدين، أنا عايزاكي تفهمي حاجة. جيهان مرات ابني الأولى، ودي ست بيتها معروف ومكانتها معروفة. إنتِ هنا مرات تانية، فلازم تعرفي حدودك. أنا مش عايزة مشاكل بينك وبينها، ولا عايزة أسمع صوتك عالي في البيت.

 

رانيا رفعت عينيها للحاجة زينب.

 

ـ حاضر يا حاجة، أنا مش عايزة مشاكل مع حد.

 

ـ كويس. يبقى روحي شوفي العيال، وبعدها اعملي الغدا.

 

خرجت رانيا من الأوضة، وأول ما وصلت للمطبخ، سندت إيديها على الرخامة وغمضت عينيها.

 

كانت حاسة إنها اتنقلت من سجن لسجن، والفرق الوحيد إن السجن الأول كانت عارفة إنه سجن، أما ده فدخلته وهي فاكرة إنه بيت هتلاقي فيه الأمان.

 

مسحت دمعة نزلت من غير ما تحس، وبدأت تحضر الأكل.

 

كانت بتقطع الخضار، وفجأة سمعت صوت خطوات صغيرة وراها.

 

لفت لقت بنتها ليلى، عندها ست سنين، واقفة عند باب المطبخ وشعرها منكوش من النوم.

 

ـ ماما؟

 

رانيا سابت السكينة فورًا، ونزلت لمستوى بنتها.

 

ـ يا قلب ماما، صحيتي ليه يا حبيبتي؟

 

ليلى بصتلها بقلق.

 

ـ إنتِ بتعيطي؟

 

رانيا ابتسمت غصب عنها ومسحت وشها.

 

ـ لأ يا روحي، عيني بس دخل فيها حاجة.

 

البنت مدت إيدها الصغيرة ومسحت خد أمها.

 

ـ طب أنا هفضل جنبك عشان الحاجة متدخلش عينك تاني.

 

رانيا ضمتها لصدرها، وحست إن قلبها بيتقطع.

 

كان نفسها تاخد ولادها وتمشي في اللحظة دي، تخرج من البيت كله، وتدور على أي مكان يلمهم. لكن كان معاها مبلغ صغير جدًا، وطفلين محتاجين أكل ولبس ومدرسة، ومفيش حد مضمون تقدر تلجأ له.

 

همست لبنتها:

 

ـ ربنا يخليكي ليا يا ليلى. إنتِ وأخوك مالك أغلى حاجة عندي في الدنيا.

 

ليلى سألتها ببراءة:

 

ـ هو إحنا هنفضل هنا كتير يا ماما؟

 

رانيا اتجمدت.

 

ـ ليه يا حبيبتي؟

 

ـ عشان البيت ده مش شبه بيتنا. وعمو سعيد مش بيضحك لنا زي الأول، والست اللي كانت معاه النهارده بصت لنا بصّة وحشة.

 

رانيا حست إن بنتها شايفة أكتر مما كانت متخيلة.

 

بصتلها وقالت:

 

ـ اسمعيني يا ليلى، إنتِ ومالك ملّكوش دعوة بأي حاجة بين الكبار. إنتوا تذاكروا وتلعبوا وتاكلوا كويس، ومحدش منكم يشيل هم حاجة. فاهمة؟

 

ليلى هزت راسها، وبعدها سألت السؤال اللي وجع رانيا أكتر من كل اللي حصل.

 

ـ طب هو عمو سعيد لسه بيحبك يا ماما؟

 

رانيا فضلت ساكتة ثواني طويلة.

 

وبعدين قالت:

 

ـ مش كل الناس اللي بتقول إنها بتحبنا بتعرف تحافظ علينا يا حبيبتي. بس إنتِ متخافيش، ماما بتحبك إنتِ وأخوك، ومش هتسيبكم أبدًا.

 

ليلى حضنتها بقوة، ورانيا فضلت ضاماها وهي بتبص للباب.

 

في اللحظة دي، فهمت إن قرارها مش مجرد تحدي لسعيد، ولا محاولة إنها تحافظ على كرامتها. ده قرار لازم تنجح فيه عشان طفلين معندهمش ذنب في أي حاجة.

 

عدت أول ليلة على رانيا تقيلة، وكل دقيقة فيها كانت بتحسسها إنها غريبة عن المكان.

 

بعد العشا، سعيد رجع من بره، ودخل الصالة وهو بيتكلم في التليفون مع جيهان.

 

ـ خلاص يا حبيبتي، أنا هاجي بكرة بدري، متقلقيش. آه، العيال هنا كويسين. أيوه، رانيا موجودة، وهتساعد أمي في كل حاجة.

 

رانيا كانت قاعدة جنب ولادها، بتراجع معاهم الحروف والأرقام اللي حفظوها، لكنها سمعت كل كلمة.

 

سعيد قفل التليفون، وبص لها.

 

ـ رانيا، هاتي لي الشاي.

 

رفعت عينيها له، وبعدها قامت من غير ما تتكلم.

 

عملت الشاي وحطته قدامه، ولما مدت إيدها عشان تحط الكوباية على الترابيزة، سعيد مسك إيدها.

 

ـ استني، إنتِ لسه زعلانة مني؟

 

رانيا سحبت إيدها فورًا.

 

ـ لو سمحت، متلمسنيش.

 

سعيد بص حواليه، واتأكد إن الولاد مش مركزين معاهم.

 

ـ إنتِ هتفضلي على الحال ده كتير؟ أنا فاهم إنك زعلانة، لكن مش معقول تفضلي تعاقبيني العمر كله.

 

رانيا قالت بصوت واطي:

 

ـ أنا مش بعاقبك. أنا بس بطبق اللي إنت اخترته. إنت اخترت تعيش مع جيهان، وأنا مش هقف بينك وبينها. بس في نفس الوقت، متطلبش مني أمثل عليك إني مراتك اللي بتحبك وبتغير عليك وبتستناك آخر اليوم.

 

ـ يعني إنتِ خلاص مش بتحبيني؟

 

رانيا بصت له طويلًا.

 

ـ السؤال ده كان المفروض تسأله لنفسك قبل ما تكذب عليا. دلوقتي مش مهم أنا بحبك ولا لأ. المهم إنك تحترم الحدود اللي أنا حطيتها.

 

سعيد اتنهد بعصبية.

 

ـ طب وأنا هقول للناس إيه؟ أقول لهم مراتي عايشة معايا ومش راضية تكلمني؟

 

ـ قول لهم اللي إنت عايزه. أنا مش مسؤولة عن صورتك قدام الناس.

 

سعيد قام من مكانه.

 

ـ بكرة هنتكلم، وإنتِ هتكوني هديتي.

 

رانيا ردت من غير ما تبص له:

 

ـ مفيش كلام بينا غير في اللي يخص الولاد والبيت.

 

دخل سعيد أوضته، ورانيا رجعت تقعد جنب ولادها.

 

لكنها لاحظت إن مالك، ابنها اللي عنده تمان سنين، كان باصص لها بتركيز.

 

ـ مالك، مالك يا حبيبي؟

 

الولد قرب منها وهمس:

 

ـ ماما، هو عمو سعيد زعق لك؟

 

ـ لأ يا حبيبي، كنا بنتكلم بس.

 

ـ طب لو هو زعلك، إحنا ممكن نمشي ونروح عند خالو؟

 

رانيا حسّت إن كل كلمة بيقولها ابنها بتكشف لها قد إيه الأطفال بيتأثروا بالحاجات اللي الكبار فاكرين إنهم مش واخدين بالهم منها.

 

حضنته وقالت:

 

ـ خالو بعيد يا حبيبي، وبعدين إحنا مش هنمشي في نص الليل. كل حاجة هتتحل، بس عايزاك تبقى راجل وتخلي بالك من أختك وتسمع الكلام.

 

الولد هز راسه.

 

ـ حاضر يا ماما.

 

رانيا باست راسه، وقررت إنها من الليلة دي مش هتسيب نفسها للدموع بس.

 

لازم تلاقي طريق تخرج بيه من الوضع ده.

 

حتى لو الطريق طويل.

 

تاني يوم الصبح، رانيا صحيت قبل الكل.

 

غسلت وشها، وربطت شعرها، وبدأت تجهز الفطار للولاد قبل ما تصحيهم للمدرسة.

 

كانت بتحاول تنظم وقتها، عشان تقدر تخلص شغل البيت وتوصل الولاد وتراجع معاهم دروسهم، من غير ما حد يحس إنها بتقصّر.

 

لكن الحاجة زينب كان عندها رأي تاني.

 

أول ما خرجت من أوضتها، لقت رانيا بتحط الساندوتشات في شنط المدرسة.

 

ـ وإنتِ هتعملي إيه دلوقتي؟

 

رانيا ردت:

 

ـ هصحّي الولاد وأوصلهم المدرسة، وبعدها هرجع أجهز لك الفطار.

 

الحاجة زينب اتنرفزت.

 

ـ توصليهم المدرسة؟ وإنتِ مين قالك تخرجي كل يوم؟ ما تخليهم يروحوا مع عربية المدرسة وخلاص، وإنتِ تقعدي تخلصي شغل البيت.

 

ـ أنا متعودة أوصلهم بنفسي، خصوصًا إنهم لسه صغيرين.

 

ـ وأنا بقولك مش كل يوم هتخرجي وتسيبيني لوحدي!

 

رانيا حاولت تتكلم بهدوء.

 

ـ يا حاجة، أنا مش هتأخر، وهكون راجعة قبل الساعة تسعة.

 

الحاجة زينب رفعت صوتها:

 

ـ هو أنا كلامي مش بيتسمع؟ ده بيت ابني، وأنا اللي أقول فيه مين يخرج ومين يقعد!

 

في اللحظة دي، سعيد خرج من أوضته، وكان واضح إنه سمع آخر جملة.

 

ـ في إيه يا أمي؟

 

الحاجة زينب أشارت لرانيا.

 

ـ مراتك عايزة تخرج كل يوم وتسيبني. وأنا مش موافقة.

 

سعيد بص لرانيا.

 

ـ خلي الولاد يروحوا بعربية المدرسة، وخليكي هنا.

 

رانيا اتفاجئت من رده.

 

ـ أنا مش هسيب ولادي من غير ما أتأكد إنهم وصلوا المدرسة، ومش هتأخر على حاجة تخص مامتك. هخلص مشواري وهرجع.

 

سعيد قرب منها وقال بحدة:

 

ـ أنا قلت خليهم يروحوا بالعربية.

 

رانيا سكتت لحظة، وبعدها قالت:

 

ـ وأنا قلت لك إن ده مش هينفع معايا. الولاد مسؤولية في رقبتي، ومش هتنازل عن حقي إني أتابعهم.

 

سعيد اتعصب.

 

ـ هو كل حاجة عندك تحدي؟!

 

رانيا بصت له بثبات.

 

ـ لأ. بس في حاجات تخص ولادي، مش هتناقش فيها.

 

الحاجة زينب كانت مستنية سعيد يزعق فيها، لكنه لقى نفسه قدام ست مش بتطلب منه رضا ولا بتستنى منه كلمة حلوة.

 

وبعد نقاش طويل، وافق إنها توصل الولاد وترجع بسرعة.

 

خرجت رانيا معاهم، ومشت جنبهم في الشارع وهي بتحاول تبتسم.

 

لما وصلت المدرسة، فضلت واقفة عند البوابة لحد ما شافتهم دخلوا، وبعدها طلعت موبايلها القديم من الشنطة.

 

فتحت قائمة الأرقام، وفضلت تدور لحد ما لقت رقم واحدة صاحبتها القديمة، اسمها نجلاء.

 

نجلاء كانت زميلتها في محل الملابس اللي اشتغلت فيه قبل جوازها، وكانت من الناس القليلة اللي وقفوا جنبها وقت ما كانت بتعاني في بيت أبوها.

 

اتصلت بيها.

 

ـ ألو، نجلاء؟

 

ـ أيوه، مين معايا؟

 

ـ أنا رانيا.

 

نجلاء صرخت من الفرحة.

 

ـ رانيا! يا بنتي إنتِ فين؟ أنا بقالي كتير بحاول أوصلك!

 

رانيا حاولت تثبت صوتها.

 

ـ أنا محتاجة أشوفك ضروري، لو تقدري.

 

نجلاء لاحظت نبرة صوتها.

 

ـ مالك يا رانيا؟ إنتِ بتعيطي؟

 

ـ مش هقدر أشرح لك في التليفون. ينفع نتقابل النهارده؟

 

ـ طبعًا، قولي لي المكان والساعة وأنا هاجي لك.

 

اتفقوا يتقابلوا في محل عصير قريب من المدرسة، ورانيا قفلت التليفون وهي حاسة إن فيه نافذة صغيرة اتفتحت في الحيطة اللي كانت حابساها.

 

لأول مرة من يوم ما اكتشفت الحقيقة، حسّت إنها مش لوحدها تمامًا.

 

نجلاء وصلت في معادها، وأول ما شافت رانيا، حضنتها بقوة.

 

ـ إيه اللي حصلك يا بنتي؟ وشك مخطوف كده ليه؟ وإنتِ ليه مبقتيش بتردي على مكالماتي؟

 

رانيا طلبت لها عصير، وبعدها بدأت تحكي.

 

حكت لها عن سعيد، وعن الشقة اللي اكتشفت إنه رجّعها لجيهان، وعن الكذبة اللي عاشتها، وعن شرطه إنها تقعد مع أمه وتربي عياله، وعن خوفها على مالك وليلى.

 

نجلاء فضلت ساكتة لحد ما رانيا خلصت، وبعدها قالت بغضب:

 

ـ يعني الراجل ده كان مخبي عنك إنه متجوز، ولما مراته عرفت، بدل ما يتحمل نتيجة اللي عمله، قرر يحطك في بيت أمه خدامة ليهم كلهم؟

 

رانيا هزت راسها.

 

ـ أيوه.

 

ـ وإنتِ وافقتِ ليه يا رانيا؟

 

رانيا نزلت عينيها.

 

ـ عشان ولادي. أنا لو خرجت دلوقتي، مش معايا فلوس تكفيني حتى شهر. وبيت أبويا مش مكان أقدر أرجع له. مراته هتخليني أندم على اليوم اللي اتولدت فيه، وولادي هيتبهدلوا معايا.

 

نجلاء مسكت إيدها.

 

ـ طب اسمعيني كويس. إنتِ مش مطالبة تاخدي قرار النهارده، لكن لازم تبدئي تعملي حاجة لنفسك. إنتِ لسه شاطرة في شغل الملابس، وعندك خبرة في البيع وترتيب البضاعة. المحل اللي أنا شغالة فيه محتاج واحدة تساعدنا في شغل الصبح، وصاحب المحل ممكن يوافق إنك تشتغلي ساعات محددة.

 

رانيا رفعت عينيها بسرعة.

 

ـ شغل؟ بس أنا مش هقدر أسيب الولاد ولا أم سعيد.

 

ـ ما أنا بقولك ساعات محددة. هنشوف مواعيد المدارس، ونرتبها. وبعدين، مش لازم تعلني لسعيد عن كل خطوة بتعمليها من دلوقتي. إنتِ مش بتعملي حاجة غلط، إنتِ بتحاولي تقفي على رجلك.

 

رانيا فكرت شوية.

 

ـ طب والفلوس؟

 

ـ هتكون على قد الشغل في البداية، بس على الأقل هتبدأي تجمعي لنفسك. وأنا هساعدك في اللي أقدر عليه، بس مش عايزاكي تعتمدي عليا. عايزاكي تعرفي إنك تقدري تعيشي بكرامتك.

 

الكلام دخل قلب رانيا.

 

كانت محتاجة حد يفكرها إنها مش مجرد زوجة اتخدعت، ولا أم محاصرة في بيت مش بيتها.

 

هي كمان إنسانة عندها عقل وقدرة وخبرة.

 

قالت لنجلاء:

 

ـ أنا موافقة أجرب. بس بالله عليكي، محدش يعرف حاجة دلوقتي لحد ما أرتب أموري.

 

نجلاء ابتسمت.

 

ـ اتفقنا. وبكرة نتكلم مع صاحب المحل.

 

رانيا رجعت البيت بعد ما اطمأنت على الولاد، وبدأت تعمل شغل البيت زي كل يوم.

 

لكن المرة دي، وهي بتغسل الصحون، كانت بتفكر في يوم جديد ممكن يكون ليها فيه دخل خاص بيها.

 

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى