روايات وقصص

زهرة الربيع

اتنين…

خمسة…

والبيت كله كان ساكت.

سكون غريب.

أنا بصيت للسقف وقلت لنفسي:

“إيه اللي بيحصل فوق؟”

قربت من أول السلم وطلعت كام درجة بالراحة، من غير ما أعمل صوت.

كنت مستنية أسمع خناقة.

أي خناقة.

حتى لو ابني بيعلي صوته.

لكن ولا نفس.

ولا كلمة.

لحد ما سمعت صوت منار.

صوتها كان هادي جدًا، بس فيه حاجة خلت جسمي كله يقشعر.

كانت بتقول:

“أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”

اتجمدت مكاني.

وبعدها سمعت صوت ابني:

“يعني إيه كنتي عارفة؟”

منار ما ردتش بسرعة.

وبعدين قالت:

“كنت عارفة إنك في يوم من الأيام هتسمع نص الحكاية وتيجي تسألني عنها بالطريقة دي.”

أنا قربت أكتر.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

هو إيه اللي بيحصل؟

ابني قال بعصبية:

“أنا مش جاي أسمع كلام ألغاز يا منار. أمي قالتلي إنك بتكدبي عليا من شهر، وإنك بتقولي إنك بتروحي لأمك وهي أصلًا ما شافتكيش. أنا عايز أعرف بتروحي فين؟”

سكتت منار.

وبعدين سمعت صوت كرسي بيتحرك.

قالت:

“وأنت صدقتها؟”

ابني رد بسرعة:

“أنا صدقت أمي لأنها قالت إنها قابلت أمك بنفسها.”

منار ضحكت ضحكة قصيرة، بس ضحكتها ما كانتش فيها فرحة.

وقالت:

“وأمك قالتلك إيه كمان؟”

ابني سكت.

أنا تحت السلم حسيت بقلبي وقع.

كان المفروض يقولها موضوع أبوها.

لكن الحمد لله، ما قالش.

وبعد ثواني قال:

“المهم إنك جاوبيني. بتروحي فين كل أسبوع؟”

ردت منار:

“لو جاوبتك، هتصدقني؟”

قال:

“جربي.”

قالت:

“طيب بص في عيني الأول.”

سمعت صوت خطوات.

وبعدين سكتوا.

أنا ما كنتش شايفة حاجة، لكن كنت حاسة إن منار واقفة قدامه.

قالت بصوت ثابت:

“أنا عمري ما خنت ثقتك.”

ابني رد:

“يبقى قولي الحقيقة.”

قالت:

“الحقيقة مش هتغير اللي أنت سمعته.”

“يعني إيه؟”

“يعني لو أنا قلتلك الحقيقة، أنت ممكن تزعل مني أكتر.”

“أنا أصلًا زعلان.”

“لا… أنت لسه ما زعلتش.”

الكلمة دي خلتني أفتح عيني على آخرها.

إيه اللي تقصده؟

ابني قال:

“منار، ما تلفيش وتدوري. أنا بسألك سؤال واضح. بتروحي فين؟”

سكتت شوية.

وبعدين قالت:

“السجن.”

أنا شهقت من غير ما أقصد.

حطيت إيدي على بقي بسرعة.

السجن؟

هي قالتله السجن بنفسها؟

كنت فاكرة إنها هتفضل تنكر أو تحاول تبرر.

لكنها قالتها بمنتهى الهدوء.

ابني سألها:

“إيه؟”

قالت:

“أنا بروح السجن.”

صوت ابني اتغير:

“بتروحي السجن ليه؟”

ما ردتش.

قال بعصبية:

“منار!”

قالت:

“علشان أزور حد.”

“مين؟”

سكتت.

“مين يا منار؟”

فضلت ساكتة.

ابني بدأ صوته يعلى:

“مين اللي بتروحي تزوريه؟”

وأنا تحت السلم كنت حاسة إن اللحظة اللي مستنياها قربت.

قربت أكتر.

لحد ما سمعت منار تقول:

“بابا.”

الكلمة وقعت في البيت كأنها حجر.

ابني سكت تمامًا.

وأنا كمان سكت.

ثواني طويلة عدت.

وبعدين قال:

“باباكي؟”

“أيوه.”

“أبوكي في السجن؟”

“أيوه.”

صوت ابني كان مليان صدمة:

“وإنتي مخبية عليا؟”

منار قالت:

“أيوه.”

“من إمتى؟”

“من قبل جوازنا.”

أنا حسيت بفرحة غريبة جوايا.

أهو!

أهو اللي أنا عايزاه.

السر اتكشف.

دلوقتي ابني هيعرف إنها بنت واحد حرامي ونصاب، وهيعرف إن أهلها مخبيين عليه الحقيقة.

لكن ابني بدل ما يزعق، قال:

“وليه؟”

منار ردت:

“علشان كنت خايفة.”

“خايفة مني؟”

“خايفة أخسرك.”

أنا اتضايقت من الجملة.

يعني بدل ما يزعق فيها، بيكلمها بهدوء؟

قلت في سري:

“ما تضعفش قدامها يا ابني.”

لكن الحوار فوق كان بيكمل.

ابني قال:

“إنتي كنتي بتقولي إن أبوكي مسافر.”

قالت:

“دي كانت الكذبة الوحيدة اللي اضطريت أقولها.”

“اضطريتي؟”

“أيوه.”

“مين أجبرك؟”

سكتت.

ابني كرر:

“مين أجبرك يا منار؟”

قالت:

“أمي.”

أنا قربت أكتر.

دلوقتي الحكاية بقت أعقد مما توقعت.

قال ابني:

“يعني أمك عارفة؟”

“طبعًا عارفة.”

“وطلبت منك تخبي؟”

“أيوه.”

“وليه؟”

منار ما ردتش.

قال:

“منار، أنا جوزك. أنا آخر واحد المفروض يعرف؟”

قالت بصوت مكسور:

“كنت عارفة إنك لو عرفت هتسأل عن كل حاجة، وأنا ما كنتش مستعدة أحكيلك.”

“كل حاجة إيه؟”

سكتت.

“منار!”

قالت:

“أبويا اتحبس بسبب قضية اختلاس.”

ابتسمت غصب عني.

أخيرًا.

أخيرًا الحقيقة اتقالت.

كنت مستنية ابني ينفجر.

لكن بدل كده قال:

“أنا عارف.”

الصمت اللي حصل بعدها كان أغرب من كل حاجة.

منار سألت:

“عارف؟”

قال:

“أيوه.”

“مين قالك؟”

ابني ما ردش.

قالت:

“أمك؟”

أنا رجعت خطوة للخلف.

حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني.

ابني قال:

“أيوه.”

منار سكتت.

وبعدين قالت:

“هي شافتني؟”

“أمي شافت أمك.”

“وإيه اللي قالتهالك؟”

ابني رد:

“قالتلي إنك بتكدبي عليا.”

منار ما ردتش.

قال:

“وقالتلي إن أمك قالت إنها ما شافتكيش بقالها شهر.”

سكتت منار ثواني.

وبعدين قالت بهدوء:

“وده صحيح.”

ابني اتعصب:

“يعني إيه صحيح؟”

“يعني أمي فعلًا ما شافتنيش.”

“إنتي بنفسك بتقولي إنك بتروحي السجن.”

“أيوه.”

“يبقى ليه بتقوليلي رايحة لأمك؟”

ردت:

“علشان لو قلتلك الحقيقة كنت هتسألني: بتروحي لمين؟ وليه؟ ومين أبوكي؟ وليه في السجن؟ وإيه القضية؟”

قال:

“وده حقّي!”

“عارفة إنه حقك.”

“أومال؟”

“كنت خايفة.”

“من إيه؟”

قالت:

“من نظرتك ليا.”

ابني سكت.

منار كملت:

“أنا مش أبويا يا أحمد.”

اتصدمت.

أحمد؟

أنا عارفة ابني كويس، لكن عمري ما سمعت منار تتكلم بالطريقة دي.

قالت:

“أنا مش مسؤولة عن اللي هو عمله. ولا أنا أخدت جنيه من حد. ولا كنت أعرف أي حاجة عن اللي بيحصل.”

ابني قال:

“بس إنتي كذبتي.”

قالت:

“أيوه.”

“يبقى إزاي أثق فيكي بعد كده؟”

صوتها اتهز:

“ما أعرفش.”

وسكتت.

بعدها سمعت صوت بكاها.

أنا وقفت مكاني.

كنت مستنية أشوفها منهارة.

كنت عايزة أشوفها وهي بتدافع عن نفسها.

لكن الغريب إن ابني ما زعقش.

سمعته بيقول:

“طب ليه كل أسبوع؟”

قالت:

“علشان هو محتاجني.”

“أبوكي؟”

“أيوه.”

“محتاجك في إيه وهو في السجن؟”

قالت:

“علشان محدش بيروحله.”

ابني سكت.

منار كملت:

“كل الناس اختفت من حياته. قرايبه، صحابه، حتى ناس كان بيعتبرهم إخواته. أول ما دخل السجن محدش بقى عايز يعرفه.”

قال:

“وإنتي؟”

قالت:

“أنا بنته.”

“حتى لو عمل حاجة غلط؟”

“حتى لو عمل أسوأ حاجة.”

صوتها كان ثابت.

“هو غلطان يتحاسب. بس أنا مش هسيبه لوحده.”

ابني قال:

“وعلشان كده كنتي بتكدبي عليا؟”

قالت:

“علشان كنت عارفة إنك هتقوللي ما تروحيش.”

“كنت هقولك فعلًا.”

“وعلشان كده كنت بخاف.”

“يعني كنتي بتختاري أبوكي عليا؟”

هنا سكتت منار فترة طويلة.

وبعدين قالت:

“لا.”

ابني قال:

“أومال؟”

قالت:

“كنت بحاول ما أخسرش الاتنين.”

أنا حسيت بحاجة غريبة في صدري.

لكن بدل ما أتعاطف معاها، قلت لنفسي:

“كل ده تمثيل.”

أنا كنت مصممة إنها بتلف عليه.

كنت مستنية ابني ينزل يواجهني ويقوللي إنه صدقني.

لكن فجأة سمعت صوت ابني بيقول:

“أنا عايز أعرف حاجة واحدة.”

“إيه؟”

“إنتي ليه ما قلتيليش من أول يوم؟”

قالت:

“لأن يوم ما اتقدمتلي، سألتني عن أهلي.”

“أيوه.”

“وقتها بابا كان مختفي.”

“قلتيلي مسافر.”

“لأن أمي قالتلي كده.”

“وأنتي صدقتيها؟”

“لا.”

“أومال؟”

قالت:

“كنت عارفة إن فيه مشكلة، بس ما كنتش عارفة حجمها.”

سكت أحمد.

قالت:

“بعد الجواز عرفت الحقيقة كاملة.”

“وليه ما قلتيليش؟”

“لأنك كنت لسه متجوزني.”

“وده سبب؟”

“بالنسبة لي كان سبب كبير.”

“ليه؟”

قالت:

“علشان كنت شايفة الفرحة في عينك، وخفت إن الحقيقة تقتلها.”

صمت.

ثم قالت:

“أنا غلطت.”

الجملة دي كانت واضحة جدًا.

ما دافعتش عن نفسها.

ما قالتش أنا معملتش حاجة.

قالت:

“أنا غلطت لما كذبت عليك.”

ابني قال:

“وأنا مش عارف أعمل إيه.”

منار ردت:

“اعمل اللي يريحك.”

“يعني؟”

“لو عايز تطلقني، هفهم.”

الكلمة دي خلت قلبي يدق.

أهو!

أهو اللي كنت مستنياه!

لكن قبل ما أكمل فرحتي، سمعت ابني يقول:

“إنتي بتقولي الكلام ده بسهولة؟”

قالت:

“لا.”

“أومال؟”

“أنا من جوايا بموت.”

سكت.

قالت:

“بس مش هاجبرك تفضل معايا.”

وبعدين سمعت صوت بكاها.

أنا رجعت نزلت أول درجة.

كنت حاسة إن اللي فوق مش خناقة.

دي حاجة تانية.

لكن وأنا بنزل، سمعت ابني بيقول:

“منار، انتي قلتيلي إن أبوكي في السجن بسبب اختلاس.”

“أيوه.”

“وعندك دليل؟”

“إيه؟”

“إنه فعلًا مذنب.”

سكتت.

وبعدين قالت:

“عندي.”

“فين؟”

“عندي ورق.”

“ورق إيه؟”

“الورق اللي كان معايا يوم دخل السجن.”

ابني قال:

“طلعيه.”

صوتها اتغير:

“ليه؟”

“علشان أشوف.”

“مش هينفع.”

“ليه؟”

“لأن فيه حاجات تخص ناس تانية.”

“يعني إيه ناس تانية؟”

سكتت.

وبعدين قالت:

“أحمد… الموضوع مش زي ما أنت فاكر.”

أنا وقفت في نص السلم.

قلبي رجع يدق بسرعة.

إيه يعني مش زي ما فاكر؟

ابني قال:

“أنتي بنفسك قلتي إن أبوكي اتحبس في قضية اختلاس.”

قالت:

“أيوه.”

“يبقى إيه اللي مش زي ما أنا فاكر؟”

قالت:

“إن أبويا ما كانش الشخص الوحيد في القضية.”

سكت أحمد.

قال:

“يعني؟”

قالت:

“كان فيه ناس تانية.”

“مين؟”

“ناس كبار.”

“مين؟”

“مش هقدر أقول.”

“ليه؟”

“علشان لو اتقالت أسماؤهم، الموضوع مش هيقف عند بابا.”

ابني سكت.

وبعدين قال:

“منار… إنتي بتخبي عني حاجة أخطر من موضوع أبوكي؟”

ما ردتش.

“منار؟”

فضلت ساكتة.

أنا حسيت إن جسمي كله سخن.

كنت داخلة في الحكاية وأنا فاكرة إني ماسكة سر يخليني أكسر عينها.

لكن دلوقتي حسيت إني أنا اللي بقيت برة الحكاية.

وفجأة سمعت صوت حاجة وقعت على الأرض فوق.

وبعدين صوت أحمد وهو بيقول:

“إيه ده؟”

منار شهقت.

“حطه مكانه.”

قال:

“ده إيه؟”

“قلتلك حطه مكانه.”

“ليه؟”

“أحمد… بالله عليك.”

صوتها كان مرعوب.

ابني قال:

“ده ملف؟”

“أيوه.”

“ومكتوب عليه إيه؟”

ما ردتش.

“منار!”

وبعدين سمعت صوته فجأة وهو بيقول:

“لا…”

سكت.

“إيه؟”

منار بكت.

قال:

“الاسم ده…”

وبعدها حصل صمت طويل جدًا.

صمت خلاني مش قادرة أتحرك.

وبعدين سمعت ابني بيقول بصوت واطي:

“إنتي كنتي بتقوليلي إن أبوكي هو المتهم…”

منار ردت:

“أيوه.”

“لكن الاسم اللي هنا…”

سكت.

ثم قال:

“ده اسم حد أنا أعرفه.”

منار قالت:

“علشان كده كنت خايفة.”

ابني صوته اتهز:

“تعرفيه إزاي؟”

قالت:

“أنا ما أعرفوش.”

“أومال ليه اسمه هنا؟”

“لأنه هو السبب.”

“سبب إيه؟”

“سبب إن أبويا دخل السجن.”

أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.

ابني قال:

“مين الشخص ده؟”

منار ما ردتش.

“منار، قوليلي مين؟”

وبعدين سمعت صوتها وهي بتقول اسمه.

لكن الاسم اللي نطقته…

كان اسم شخص من عيلتنا أنا.

وقتها حسيت إن الدنيا لفت بيا.

لأن الموضوع ما بقاش متعلق بمنار ولا بأبوها ولا حتى بالكذبة اللي قالتها.

الموضوع بقى داخل بيتنا إحنا.

وأنا لسه واقفة على السلم، وفجأة سمعت ابني بيصرخ:

“ماما!”

اتجمدت.

ثم سمعت خطواته السريعة ناحية السلم.

أنا بصيت لفوق.

كان واقف قدامي.

وشه متغير تمامًا.

ما كانش وش واحد اكتشف إن مراته كذبت عليه.

كان وش واحد اكتشف حاجة أخطر بكتير.

قال:

“إنتي سمعتي؟”

ما قدرتش أرد.

بصلي ثواني.

وبعدين قال:

“أنتي كنتي عارفة؟”

قلت بسرعة:

“عارفة إيه يا ابني؟”

بصلي بنظرة عمري ما شفتها منه قبل كده.

وقال:

“أبو منار دخل السجن بسبب قضية اختلاس…”

سكت.

وبعدين قرب مني خطوة.

وقال:

“بس اللي ما كنتيش تعرفيه إن الفلوس اللي اتاخدت في القضية دي… كانت فلوس تخص مشروع أبويا.”

أنا اتصدمت.

قلت:

“أبوك؟”

قال:

“أيوه.”

وسكت لحظة.

ثم قال:

“والشخص اللي منار قالت اسمه…”

بصلي في عيني مباشرة.

وقال:

“هو نفس الشخص اللي كان ماسك حسابات أبويا قبل ما يموت.”

أنا حسيت إن رجلي خانتني.

لكن أحمد ما سابنيش.

مسكني من دراعي وقال:

“ماما… إنتي لازم تحكيلي كل حاجة تعرفيها عن الراجل ده.”

فتحت بقي علشان أرد…

لكن قبل ما أتكلم، سمعنا صوت من فوق.

منار كانت بتصرخ:

“أحمد! اقفل الباب بسرعة!”

ابني بص لفوق.

وأنا بصيت وراه.

وبعد ثواني…

سمعنا خبطتين جامدين جدًا على باب الشقة.

ثم صوت رجل من بره قال:

“يا منار… أنا عارف إنك هنا.”

بصيت لأحمد.

وأحمد بصلي.

لكن منار كانت واقفة فوق السلم، وشها أبيض من الرعب، وبتبص للباب كأنها شافت شبح.

والأغرب من كل ده…

إنها ما قالتش مين اللي بره.

بس قالت جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي:

“هو عرف إن الملف معايا.”

“هو عرف إن الملف معايا.”

الجملة دي خلتني أبص لمنار من فوق لتحت وأنا مش فاهمة.

بصيت لأحمد وقلت:

“مين اللي عرف؟ وإيه الملف ده أصلًا؟”

لكن أحمد ما ردش عليا.

كان واقف مكانه، باصص لمنار كأنه لأول مرة يشوفها.

ومنار كانت قاعدة على طرف السرير، ماسكة إيديها في بعض، ودموعها نازلة من غير صوت.

قال أحمد:

“ماما… ممكن تطلعي فوق؟”

أنا اتخضيت من طريقته.

قلت:

“ليه؟”

قال:

“علشان الموضوع ده بيني وبين مراتي.”

رديت بسرعة:

“أنا أمك يا أحمد، وأنا اللي اكتشفت إن مراتك بتكدب عليك.”

بصلي وقال:

“وده سبب إنك تسمعي باقي الكلام؟”

الكلمة وجعتني.

أنا طول عمري شايفة إن ابني من حقي.

من حقي أعرف كل حاجة عنه.

من حقي أتدخل في جوازه.

من حقي أعرف مراته بتروح فين وبتعمل إيه.

لكن لأول مرة حسيت إن ابني بيحط بيني وبينه حدود.

قلت:

“أنا كنت خايفة عليك.”

رد بهدوء:

“عارف.”

“أومال بتكلمني كده ليه؟”

“علشان اللي حصل النهاردة مش بسيط.”

بصيت لمنار وقلت:

“هي اللي مخبية عليك إن أبوها في السجن.”

منار بصتلي وقالت:

“وأنا معترفة بده.”

قلت:

“أومال إيه المشكلة؟”

ردت:

“المشكلة إنك عرفتي نص الحقيقة وبنيتي عليها باقي الحكاية.”

اتعصبت.

قلت:

“يعني أنا اللي غلطانة؟ أنا قابلت أمك بنفسي، وقالتلي إنها ما شافتكيش بقالها شهر!”

قالت:

“صحيح.”

“أومال كنتي بتروحي فين؟”

“كنت بروح لأبويا.”

“في السجن.”

“أيوه.”

“ليه ما قلتيش لجوزك؟”

سكتت.

قلت:

“شايفة؟ يبقى أنا كان عندي حق أشك.”

منار مسحت دموعها وقالت:

“الشك في حاجة، والاتهام في حاجة تانية.”

أحمد تدخل:

“خلاص يا أمي.”

قلت:

“خلاص إيه؟ أنا عايزة أفهم.”

قال:

“هتفهمي.”

ثم بص لمنار وقال:

“طلعي الملف.”

منار اترددت.

قال:

“لو سمحتي.”

قامت من مكانها وراحت ناحية الدولاب.

فتحت درج صغير، وطلعت منه دوسيه بني قديم.

رجعت وقعدت قدامنا وحطته على الترابيزة.

أنا بصيت للدوسيه وقلت:

“ده فيه إيه؟”

قالت:

“أوراق القضية.”

أحمد فتحه.

كان فيه صور وأوراق مطبوعة ومحاضر.

قعد يقلب فيهم واحدة واحدة.

وفجأة وقف.

بص لمنار.

وقال:

“هو ده اللي كنتي خايفة تورينيه؟”

قالت:

“أيوه.”

قال:

“ليه؟”

قالت:

“علشان فيه اسم أبويا، واسم شركته، وأسماء ناس كتير.”

أنا قلت:

“طيب ما إحنا عارفين إن أبوكي متهم.”

منار بصتلي وقالت:

“متهم، مش مدان.”

أنا سكت.

قالت:

“ودي نقطة مهمة.”

أحمد كمل قراءة الورق.

وبعد شوية قال:

“يعني أبوكي لسه بيحاكم؟”

“أيوه.”

“مش محكوم عليه نهائيًا؟”

“لأ.”

أنا قلت:

“بس هو في السجن.”

ردت:

“الحبس على ذمة القضية.”

سكتنا كلنا.

أنا بدأت أحس إن الصورة اللي في دماغي مش كاملة.

أنا كنت سمعت كلمة “اختلاس” فبنيت عليها إنه حرامي، وإن بنته لازم تكون عارفة كل حاجة، وإنها كانت بتخبي علينا فضيحة.

لكن الورق قدامي كان بيقول حاجة مختلفة.

أحمد قال:

“إنتي كنتي بتروحي له كل أسبوع؟”

قالت:

“أيوه.”

“ومامتك كانت فاكرة إنك بتروحي لها؟”

“أمي كانت عارفة إني بروح لبابا، بس قدام الناس كانت بتقول إني بشتغل وبزور صاحباتي.”

قلت:

“ليه كل الكذب ده؟”

منار بصتلي وقالت:

“علشان إحنا عيلة مش عايزين الناس تتكلم علينا.”

ضحكت بسخرية.

قلت:

“وإنتي شايفة إنك لما تخبي عن جوزك ده حل؟”

قالت:

“لأ.”

وسكتت.

ثم قالت:

“أنا غلطت.”

الكلمة دي كانت أهدى من أي تبرير.

أحمد حط الورق على الترابيزة.

وقال:

“أنا مش زعلان إن أبوكي في السجن.”

منار رفعت عينيها عليه.

قال:

“أنا زعلان إنك ما وثقتيش فيا.”

دموعها نزلت تاني.

وقالت:

“كنت خايفة.”

“من إيه؟”

“منك.”

“ليه؟”

قالت:

“علشان من أول ما اتجوزنا وأنا حاسة إن والدتك مش قابلة وجودي.”

أنا اتنرفزت.

قلت:

“وأنا مالي دلوقتي؟”

بصتلي وقالت:

“كل حاجة حصلت بسبب خوفي من إنك تستخدموا الموضوع ضدي.”

أنا اتضايقت جدًا.

قلت:

“يعني أنا كنت هفضحك؟”

ما ردتش.

قلت:

“جاوبي!”

قالت بهدوء:

“أنا ما كنتش عارفة.”

أحمد بصلي.

وقال:

“وأنا كمان مش عارف.”

حسيت إن الكلام بيوجعني.

قلت:

“يعني إيه مش عارف؟ أنا أمك.”

قال:

“وأنا ابنك.”

سكت.

قال:

“بس أنا كمان جوز.”

ما لقيتش رد.

نزلت عيني في الأرض.

أنا فعلًا كنت بتعامل معاه كأنه ابني وبس.

ما كنتش شايفة إن بعد الجواز بقى له بيت ومسؤولية وخصوصية.

لكن مع ذلك، كنت لسه شايفة إن منار غلطانة.

قلت:

“حتى لو أنا غلطت في تدخلي، هي كمان غلطت.”

أحمد قال:

“أيوه.”

منار بصتله.

قال:

“هي غلطت إنها كذبت.”

منار هزت راسها.

“وأنا غلطت إني اتدخلت.”

أنا استغربت.

أول مرة أسمع منه اعتراف زي ده.

لكن فجأة لقيته بيبص في الورق تاني.

وسأل منار:

“إنتي قلتي إن أبوكي ما كانش لوحده.”

“أيوه.”

“مين الشخص التاني؟”

منار اترددت.

“قولي.”

قالت:

“المحاسب اللي كان شغال معاه.”

أحمد بص في الورقة.

“اسمه إيه؟”

قالت:

“حسام.”

سألها:

“حسام مين؟”

قالت الاسم كامل.

أول ما سمعته، أنا حسيت إن وش أحمد اتغير.

قال:

“ده اسم الراجل اللي كان بييجي لأبويا زمان.”

منار قالت:

“هو نفسه.”

أنا قلت:

“يعني إيه؟”

أحمد ما ردش.

فضل يقلب في الورق.

وبعدين قال:

“ماما، فاكرة لما بابا قبل ما يموت كان بيقول إن فيه حسابات مش مظبوطة؟”

أنا هزيت راسي.

“أيوه.”

“فاكرة إنه كان زعلان من المحاسب؟”

قلت:

“أيوه، بس كان بيقول إن الموضوع هيتحل.”

قال:

“أنا فاكر.”

ثم بص لمنار.

وقال:

“يعني القضية بدأت بسبب مشكلة في حسابات الشركة؟”

قالت:

“أيوه.”

“وأبوكي اتهموه إنه المسؤول.”

“أيوه.”

“بس إنتي بتقولي إن فيه أوراق بتثبت إن الموضوع كان فيه أكتر من شخص.”

قالت:

“أنا مش بقول إن أبويا بريء.”

أحمد سكت.

قالت:

“أنا بس بقول إن الموضوع مش بالصورة اللي الناس عرفتها.”

أنا لأول مرة حسيت إن منار مش بتحاول تبرر لأبوها.

هي كانت بتحاول تحكي الحقيقة بس.

أحمد قفل الملف.

وقال:

“أنا محتاج أفكر.”

منار قالت:

“خد وقتك.”

وقفت.

وأنا كنت لسه قاعدة.

بصلي أحمد وقال:

“ماما، انزلي.”

قلت:

“يعني إيه؟”

“انزلي وخلينا نهدى.”

نزلت وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتقلبت.

أنا طلعت فوق وأنا متأكدة إن منار هتتكسر.

لكن اللي حصل إن أنا اللي نزلت وأنا مش عارفة أنا كنت غلطانة فين ومين كان غلطان.

دخلت مطبخي وقعدت على الكرسي.

فضلت أفكر.

أنا فعلًا كنت مستنية أوقعها.

كنت مستنية غلطة منها.

وكنت فرحانة لما عرفت إن أبوها في السجن.

بس ليه؟

علشان أثبت إنها أقل مني؟

علشان أخلي ابني يسمع كلامي؟

ولا علشان كنت خايفة إنها أخدت مكان كان زمان ليا؟

يمكن كل ده.

وبعد حوالي ساعة، سمعت باب الشقة فوق بيتفتح.

أحمد نزل.

قلت:

“منار راحت؟”

قال:

“لأ.”

“أومال؟”

“بتصلي.”

سكت.

وبعدين قعد قدامي.

وقال:

“ماما.”

“نعم.”

“أنا مش عايز أزعلك.”

“ولا أنا عايزة أزعلك.”

قال:

“بس لازم تفهمي حاجة.”

بصيتله.

قال:

“منار مراتي.”

سكت.

“وأنا بحبها.”

الكلمة دي وجعتني.

مش علشان بيحبها.

علشان حسيت إن حبه ليها بقى أهم من رأيي.

قال:

“وأنا مش هسيبها علشان أبوها.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى