
قالت وهي بتعيط:
— مش قادرة، مش قادرة أتحرك!
قولتلها بعصبية من خوفي:
— مش قادرة إيه بس؟ ده ابنك! قومي يا بنتي، ده محتاج دكتور!
لكنها فضلت مكانها، وأنا ما استنيتش ثانية، شيلت الولد وجريت بيه على السلم، وأنا لابسة عبايتي وطرحتي البيتي، لا بصيت في المراية ولا فكرت حتى أجيب موبايلي.
وقفت توكتوك في الشارع، وقلت للسواق:
— والنبي يا أستاذ، الحقني بالمستشفى، الولد بينزف!
الراجل أول ما شاف الدم، اتحرك بسرعة، وأنا حضناه في حضني وبعيط وبقول:
— يا رب سترك، يا رب احفظه لأمه، يا رب ما تحرمنيش من الأجر!
وصلنا المستشفى، والدكاترة أخدوا الولد مني بسرعة، وفضلت واقفة بره الأوضة، إيدي كلها دم، وقلبي بيرتعش.
بعد شوية خرج الدكتور وقال:
— مين المسؤول عن الطفل؟
قولتله:
— أنا مرات عمه، وأمه جاية في الطريق.
بصلي باستغراب وقال:
— الطفل عنده جرح عميق في الرأس، وهنحتاج نخيطه، وفيه نزيف من الأنف مش مطمنين له. لازم نعمل فحوصات بسرعة.
وبعد الكشف والخياطة، اللي وصلت لعشر غرز في دماغه، الدكتور خرج تاني وقال كلام خلاني أحس إن الدنيا بتلف بيا.
— لازم تدخلوا الطفل العمليات حالًا، فيه اشتباه في إصابة وعائية مسببة للنزيف، ولازم نوقف النزيف ونتصرف بسرعة.
قولتله وأنا دموعي نازلة:
— اعملوا اللي تعملوه يا دكتور، المهم الولد يعيش، أنا هتصرف في الفلوس.
دخلوا الولد العمليات، وأنا طلعت موبايلي واتصلت بجوزي.
رد عليا بعصبية:
— أيوه، إنتِ فين؟ مش قولتلك ما تطلعيش؟!
قولتله وأنا بعيط:
— يا أخي سيبك من الكلام ده دلوقتي! ابن أخوك في المستشفى، ودماغه اتفتحت، والدكتور بيقول لازم عملية حالًا!
سكت ثواني، وبعدها قال:
— طب وأمه فين؟
قولتله:
— في البيت، وأنا اللي جايباه المستشفى لوحدي!
قال:
— طيب، أنا جاي.
وبالفعل جه، وجاب فلوس، لكن المبلغ ما كانش مكفي كل اللي مطلوب، وهنا بدأت المشكلة الحقيقية.
أنا كنت بعمل جمعيات لناس، وكنت مجمعة مبلغ من فلوس الجمعية عندي، ودي فلوس أصحابها مستنيين دورهم عشان يقبضوها.
وقفت قدام شباك الحسابات، وبصيت للفلوس اللي في إيدي، وقلت لنفسي: أعمل إيه؟ أسيب الطفل يموت عشان الفلوس؟ ولا أتصرف وربنا يسهلها؟
من غير ما أفكر كتير، دفعت من فلوس الجمعية، وقلت لنفسي هتصرف وأسدد المبلغ قبل ما ييجي دور أصحابه.
العملية اتعملت، والولد خرج، والدكتور قال إن حالته محتاجة متابعة وملاحظة.
قعدت جنبه لحد ما فاق، وأول ما فتح عينه وبصلي، مسك إيدي وقال بصوت ضعيف:
— عمو… ماما فين؟
قلبي وجعني عليه، فمسحت على شعره وقلتله:
— ماما هتيجي يا حبيبي، إنت بس خليك قوي.
فضلت جنبه لحد ما اطمنت عليه، والغريب إن أمه ما ظهرتش طول الوقت ده!
تاني يوم الصبح، جوزها وصل من السفر، وأنا كنت لسه في المستشفى، فخرجت له وقلتله:
— حمد لله على السلامة، ابنك الحمد لله عمل العملية، بس أنا دفعت ألفين جنيه من فلوس الجمعية اللي عندي، ولازم أرجعهم قبل معاد قبض أصحابها.
بصلي وقال بكل برود:
— وإنتِ بتقوليلي ليه؟
افتكرت إني سمعت غلط، فقولتله:
— بقولك إيه؟ أنا دفعت فلوس ناس عشان ألحق ابنك، وكنت مستنية لما تيجي نتفاهم ونشوف هنعمل إيه.
رد عليا وهو بيعدل هدومه:
— وأنا مالي؟ هو حد قالك اتصرفي؟ أنا طلبت منك تدفعي؟
حسيت إن الكلام وقف في زوري.
قولتله:
— يعني إيه إنت مالك؟ ده ابنك! وأنا ما عملتش كده عشانك، أنا عملت كده عشان طفل كان بينزف قدامي، وما قدرتش أسيبه!
قال:
— خلاص، إنتِ اللي تصرفتي من نفسك، اتحملي نتيجة قرارك.
بصيت له وقلت:
— حسبي الله ونعم الوكيل فيك، أنا ما استنيتش منك شكر، لكن ما توقعتش إنك ترمي تعبي وخوفي كده!
سابني ومشي، وأنا رجعت البيت مكسورة، مش عشان الفلوس بس، لكن عشان حسيت إن الخير اللي عملته اتردلي بإهانة.
والأصعب من ده كله إن جوزي نفسه بدل ما يقدر اللي عملته، فضل يلومني ويقولي:
— مش أنا حذرتك؟ أهو إنتِ اللي جبتي لنفسك الكلام!
كنت بسكت، لكن جوايا نار.
اضطريت أستلف وأسدد فلوس الجمعية، وفضلت فترة كل ما حد يطلب مني فلوسه أحس بالإحراج، وأنا أصلًا ماليش ذنب في اللي حصل.
وعدى شهر كامل، وأنا بحاول أنسى اللي حصل وأقول: ربنا شاهد على نيتي، وأنا عملت اللي قدرت عليه.
لحد ما في يوم، وأنا قاعدة في البيت، سمعت خبط على الباب.
فتحت، لقيت سلفتي واقفة قدامي، وشها أصفر وعينيها وارمة من العياط.
قولتلها:
— خير؟ فيه إيه؟
دخلت من غير ما ترد، وقعدت على الكنبة، وبعدها في العياط.
قولتلها:
— في إيه يا بنتي؟ خوفتيني!
صتلي وقالت:
— جوزي وقع من على الموتوسيكل، ورجله اتكسرت، والدكتور بيقول محتاج شرائح ومسامير، وإحنا مش عارفين نتصرف!
سكت شوية، وبعدها قلت:
— ألف سلامة عليه، ربنا يشفيه.
لكن جوايا، غصب عني، افتكرت كل اللي حصل، وافتكرت وقفته قدامي وهو بيقولي: وأنا مالي؟
لقيت نفسي بقول في سري: سبحان الله، زي ما كسرت خاطري وأنا بجري عشان ابنك، دلوقتي إنتِ جاية مكسورة عشان جوزك.
وبعدين استغفرت ربنا وقلت لنفسي: لأ، ما ينفعش أشمت في حد، مهما كان ظلمني.
سلفتي مسكت إيدي وقالت:
— أنا عارفة إنك زعلانة مننا، وعارفة إن أخو جوزك غلط في حقك، بس والنبي ما تردينيش، أنا ما لياش حد غيرك!
بصيت لها وقلت:
— يا سلفتي، أنا مش هتمنى الشر لحد، وربنا يشفي جوزك، لكن أنا كمان اتظلمت، ودفعت فلوس مش بتاعتي، واتحطيت في موقف صعب جدًا.
قالتلي وهي بتعيط:
— والله ما كنت أعرف إنك استلفتي عشان ترجعي فلوس الجمعية، هو ما قاليش حاجة عن ده!
اتصدمت من كلامها، وقلت:
— يعني إنتِ ما كنتيش تعرفي إنه رفض يرجعلي الفلوس؟
هزت راسها وقالت:
— أنا عرفت بعدين، ولما عاتبته، قال لي إنك إنتِ اللي دخلتي نفسك في الموضوع وإنه مش مسؤول عنك.
سكتت لحظة، وبعدين قربت مني وقالت:
— بس فيه حاجة لازم تعرفيها، وأنا جاية عشان أقولها لك قبل ما جوزي يعرف إني اتكلمت.
حسيت إن فيه مصيبة جديدة، فقولتلها:
— حاجة إيه؟
بصت ناحية الباب، واتأكدت إن مفيش حد سامعنا، وبعدها قالت بصوت واطي:
— اللي حصل لابني يوم ما دماغه اتفتحت، ما كانش زي ما إحنا قولنا لك!
حسيت إن الدم نشف في عروقي، وقولتلها:
— يعني إيه؟ إنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ مش إنتِ قلتي إنه خبط دماغه في الترابيزة؟
نزلت دموعها وقالت:
— أيوه، أنا قلت كده، بس الحقيقة إن…
وفجأة سمعنا صوت مفتاح في الباب، وسلفتي قامت من مكانها مفزوعة، وبصتلي وقالت:
— أوعي تقولي له إني كنت عندك، ولو سألِك عن أي حاجة، قولي إنك ما تعرفيش حاجة!
الباب اتفتح، ودخل جوزها وهو بيعرج ورجله متجبسة، وأول ما شاف مراته عندي، بص لها نظرة خوفتني، وقال:
— إنتِ هنا بتعملي إيه؟ مش قولتلك ما تتكلميش مع حد في الموضوع ده؟!
أنا وقتها فهمت إن حكاية دماغ ابنه مش مجرد خبطة في ترابيزة، وإن فيه سر كبير مستخبي ورا اللي حصل.
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن السر ده مش بس هيغير نظرتي لسلفتي وجوزها، ده كمان هيكشف لي ليه جوزي كان رافض إني أطلع عندها من البداية!
يا ترى إيه اللي حصل فعلًا للولد؟ وإيه السر اللي سلفتي خايفة جوزها يعرف إنها قالتهولي؟ وليه جوزي كان مصر إني ما أتدخلش من أول يوم؟
يتبع في الجزء الثاني…
#حكاوي_شيمو
لو وصلتي لحد هنا، اكتبي رأيك في التعليقات: هل كنتِ هتدفعي من فلوس الجمعية عشان تنقذي طفل بينزف، ولا كنتِ هتتصلي بأهله وتسيبي المسؤولية عليهم؟ وهل صاحبة المعروف المفروض تسامح في حقها لمجرد إنها عملت الخير لوجه الله؟
ومتنسوش تصلوا على النبي، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ
**الجزء الأخير
سر إصابة ابن سلفتي اتكشف.. واللي حصل بعدها خلاني أعرف إن جوزي كان مخبي عني مصيبة!**
أول ما أخو جوزي دخل الشقة وشاف مراته قاعدة عندي، وشه اتقلب، وبص لها بغضب وقال:
— إنتِ لسه بتتكلمي في الموضوع ده؟! أنا مش حذرتك ألف مرة إن محدش يعرف حاجة؟!
سلفتي قامت بسرعة، وكانت بتترعش، وقالتله:
— أنا ما قلتش حاجة يا محمود، أنا كنت جاية أشوفها بس!
بص لها باحتقار وقال:
— كدابة! إنتِ فاكرة إني مش عارفك؟ يلا قدامي على البيت!
أنا وقتها وقفت وقلتله:
— استنى عندك يا محمود، دي قاعدة في بيتي، ومش من حقك تكلمها بالطريقة دي. وبعدين إيه الموضوع اللي محدش يعرفه؟ وإيه اللي حصل لابنك يوم ما دماغه اتفتحت؟
بص لي بحدة وقال:
— وإنتِ مالك؟ مش كفاية اللي عملتيه المرة اللي فاتت؟ إنتِ من يوم ما دخلتي المستشفى وإنتِ فاكرة نفسك ولية أمر ابني!




