
عدى اليوم ده وأنا حاسة إني مش عارفة أنام.
كل ما أحاول أقفل عيني، أفتكر كلام أحمد:
“منار مراتي.”
الكلمتين كانوا بيوجعوني، مش علشان فيهم حاجة غلط، لكن علشان لأول مرة أفهم إن ابني كبر فعلًا.
أنا اللي ربيته، وأنا اللي كنت ماسكة كل تفاصيل حياته، من أكله لشغله لمصاريفه لحد اختياراته.
ولما اتجوز، كنت متخيلة إن مراته هتدخل بيتنا وتبقى جزء من حياتنا، بس من غير ما تغير أي حاجة.
كنت عايزة كل حاجة تفضل زي ما هي.
مصروف البيت في إيدي.
الكلمة الأولى ليا.
ولو خرجت، تستأذنني.
ولو عملت حاجة في البيت، ترجعلي.
لكن منار من أول يوم دخلت فيه، عملت العكس تمامًا.
كانت بتاخد رأي جوزها قبل ما تعمل أي حاجة.
وساعتها كنت بشوف ده تحدي.
دلوقتي بدأت أفكر:
يمكن هي كانت بتتصرف صح.
يمكن أنا اللي كنت متعودة على وضع معين، ومش عايزة أقبل إنه اتغير.
تاني يوم الصبح، نزل أحمد بدري.
لقيته واقف في المطبخ بيشرب قهوته.
قلت:
“إنت صاحي من بدري ليه؟”
قال:
“عندي شغل.”
“ومنار؟”
“لسه نايمة.”
قلت:
“اتخانقتوا؟”
بصلي وقال:
“لأ.”
استغربت.
“يعني إيه لأ؟”
“يعني اتكلمنا.”
“ووصلتوا لإيه؟”
سكت شوية.
وقال:
“هسيبها تاخد وقتها.”
“يعني مش هتسيبها؟”
رفع عينه وقال:
“أنا ما قلتش كده.”
سكت.
ثم قال:
“بس مش هعمل قرار وأنا متعصب.”
وبعدين خرج.
أنا فضلت واقفة مكاني.
كنت مستنية أشوف ابني متخانق معاها.
لكن بالعكس.
كان بيتعامل بعقل.
وده خلاني لأول مرة أحس إن الموضوع أكبر من مجرد كذبة.
بعد حوالي نص ساعة، منار نزلت.
كانت باين عليها إنها ما نامتش كويس.
قالت:
“صباح الخير يا طنط.”
رديت:
“صباح النور.”
راحت المطبخ تعمل شاي.
وقفت أتفرج عليها.
وبعدين قلت:
“منار.”
قالت:
“نعم؟”
“أبوكي أخباره إيه؟”
إيدها وقفت لحظة.
وبعدين قالت:
“الحمد لله.”
قلت:
“يعني إيه الحمد لله؟”
قالت:
“زي ما هو.”
“بتروحي له إمتى؟”
قالت:
“النهارده.”
سكت.
وبعدين قلت:
“لو عايزة تروحي، روحي.”
بصتلي باستغراب.
“بجد؟”
قلت:
“أيوه.”
“مش هتزعلي؟”
قلت:
“أنا مش صاحبة القرار.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“بس شكرًا.”
أنا اتضايقت من نفسي.
حتى وهي بتشكرني، حسيت إني عملت حاجة كبيرة.
مع إن ده حقها الطبيعي.
بعدها بيومين، أحمد رجع من شغله متأخر.
دخل البيت ووشه مرهق.
قعد على الكرسي وقال:
“ماما، هو الملف لسه عند منار؟”
قلت:
“أيوه.”
قال:
“أنا عايز أشوفه تاني.”
منار كانت فوق.
طلعت وناديتها.
نزلت بالدوسيه.
أحمد فتحه وقعد يقرأ.
المرة دي ما كانش بيدور على غلطة في أبوها.
كان بيدور على حاجة تفسر له كلام أبوه زمان.
وبعد فترة قال:
“ماما.”
“نعم؟”
“فاكرة يوم ما أبويا رجع البيت متخانق مع حسام؟”
فكرت شوية.
“أيوه.”
“قالك إيه؟”
قلت:
“قال إن فيه فلوس ناقصة من الحساب.”
أحمد بص لمنار.
وقال:
“وده حصل فعلًا.”
منار هزت راسها.
“أيوه.”
قلت:
“بس أبوكي كان شغال معاه.”
قالت:
“أيوه.”
“طب إزاي؟”
قالت:
“أنا ما أعرفش كل التفاصيل.”
أحمد قال:
“ولا أنا.”
وبعدين قفل الملف.
وقال:
“يبقى لازم نعرف.”
منار بصتله.
“إزاي؟”
قال:
“بالطرق الرسمية.”
أنا ارتحت.
على الأقل ابني ما اندفعش ورا كلام أو اتهامات.
قال لمنار:
“لو فيه محامي بيتابع القضية، نتكلم معاه.”
قالت:
“فيه.”
“خليه يراجع الورق كله.”
هزت راسها.
ثم قالت:
“بس أنا خايفة.”
“من إيه؟”
“إن الموضوع يطول.”
قال:
“مافيش حاجة هتتحل في يوم وليلة.”
سكتت.
ثم قالت:
“وأنا مش عايزة أخسرك.”
بصلها.
وقال:
“ولا أنا عايز أخسرك.”
أنا بصيت لهم وسكت.
يمكن لأول مرة أفهم إن الجواز مش معناه إن الاتنين ما يختلفوش.
معناه إنهم يختلفوا ويحاولوا يصلحوا.
وبعد كام يوم، حصلت حاجة ما كنتش متوقعتها.
منار رجعت من زيارة أبوها، ودخلت البيت وهي ماسكة ظرف صغير.
حطته على الترابيزة.
قلت:
“ده إيه؟”
قالت:
“جواب من بابا لأحمد.”
أنا اتوترت.
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“هو عرف إن أحمد عرف الحقيقة.”
أحمد كان لسه راجع من شغله.
لما شاف الظرف، أخده.
فتحه وقرأ.
ما اتكلمش.
منار قالت:
“هو بيقولك إنه آسف إنه خبى عليك.”
أحمد كمل قراءة.
وبعدين سأل:
“هو قال إيه عن القضية؟”
قالت:
“بيقول إنه مستعد يواجه أي سؤال.”
سكت أحمد.
وبعدين قال:
“هو معترف إنه غلط؟”
قالت:
“معترف إنه كان مسؤول عن حاجات حصلت في الشركة.”
أنا قلت:
“يعني مذنب؟”
منار بصتلي وقالت:
“هو قال إنه غلط في الإدارة، لكن مش كل اللي اتقال عنه صحيح.”
أحمد قال:
“وده المحامي يثبته.”
وبعدين طوى الورقة.
لكن قبل ما يحطها، وقف عند آخر سطر.
قرأه مرة تانية.
ثم قال:
“ماما.”
“نعم؟”
مدلي الورقة.
وقال:
“اقري.”
أنا أخدتها.
في آخر الورقة كان أبو منار كاتب:
“أنا عارف إن بنتي كانت بتخبي عنكم علشان خايفة إن الحقيقة تأثر على جوازها. وأنا السبب في خوفها. بس فيه حاجة لازم تعرفوها… أحمد يعرف عن والدك أكتر مما هو فاكر.”
رفعت عيني.
قلت:
“يعني إيه؟”
أحمد كان ساكت.
بصيتله.
“إنت تعرف إيه عن أبوك؟”
قال:
“مش فاهم.”
رجع أخذ الورقة.
قرأ السطر تاني.
وبعدين قال:
“أنا لازم أروح له.”
منار قالت:
“أنت؟”
قال:
“أيوه.”
“هتقدر تزوره؟”
“هحاول.”
أنا قلت:
“وأنا؟”
أحمد بصلي.
سكت لحظة.
ثم قال:
“إنتي مالكش دعوة.”
الكلمة ضايقتني.
قلت:
“أنا أمك.”
قال:
“وعلشان إنتي أمي، مش عايزك تدخلي أكتر من كده.”
سكت.
كان عنده حق.
لكن جوايا كان فيه إحساس إن الموضوع قرب من حاجة تخص بيتنا من زمان.
بعدها بيوم، أحمد راح للمحامي.
رجع آخر النهار ومعاه ورق جديد.
دخل البيت وقال:
“فيه حاجة غريبة.”
منار قامت بسرعة.
“إيه؟”
قال:
“المحاسب اللي اسمه موجود في القضية قدم أقوال ضد أبوكي.”
“عارفة.”
“بس الأقوال فيها تناقضات.”
منار بصتله.
“يعني؟”
“يعني في تواريخ مش متطابقة.”
سكتت.
قال:
“وفي تحويلات مالية تمت بعد اليوم اللي أبوكي قال إنه ساب فيه الشغل.”
منار قالت:
“وده معناه إيه؟”
قال:
“معناه إن لازم المحامي يراجع كل حاجة.”
أنا قلت:
“يعني أبوكي بريء؟”
أحمد رد:
“لسه ما نقدرش نقول.”
وأنا عجبتني إجابته.
لأول مرة حد في البيت بيتعامل مع الموضوع بعقل.
مش كل واحد بيقول اللي نفسه يسمعه.
في المساء، منار قعدت جنبي.
وقالت:
“طنط.”
قلت:
“نعم؟”
قالت:
“أنا عارفة إنك كنتي زعلانة مني.”
سكت.
قالت:
“وعارفة إن تصرفاتي ضايقتك.”
قلت:
“وأنا كمان ضايقتك.”
بصتلي.
قلت:
“يمكن أكتر مما كنت متخيلة.”
قالت:
“أنا مش عايزة آخد مكانك.”
الجملة دي خلتني أبصلها.
قالت:
“أحمد ابنيش، ومش هطلب منه يختار بيني وبينك.”
قلت:
“بس أنا كنت حاسة إنك بتبعديه عني.”
هزت راسها.
“يمكن علشان كنتي بتحاولي تقربي منه بطريقة تخليه يبعد.”
الكلمة كانت قاسية.
لكنها كانت صادقة.
أنا ما زعلتش.
قلت:
“يمكن.”
وبعدين سكتنا.
بعد دقائق، قلت:
“هو لسه بيحبك؟”
ابتسمت بحزن.
وقالت:
“مش عارفة.”
قلت:
“إنتي بتحبيه؟”
قالت:
“آه.”
قلت:
“يبقى استني.”
بصتلي باستغراب.
قلت:
“لو هو محتاج وقت، اديهوله.”
هزت راسها.
ومن يومها بدأت الأمور تهدى.
أحمد بقى يرجع البيت ويقعد معاها.
ما بقاش بيتكلم عن الطلاق.
وهي بطلت تخبي عنه أي حاجة.
حتى لما كانت رايحة تزور أبوها، كانت بتقوله بنفسها.
وأنا بقيت ما أسألش.
مش علشان ما يهمنيش.
لكن علشان فهمت إن في فرق بين إنك تحبي ابنك، وإنك تديري حياته.
وبعد حوالي شهر، جه يوم غير كل حاجة.
أحمد رجع البيت ومعاه المحامي.
أنا كنت في المطبخ.
سمعتهم بيتكلموا.
المحامي قال:
“فيه مستندات جديدة ظهرت.”
منار قالت:
“إيه؟”
قال:
“فيه تحويلات اتعملت من حساب الشركة في الفترة اللي كان والدك فيها محبوس.”
أحمد قال:
“وده معناه؟”
المحامي رد:
“معناه إن القضية محتاجة مراجعة، لأن فيه أموال اتحركت بعد توقيفه.”
منار حطت إيدها على بقها.
“يعني بابا ممكن يكون…”
المحامي قاطعها:
“ما نستعجلش.”
ثم قال:
“بس فيه حاجة أهم.”
أحمد سأله:
“إيه؟”
المحامي طلع ورقة.
وقال:
“التوقيع الموجود على واحد من أوامر التحويل…”
وسكت.
أحمد قال:
“ماله؟”
المحامي بصله وقال:
“التوقيع ده مش توقيع والدك.”
أنا كنت واقفة ورا باب المطبخ وبسمع.
وبعدين المحامي كمل:
“وده معناه إن فيه شخص كان عنده صلاحية يدخل على الحسابات ويصرف منها.”
أحمد قال:
“مين؟”
المحامي رد:
“لسه بنراجع.”
لكن منار قالت بصوت واطي:
“حسام.”
أحمد بص لها.
قالت:
“أبويا كان دايمًا بيقول إن حسام هو الشخص الوحيد اللي كان عنده كل مفاتيح الحسابات.”
ساد الصمت.
أنا قربت منهم.
قلت:
“يبقى يمكن المشكلة بدأت من هنا.”
أحمد بصلي.
ولأول مرة ما اعترضش على تدخلي.
قال:
“يمكن.”
ثم بص لمنار.
وقال:
“بس لازم نسيب المحامي والجهات المختصة يثبتوا ده.”
منار هزت راسها.
وأنا قعدت.
فضلنا ساكتين شوية.
وبعدين أحمد قال:
“ماما.”
قلت:
“نعم.”
قال:
“فاكرة أول يوم جيتي قلتيلي إن منار بتكدب؟”
نزلت عيني.
“أيوه.”
قال:
“لو كنتي وقتها سألتيها بدل ما تحكمي عليها…”
سكت.
أنا كملت عنه:
“كان زماني فهمت.”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
“أهو كده.”
ضحكت.
لكن جوايا كنت عارفة إن الحكاية لسه ما خلصتش.
لأن أبو منار لسه في السجن.
والقضية لسه مفتوحة.
والحقيقة لسه ما ظهرعدى اليوم ده وأنا حاسة إني مش عارفة أنام.
كل ما أحاول أقفل عيني، أفتكر كلام أحمد:
“منار مراتي.”
الكلمتين كانوا بيوجعوني، مش علشان فيهم حاجة غلط، لكن علشان لأول مرة أفهم إن ابني كبر فعلًا.
أنا اللي ربيته، وأنا اللي كنت ماسكة كل تفاصيل حياته، من أكله لشغله لمصاريفه لحد اختياراته.
ولما اتجوز، كنت متخيلة إن مراته هتدخل بيتنا وتبقى جزء من حياتنا، بس من غير ما تغير أي حاجة.
كنت عايزة كل حاجة تفضل زي ما هي.
مصروف البيت في إيدي.
الكلمة الأولى ليا.
ولو خرجت، تستأذنني.
ولو عملت حاجة في البيت، ترجعلي.
لكن منار من أول يوم دخلت فيه، عملت العكس تمامًا.
كانت بتاخد رأي جوزها قبل ما تعمل أي حاجة.
وساعتها كنت بشوف ده تحدي.
دلوقتي بدأت أفكر:
يمكن هي كانت بتتصرف صح.
يمكن أنا اللي كنت متعودة على وضع معين، ومش عايزة أقبل إنه اتغير.
تاني يوم الصبح، نزل أحمد بدري.
لقيته واقف في المطبخ بيشرب قهوته.
قلت:
“إنت صاحي من بدري ليه؟”
قال:
“عندي شغل.”
“ومنار؟”
“لسه نايمة.”
قلت:
“اتخانقتوا؟”
بصلي وقال:
“لأ.”
استغربت.
“يعني إيه لأ؟”
“يعني اتكلمنا.”
“ووصلتوا لإيه؟”
سكت شوية.
وقال:
“هسيبها تاخد وقتها.”
“يعني مش هتسيبها؟”
رفع عينه وقال:
“أنا ما قلتش كده.”
سكت.
ثم قال:
“بس مش هعمل قرار وأنا متعصب.”
وبعدين خرج.
أنا فضلت واقفة مكاني.
كنت مستنية أشوف ابني متخانق معاها.
لكن بالعكس.
كان بيتعامل بعقل.
وده خلاني لأول مرة أحس إن الموضوع أكبر من مجرد كذبة.
بعد حوالي نص ساعة، منار نزلت.
كانت باين عليها إنها ما نامتش كويس.
قالت:
“صباح الخير يا طنط.”
رديت:
“صباح النور.”
راحت المطبخ تعمل شاي.
وقفت أتفرج عليها.
وبعدين قلت:
“منار.”
قالت:
“نعم؟”
“أبوكي أخباره إيه؟”
إيدها وقفت لحظة.
وبعدين قالت:
“الحمد لله.”
قلت:
“يعني إيه الحمد لله؟”
قالت:
“زي ما هو.”
“بتروحي له إمتى؟”
قالت:
“النهارده.”
سكت.
وبعدين قلت:
“لو عايزة تروحي، روحي.”
بصتلي باستغراب.
“بجد؟”
قلت:
“أيوه.”
“مش هتزعلي؟”
قلت:
“أنا مش صاحبة القرار.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“بس شكرًا.”
أنا اتضايقت من نفسي.
حتى وهي بتشكرني، حسيت إني عملت حاجة كبيرة.
مع إن ده حقها الطبيعي.
بعدها بيومين، أحمد رجع من شغله متأخر.
دخل البيت ووشه مرهق.
قعد على الكرسي وقال:
“ماما، هو الملف لسه عند منار؟”
قلت:
“أيوه.”
قال:
“أنا عايز أشوفه تاني.”
منار كانت فوق.
طلعت وناديتها.
نزلت بالدوسيه.
أحمد فتحه وقعد يقرأ.
المرة دي ما كانش بيدور على غلطة في أبوها.
كان بيدور على حاجة تفسر له كلام أبوه زمان.
وبعد فترة قال:
“ماما.”
“نعم؟”
“فاكرة يوم ما أبويا رجع البيت متخانق مع حسام؟”
فكرت شوية.
“أيوه.”
“قالك إيه؟”
قلت:
“قال إن فيه فلوس ناقصة من الحساب.”
أحمد بص لمنار.
وقال:
“وده حصل فعلًا.”
منار هزت راسها.
“أيوه.”
قلت:
“بس أبوكي كان شغال معاه.”
قالت:
“أيوه.”
“طب إزاي؟”
قالت:
“أنا ما أعرفش كل التفاصيل.”
أحمد قال:
“ولا أنا.”
وبعدين قفل الملف.
وقال:
“يبقى لازم نعرف.”
منار بصتله.
“إزاي؟”
قال:
“بالطرق الرسمية.”
أنا ارتحت.
على الأقل ابني ما اندفعش ورا كلام أو اتهامات.
قال لمنار:
“لو فيه محامي بيتابع القضية، نتكلم معاه.”
قالت:
“فيه.”
“خليه يراجع الورق كله.”
هزت راسها.
ثم قالت:
“بس أنا خايفة.”
“من إيه؟”
“إن الموضوع يطول.”
قال:
“مافيش حاجة هتتحل في يوم وليلة.”
سكتت.
ثم قالت:
“وأنا مش عايزة أخسرك.”
بصلها.
وقال:
“ولا أنا عايز أخسرك.”
أنا بصيت لهم وسكت.
يمكن لأول مرة أفهم إن الجواز مش معناه إن الاتنين ما يختلفوش.
معناه إنهم يختلفوا ويحاولوا يصلحوا.
وبعد كام يوم، حصلت حاجة ما كنتش متوقعتها.
منار رجعت من زيارة أبوها، ودخلت البيت وهي ماسكة ظرف صغير.
حطته على الترابيزة.
قلت:
“ده إيه؟”
قالت:
“جواب من بابا لأحمد.”
أنا اتوترت.
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“هو عرف إن أحمد عرف الحقيقة.”
أحمد كان لسه راجع من شغله.
لما شاف الظرف، أخده.
فتحه وقرأ.
ما اتكلمش.
منار قالت:
“هو بيقولك إنه آسف إنه خبى عليك.”
أحمد كمل قراءة.
وبعدين سأل:
“هو قال إيه عن القضية؟”
قالت:
“بيقول إنه مستعد يواجه أي سؤال.”
سكت أحمد.
وبعدين قال:
“هو معترف إنه غلط؟”
قالت:
“معترف إنه كان مسؤول عن حاجات حصلت في الشركة.”
أنا قلت:
“يعني مذنب؟”
منار بصتلي وقالت:
“هو قال إنه غلط في الإدارة، لكن مش كل اللي اتقال عنه صحيح.”
أحمد قال:
“وده المحامي يثبته.”
وبعدين طوى الورقة.
لكن قبل ما يحطها، وقف عند آخر سطر.
قرأه مرة تانية.
ثم قال:
“ماما.”
“نعم؟”
مدلي الورقة.
وقال:
“اقري.”
أنا أخدتها.
في آخر الورقة كان أبو منار كاتب:
“أنا عارف إن بنتي كانت بتخبي عنكم علشان خايفة إن الحقيقة تأثر على جوازها. وأنا السبب في خوفها. بس فيه حاجة لازم تعرفوها… أحمد يعرف عن والدك أكتر مما هو فاكر.”
رفعت عيني.
قلت:
“يعني إيه؟”
أحمد كان ساكت.
بصيتله.
“إنت تعرف إيه عن أبوك؟”
قال:
“مش فاهم.”
رجع أخذ الورقة.
قرأ السطر تاني.
وبعدين قال:
“أنا لازم أروح له.”
منار قالت:
“أنت؟”
قال:
“أيوه.”
“هتقدر تزوره؟”
“هحاول.”
أنا قلت:
“وأنا؟”
أحمد بصلي.
سكت لحظة.
ثم قال:
“إنتي مالكش دعوة.”
الكلمة ضايقتني.
قلت:
“أنا أمك.”
قال:
“وعلشان إنتي أمي، مش عايزك تدخلي أكتر من كده.”
سكت.
كان عنده حق.
لكن جوايا كان فيه إحساس إن الموضوع قرب من حاجة تخص بيتنا من زمان.
بعدها بيوم، أحمد راح للمحامي.
رجع آخر النهار ومعاه ورق جديد.
دخل البيت وقال:
“فيه حاجة غريبة.”
منار قامت بسرعة.
“إيه؟”
قال:
“المحاسب اللي اسمه موجود في القضية قدم أقوال ضد أبوكي.”
“عارفة.”
“بس الأقوال فيها تناقضات.”
منار بصتله.
“يعني؟”
“يعني في تواريخ مش متطابقة.”
سكتت.
قال:
“وفي تحويلات مالية تمت بعد اليوم اللي أبوكي قال إنه ساب فيه الشغل.”
منار قالت:
“وده معناه إيه؟”
قال:
“معناه إن لازم المحامي يراجع كل حاجة.”
أنا قلت:
“يعني أبوكي بريء؟”
أحمد رد:
“لسه ما نقدرش نقول.”
وأنا عجبتني إجابته.
لأول مرة حد في البيت بيتعامل مع الموضوع بعقل.
مش كل واحد بيقول اللي نفسه يسمعه.
في المساء، منار قعدت جنبي.
وقالت:
“طنط.”
قلت:
“نعم؟”
قالت:
“أنا عارفة إنك كنتي زعلانة مني.”
سكت.
قالت:
“وعارفة إن تصرفاتي ضايقتك.”
قلت:
“وأنا كمان ضايقتك.”
بصتلي.
قلت:
“يمكن أكتر مما كنت متخيلة.”
قالت:
“أنا مش عايزة آخد مكانك.”
الجملة دي خلتني أبصلها.
قالت:
“أحمد ابنيش، ومش هطلب منه يختار بيني وبينك.”
قلت:
“بس أنا كنت حاسة إنك بتبعديه عني.”
هزت راسها.
“يمكن علشان كنتي بتحاولي تقربي منه بطريقة تخليه يبعد.”
الكلمة كانت قاسية.
لكنها كانت صادقة.
أنا ما زعلتش.
قلت:
“يمكن.”
وبعدين سكتنا.
بعد دقائق، قلت:
“هو لسه بيحبك؟”
ابتسمت بحزن.
وقالت:
“مش عارفة.”
قلت:
“إنتي بتحبيه؟”
قالت:
“آه.”
قلت:
“يبقى استني.”
بصتلي باستغراب.
قلت:
“لو هو محتاج وقت، اديهوله.”
هزت راسها.
ومن يومها بدأت الأمور تهدى.
أحمد بقى يرجع البيت ويقعد معاها.
ما بقاش بيتكلم عن الطلاق.
وهي بطلت تخبي عنه أي حاجة.
حتى لما كانت رايحة تزور أبوها، كانت بتقوله بنفسها.
وأنا بقيت ما أسألش.
مش علشان ما يهمنيش.
لكن علشان فهمت إن في فرق بين إنك تحبي ابنك، وإنك تديري حياته.
وبعد حوالي شهر، جه يوم غير كل حاجة.
أحمد رجع البيت ومعاه المحامي.
أنا كنت في المطبخ.
سمعتهم بيتكلموا.
المحامي قال:
“فيه مستندات جديدة ظهرت.”
منار قالت:
“إيه؟”
قال:
“فيه تحويلات اتعملت من حساب الشركة في الفترة اللي كان والدك فيها محبوس.”
أحمد قال:
“وده معناه؟”
المحامي رد:
“معناه إن القضية محتاجة مراجعة، لأن فيه أموال اتحركت بعد توقيفه.”
منار حطت إيدها على بقها.
“يعني بابا ممكن يكون…”
المحامي قاطعها:
“ما نستعجلش.”
ثم قال:
“بس فيه حاجة أهم.”
أحمد سأله:
“إيه؟”
المحامي طلع ورقة.
وقال:
“التوقيع الموجود على واحد من أوامر التحويل…”
وسكت.
أحمد قال:
“ماله؟”
المحامي بصله وقال:
“التوقيع ده مش توقيع والدك.”
أنا كنت واقفة ورا باب المطبخ وبسمع.
وبعدين المحامي كمل:
“وده معناه إن فيه شخص كان عنده صلاحية يدخل على الحسابات ويصرف منها.”
أحمد قال:
“مين؟”
المحامي رد:
“لسه بنراجع.”
لكن منار قالت بصوت واطي:
“حسام.”
أحمد بص لها.
قالت:
“أبويا كان دايمًا بيقول إن حسام هو الشخص الوحيد اللي كان عنده كل مفاتيح الحسابات.”
ساد الصمت.
أنا قربت منهم.
قلت:
“يبقى يمكن المشكلة بدأت من هنا.”
أحمد بصلي.
ولأول مرة ما اعترضش على تدخلي.
قال:
“يمكن.”
ثم بص لمنار.
وقال:
“بس لازم نسيب المحامي والجهات المختصة يثبتوا ده.”
منار هزت راسها.
وأنا قعدت.
فضلنا ساكتين شوية.
وبعدين أحمد قال:
“ماما.”
قلت:
“نعم.”
قال:
“فاكرة أول يوم جيتي قلتيلي إن منار بتكدب؟”
نزلت عيني.
“أيوه.”
قال:
“لو كنتي وقتها سألتيها بدل ما تحكمي عليها…”
سكت.
أنا كملت عنه:
“كان زماني فهمت.”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
“أهو كده.”
ضحكت.
لكن جوايا كنت عارفة إن الحكاية لسه ما خلصتش.
لأن أبو منار لسه في السجن.
والقضية لسه مفتوحة.
والحقيقة لسه ما ظهرتش كاملة.
بس المرة دي…
أنا ما كنتش مستنية الحقيقة علشان أستخدمها ضد منار.
كنت مستنياها علشان أعرف أنا ظلمت مين.
وفي نفس الليلة، وأنا داخلة أنام، لقيت منار واقفة عند باب أوضتي.
قالت:
“طنط.”
قلت:
“نعم؟”
قالت:
“ممكن أقولك حاجة؟”
قلت:
“قولي.”
قالت:
“أنا أول مرة أحس إني عندي أم تانية.”
بصيتلها.
ما عرفت أرد.
لكن بعد ثواني، قربت منها وحضنتها.
وأنا بحضنها، افتكرت كل مرة كنت مستنية فيها غلطة منها.
وكل مرة كنت بقول فيها:
“أهو هجيب آخري معاها.”
وطلعت الحقيقة إن اللي كان محتاج يتغير…
ما كانتش منار.
كنت أنا.
لكن رغم إن الأمور بدأت تهدى، كان فيه سؤال واحد لسه معلق في دماغي:
لو أبو منار فعلًا ما كانش المسؤول الوحيد عن الفلوس…
مين اللي كان بيحرك الحسابات باسمه؟
وليه؟
والأهم…
ليه الشخص ده كان حريص طول الفترة دي إن أبو منار يفضل هو المتهم الرئيسي؟تش كاملة.
بس المرة دي…
أنا ما كنتش مستنية الحقيقة علشان أستخدمها ضد منار.
كنت مستنياها علشان أعرف أنا ظلمت مين.
وفي نفس الليلة، وأنا داخلة أنام، لقيت منار واقفة عند باب أوضتي.
قالت:
“طنط.”
قلت:
“نعم؟”
قالت:
“ممكن أقولك حاجة؟”
قلت:
“قولي.”
قالت:
“أنا أول مرة أحس إني عندي أم تانية.”
بصيتلها.
ما عرفت أرد.
لكن بعد ثواني، قربت منها وحضنتها.
وأنا بحضنها، افتكرت كل مرة كنت مستنية فيها غلطة منها.
وكل مرة كنت بقول فيها:
“أهو هجيب آخري معاها.”
وطلعت الحقيقة إن اللي كان محتاج يتغير…
ما كانتش منار.
كنت أنا.
لكن رغم إن الأمور بدأت تهدى، كان فيه سؤال واحد لسه معلق في دماغي:
لو أبو منار فعلًا ما كانش المسؤول الوحيد عن الفلوس…
مين اللي كان بيحرك الحسابات باسمه؟
وليه؟
والأهم…
ليه الشخص ده كان حريص طول الفترة دي إن أبو منار يفضل هو المتهم الرئيسي؟
فضلت قاعدة قدام الملف ومش قادرة أرفع عيني منه.
السؤال اللي كان بيلف في دماغي كان تقيل أوي…
لو أبو منار فعلًا ما كانش المسؤول الوحيد عن الفلوس… مين اللي كان بيحرك الحسابات باسمه؟
وليه الشخص ده كان حريص طول الفترة دي إن أبو منار يفضل هو المتهم الرئيسي؟
بصيت لأحمد، لقيته هو كمان ساكت، ووشه متغير.
قال بعد لحظات:
“أنا لازم أفهم اللي حصل ده، بس من غير ما نظلم حد.”
منار كانت قاعدة جنبنا، ماسكة ورقة من الملف بإيد بتترعش.
قالت:
“أنا مش عايزة بابا يطلع بريء لمجرد إننا عايزينه بريء… أنا عايزة الحقيقة بس.”
بصيت لها.
لأول مرة من ساعة ما دخلت بيتي، حسيت إن البنت دي مش بتحاربني ولا بتحاول تثبت إنها أقوى مني.
هي بس كانت خايفة.
خايفة على أبوها.
وخايفة من الناس.
وخايفة أكتر إن جوزها يعرف الحقيقة فيسيبها.
وقتها حسيت بوخزة في قلبي.
أنا اللي كنت كل شوية أقول عليها متكبرة ومش بتحترمني…
طلعت هي طول الوقت شايلة هم أكبر من اللي أنا كنت متخيلة.
أحمد أخد الورقة من إيدها وقال:
“مين المحامي اللي متابع القضية؟”
منار ردت:
“أستاذ سامح. هو اللي كان ماسك الملف من البداية.”
أحمد هز راسه وقال:
“لازم نروح له.”
سكتت منار شوية، وبعدين قالت:
“إنت هتروح معايا؟”
أحمد بص لها باستغراب.
“طبعًا.”
عينها دمعت.
قالت:
“أنا كنت خايفة أسألك.”
رد عليها بهدوء:
“وأنا كنت خايف أعرف منك متأخر.”
وسكتوا هما الاتنين.
أما أنا فكنت قاعدة أسمعهم وحاسة إني غريبة عن الموقف رغم إني كنت السبب في فتح الموضوع كله.
لكن لأول مرة ما حسيتش بالغيرة.
حسيت إني عايزة أساعد.
يمكن علشان ضميري كان بدأ يوجعني.
ويمكن علشان كان جوايا إحساس إن الحكاية دي لسه وراها حاجة.
تاني يوم الصبح، أحمد ومنار راحوا للمحامي.
وأنا فضلت في البيت مع الأولاد.
قعدت طول اليوم وأنا بفكر في اللي حصل.
كنت كل شوية أفتكر أول يوم منار دخلت فيه البيت.
كنت شايفاها بنت داخلة تاخد ابني مني.
كل مرة كانت ترفض حاجة أقول إنها بتتحداني.
كل مرة كانت تقول لأحمد “خلينا نقرر سوا” كنت أعتبرها بتحاول تتحكم فيه.
حتى لما كانت تروح لأمها كنت أقول:
“دي مش متعودة على بيت جوزها.”
ماكنتش بسأل نفسي هي بتروح ليه.
ولا كانت محتاجة إيه.
ولا ليه بتخبي.
كنت بحكم وخلاص.
قرب المغرب، سمعت مفتاح الباب.
دخل أحمد ومنار.
أول ما شفت وش أحمد عرفت إن فيه حاجة حصلت.
قلت:
“خير؟”
ما ردش فورًا.
حط الملف على الترابيزة وقال:
“المحامي لقى حاجة مهمة.”
منار قعدت من غير كلام.
أنا قربت.
قلت:
“إيه؟”
أحمد فتح الملف وطلع صورة مستند قديم.
وقال:
“ده تقرير مراجعة داخلي من الشركة.”
بصيت للمستند.
قال:
“التقرير معمول قبل ما أبو منار يتقبض عليه بحوالي شهرين.”
سألته:
“وبيثبت إيه؟”
رد:
“إن كان فيه اختلافات في الحسابات.”
منار قالت:
“بابا كان عارف.”
أحمد بص لها.
“إنتي متأكدة؟”
قالت:
“آه. في ورقة بخط إيده كانت عند المحامي.”
أحمد سكت.
وبعدين قال:
“المشكلة إن التقرير ده كان المفروض يدخل ضمن أوراق القضية من البداية… لكنه ما دخلش.”
اتخضيت.
قلت:
“يعني إيه ما دخلش؟”
أحمد رد:
“يعني ببساطة… الورقة دي كانت موجودة، لكن ما اتقدمتش مع باقي المستندات.”
منار قالت بسرعة:
“بابا قال للمحامي إنه سلّمه نسخة منها.”
أحمد قال:
“والمحامي بيقول إنه ما استلمهاش.”
سكتنا كلنا.
أنا حسيت إن الموضوع بدأ يكبر.
قلت:
“طب الورقة دي كانت عند مين؟”
أحمد رد:
“دي المشكلة.”
وبعدين قلب المستند.
في آخر الصفحة كان فيه اسم وتوقيع.
قال:
“التقرير اتراجع واعتمد من شخصين.”
قربت منه.
الأول كان اسم أبو منار.
والثاني…
كان اسم حسام.
محاسب الشركة.
افتكرت الاسم فورًا.
قلت:
“حسام هو نفس الشخص اللي كان في الأوراق القديمة؟”
أحمد هز راسه.
“أيوه.”
منار سألت:
“يعني هو اللي كان ماسك الحسابات؟”
أحمد قال:
“كان مسؤول عن جزء كبير منها.”
وبعدين سكت.
أنا بصيت له.
قلت:
“إنت ساكت ليه؟”
رد:
“علشان افتكرت حاجة.”
“إيه؟”
قال:
“أبويا قبل ما يموت بكام شهر، كان بيتخانق مع حسام بسبب الحسابات.”
منار قربت منه.
“إنت ما قلتليش الكلام ده قبل كده.”
أحمد رد:
“لأني كنت فاكرها مشكلة شغل عادية.”
وبص في الورقة.
“بس دلوقتي مش باين إنها كانت عادية.”
سألته:
“وأبوك كان بيقول إيه؟”
أحمد سرح بعينيه شوية وقال:
“كان بيقول إن فيه فلوس بتتحرك من غير علمه.”
سكتت.
منار قالت:
“يعني أبوك كان شاكك في حسام؟”
أحمد رد بسرعة:
“مش هقدر أقول كده.”
وبص لها.
“أبويا ما اتهمش حد.”
أنا قلت:
“طب كان بيعمل إيه؟”
قال:
“كان بيجمع مستندات.”
الجملة دي وقعت علينا كلنا كأنها حجر.
منار قالت:
“مستندات إيه؟”
أحمد هز راسه.
“مش عارف.”
قلت له:
“يعني أبوك كان عنده أوراق عن الموضوع؟”
قال:
“أيوه.”
“فينها؟”
سكت.
وبعدين قال:
“معرفش.”
منار بصت ليه.
وأنا بصيت له.
ثواني طويلة عدت من غير ما حد يتكلم.
وبعدين أحمد قال:
“بس ممكن أعرف.”
قلت:
“إزاي؟”
قال:
“قبل ما أبويا يموت، كان عنده دولاب قديم في مكتبه.”
منار قالت:
“والمكتب ده لسه موجود؟”
“آه.”
“ومفتاحه؟”
أحمد بص لها.
“عندي.”
في اللحظة دي حسيت إننا كلنا بقينا واقفين على باب حاجة أكبر من مجرد خلاف عائلي.
لكن أحمد قال بحزم:
“قبل ما نفتح أي حاجة، هنرجع للمحامي. أي ورقة نلاقيها لازم تتسلم له، ومحدش فينا يفسرها من دماغه.”
أنا لأول مرة وافقته فورًا.
“عندك حق.”
بص لي أحمد باستغراب.
يمكن لأنه مش متعود يسمع مني الجملة دي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:
“أنا اتعلمت.”
منار بصت لي.
وأنا بصيت لها.
قلت:
“أنا ظلمتك.”
هي ما ردتش.
قلت:
“يمكن مش هتعرفي تسامحيني بسهولة… وده حقك.”
منار نزلت عينيها.
وبعد لحظات قالت:
“أنا كمان غلطت لما خبيت عليكوا.”
قلت:
“إحنا كلنا غلطنا.”
لكن اللي ما كناش نعرفه وقتها…
إن أكبر غلطة كانت إننا نفتكر إن الحقيقة مستخبية جوه الملف.
لأن الحقيقة كانت مستخبية في مكان أقدم بكتير.
تاني يوم، أحمد أخدني معاه هو ومنار لمكتب والده القديم.
المكان كان مقفول من سنين.
دخلنا، وكان التراب مالي الرفوف.
أحمد وقف في النص وبص حواليه.
قال:
“أنا آخر مرة دخلت هنا قبل وفاة أبويا بأسبوع.”
وبدأ يفتكر مكان الدولاب.
فتح درج مكتب قديم.
طلع منه مفتاح صغير.
مشينا ناحية الدولاب الحديد.
حاول يفتحه.
المفتاح دخل.
لكن ما لفش.
جرب تاني.
برضه ما فتحش.
قال:
“غريبة.”
منار قالت:
“يمكن المفتاح غلط.”
أحمد هز راسه.
“لا. أنا فاكره.”
جرب مرة تالتة.
وفجأة…
المفتاح لف.
فتح الباب.
أول رف كان فاضي.
التاني فيه ملفات قديمة.
التالت…
كان فيه ظرف بني كبير.
أحمد مد إيده.
لكن قبل ما يفتحه، شاف حاجة مكتوبة عليه.
وقف مكانه.
منار قالت:
“إيه؟”
أحمد ما ردش.
أنا قربت.
لقيت على الظرف جملة مكتوبة بخط والد أحمد:
“لو حصل لي حاجة… الظرف ده ما يفتحوش غير أحمد.”
منار بصت لأحمد.
وأنا حسيت بقشعريرة في جسمي.
أحمد مسك الظرف.
وقال:
“أنا مش فاهم.”
قلت:
“افتحه.”
قال:
“هفتحه قدام المحامي.”
لكن وهو بيقلب الظرف في إيده، وقعت منه ورقة صغيرة.
أحمد انحنى وأخذها.
فتحها.
قرأ أول سطر.
وبعدين وشه اتغير.
منار قالت:
“إيه اللي مكتوب؟”
أحمد فضل ساكت.
قلت له:
“اقرأ.”
رفع عينه وقال:
“دي ورقة من أبويا.”
وبدأ يقرأ بصوت منخفض:
“أنا مش متأكد مين المسؤول الحقيقي عن اللي حصل في الحسابات… لكني متأكد إن الشخص اللي هيتحمل المسؤولية مش هو الشخص الوحيد اللي كان عنده صلاحية.”
سكت.
منار حطت إيدها على بوقها.
أما أنا فحسيت إن رجلي مش شايلاني.
لأن الورقة كانت بتاريخ…
قبل القبض على أبو منار بأيام قليلة.
لكن كان فيها سطر أخير هو اللي قلب كل حاجة:
“والسبب الوحيد اللي مخليني ساكت لحد دلوقتي… إن الشخص ده من عيلتنا.”
أحمد رفع عينه ببطء.
بص لي.
وبص لمنار.
ولا واحد فينا اتكلم.
لأن السؤال اللي ظهر قدامنا وقتها ما كانش:
مين سرق الفلوس؟
السؤال الأصعب كان…
مين من عيلتنا كان عنده مصلحة إن أبو منار يدخل السجن مكانه؟فضلت قاعدة قدام الملف ومش قادرة أرفع عيني منه.
السؤال اللي كان بيلف في دماغي كان تقيل أوي…
لو أبو منار فعلًا ما كانش المسؤول الوحيد عن الفلوس… مين اللي كان بيحرك الحسابات باسمه؟
وليه الشخص ده كان حريص طول الفترة دي إن أبو منار يفضل هو المتهم الرئيسي؟
بصيت لأحمد، لقيته هو كمان ساكت، ووشه متغير.
قال بعد لحظات:
“أنا لازم أفهم اللي حصل ده، بس من غير ما نظلم حد.”
منار كانت قاعدة جنبنا، ماسكة ورقة من الملف بإيد بتترعش.
قالت:
“أنا مش عايزة بابا يطلع بريء لمجرد إننا عايزينه بريء… أنا عايزة الحقيقة بس.”
بصيت لها.
لأول مرة من ساعة ما دخلت بيتي، حسيت إن البنت دي مش بتحاربني ولا بتحاول تثبت إنها أقوى مني.
هي بس كانت خايفة.
خايفة على أبوها.
وخايفة من الناس.
وخايفة أكتر إن جوزها يعرف الحقيقة فيسيبها.
وقتها حسيت بوخزة في قلبي.
أنا اللي كنت كل شوية أقول عليها متكبرة ومش بتحترمني…
طلعت هي طول الوقت شايلة هم أكبر من اللي أنا كنت متخيلة.
أحمد أخد الورقة من إيدها وقال:
“مين المحامي اللي متابع القضية؟”
منار ردت:
“أستاذ سامح. هو اللي كان ماسك الملف من البداية.”
أحمد هز راسه وقال:
“لازم نروح له.”
سكتت منار شوية، وبعدين قالت:
“إنت هتروح معايا؟”
أحمد بص لها باستغراب.
“طبعًا.”
عينها دمعت.
قالت:
“أنا كنت خايفة أسألك.”
رد عليها بهدوء:
“وأنا كنت خايف أعرف منك متأخر.”
وسكتوا هما الاتنين.
أما أنا فكنت قاعدة أسمعهم وحاسة إني غريبة عن الموقف رغم إني كنت السبب في فتح الموضوع كله.
لكن لأول مرة ما حسيتش بالغيرة.
حسيت إني عايزة أساعد.
يمكن علشان ضميري كان بدأ يوجعني.
ويمكن علشان كان جوايا إحساس إن الحكاية دي لسه وراها حاجة.
تاني يوم الصبح، أحمد ومنار راحوا للمحامي.
وأنا فضلت في البيت مع الأولاد.
قعدت طول اليوم وأنا بفكر في اللي حصل.
كنت كل شوية أفتكر أول يوم منار دخلت فيه البيت.
كنت شايفاها بنت داخلة تاخد ابني مني.
كل مرة كانت ترفض حاجة أقول إنها بتتحداني.
كل مرة كانت تقول لأحمد “خلينا نقرر سوا” كنت أعتبرها بتحاول تتحكم فيه.
حتى لما كانت تروح لأمها كنت أقول:
“دي مش متعودة على بيت جوزها.”
ماكنتش بسأل نفسي هي بتروح ليه.
ولا كانت محتاجة إيه.
ولا ليه بتخبي.
كنت بحكم وخلاص.
قرب المغرب، سمعت مفتاح الباب.
دخل أحمد ومنار.
أول ما شفت وش أحمد عرفت إن فيه حاجة حصلت.
قلت:
“خير؟”
ما ردش فورًا.
حط الملف على الترابيزة وقال:
“المحامي لقى حاجة مهمة.”
منار قعدت من غير كلام.
أنا قربت.
قلت:
“إيه؟”
أحمد فتح الملف وطلع صورة مستند قديم.
وقال:
“ده تقرير مراجعة داخلي من الشركة.”
بصيت للمستند.
قال:
“التقرير معمول قبل ما أبو منار يتقبض عليه بحوالي شهرين.”
سألته:
“وبيثبت إيه؟”
رد:
“إن كان فيه اختلافات في الحسابات.”
منار قالت:
“بابا كان عارف.”
أحمد بص لها.
“إنتي متأكدة؟”
قالت:
“آه. في ورقة بخط إيده كانت عند المحامي.”
أحمد سكت.
وبعدين قال:
“المشكلة إن التقرير ده كان المفروض يدخل ضمن أوراق القضية من البداية… لكنه ما دخلش.”
اتخضيت.
قلت:
“يعني إيه ما دخلش؟”
أحمد رد:
“يعني ببساطة… الورقة دي كانت موجودة، لكن ما اتقدمتش مع باقي المستندات.”
منار قالت بسرعة:
“بابا قال للمحامي إنه سلّمه نسخة منها.”
أحمد قال:
“والمحامي بيقول إنه ما استلمهاش.”
سكتنا كلنا.
أنا حسيت إن الموضوع بدأ يكبر.
قلت:
“طب الورقة دي كانت عند مين؟”
أحمد رد:
“دي المشكلة.”
وبعدين قلب المستند.
في آخر الصفحة كان فيه اسم وتوقيع.
قال:
“التقرير اتراجع واعتمد من شخصين.”
قربت منه.
الأول كان اسم أبو منار.
والثاني…
كان اسم حسام.
محاسب الشركة.
افتكرت الاسم فورًا.
قلت:
“حسام هو نفس الشخص اللي كان في الأوراق القديمة؟”
أحمد هز راسه.
“أيوه.”
منار سألت:
“يعني هو اللي كان ماسك الحسابات؟”
أحمد قال:
“كان مسؤول عن جزء كبير منها.”
وبعدين سكت.
أنا بصيت له.
قلت:
“إنت ساكت ليه؟”
رد:
“علشان افتكرت حاجة.”
“إيه؟”
قال:
“أبويا قبل ما يموت بكام شهر، كان بيتخانق مع حسام بسبب الحسابات.”
منار قربت منه.
“إنت ما قلتليش الكلام ده قبل كده.”
أحمد رد:
“لأني كنت فاكرها مشكلة شغل عادية.”
وبص في الورقة.
“بس دلوقتي مش باين إنها كانت عادية.”
سألته:
“وأبوك كان بيقول إيه؟”
أحمد سرح بعينيه شوية وقال:
“كان بيقول إن فيه فلوس بتتحرك من غير علمه.”
سكتت.
منار قالت:
“يعني أبوك كان شاكك في حسام؟”
أحمد رد بسرعة:
“مش هقدر أقول كده.”
وبص لها.
“أبويا ما اتهمش حد.”
أنا قلت:
“طب كان بيعمل إيه؟”
قال:
“كان بيجمع مستندات.”
الجملة دي وقعت علينا كلنا كأنها حجر.
منار قالت:
“مستندات إيه؟”
أحمد هز راسه.
“مش عارف.”
قلت له:
“يعني أبوك كان عنده أوراق عن الموضوع؟”
قال:
“أيوه.”
“فينها؟”
سكت.
وبعدين قال:
“معرفش.”
منار بصت ليه.
وأنا بصيت له.
ثواني طويلة عدت من غير ما حد يتكلم.
وبعدين أحمد قال:
“بس ممكن أعرف.”
قلت:
“إزاي؟”
قال:
“قبل ما أبويا يموت، كان عنده دولاب قديم في مكتبه.”
منار قالت:
“والمكتب ده لسه موجود؟”
“آه.”
“ومفتاحه؟”
أحمد بص لها.
“عندي.”
في اللحظة دي حسيت إننا كلنا بقينا واقفين على باب حاجة أكبر من مجرد خلاف عائلي.
لكن أحمد قال بحزم:
“قبل ما نفتح أي حاجة، هنرجع للمحامي. أي ورقة نلاقيها لازم تتسلم له، ومحدش فينا يفسرها من دماغه.”
أنا لأول مرة وافقته فورًا.
“عندك حق.”
بص لي أحمد باستغراب.
يمكن لأنه مش متعود يسمع مني الجملة دي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:
“أنا اتعلمت.”
منار بصت لي.
وأنا بصيت لها.
قلت:
“أنا ظلمتك.”
هي ما ردتش.
قلت:
“يمكن مش هتعرفي تسامحيني بسهولة… وده حقك.”
منار نزلت عينيها.
وبعد لحظات قالت:
“أنا كمان غلطت لما خبيت عليكوا.”
قلت:
“إحنا كلنا غلطنا.”
لكن اللي ما كناش نعرفه وقتها…
إن أكبر غلطة كانت إننا نفتكر إن الحقيقة مستخبية جوه الملف.
لأن الحقيقة كانت مستخبية في مكان أقدم بكتير.
تاني يوم، أحمد أخدني معاه هو ومنار لمكتب والده القديم.
المكان كان مقفول من سنين.
دخلنا، وكان التراب مالي الرفوف.
أحمد وقف في النص وبص حواليه.
قال:
“أنا آخر مرة دخلت هنا قبل وفاة أبويا بأسبوع.”
وبدأ يفتكر مكان الدولاب.
فتح درج مكتب قديم.
طلع منه مفتاح صغير.
مشينا ناحية الدولاب الحديد.
حاول يفتحه.
المفتاح دخل.
لكن ما لفش.
جرب تاني.
برضه ما فتحش.
قال:
“غريبة.”
منار قالت:
“يمكن المفتاح غلط.”
أحمد هز راسه.
“لا. أنا فاكره.”
جرب مرة تالتة.
وفجأة…
المفتاح لف.
فتح الباب.
أول رف كان فاضي.
التاني فيه ملفات قديمة.
التالت…
كان فيه ظرف بني كبير.
أحمد مد إيده.
لكن قبل ما يفتحه، شاف حاجة مكتوبة عليه.
وقف مكانه.
منار قالت:
“إيه؟”
أحمد ما ردش.
أنا قربت.
لقيت على الظرف جملة مكتوبة بخط والد أحمد:
“لو حصل لي حاجة… الظرف ده ما يفتحوش غير أحمد.”
منار بصت لأحمد.
وأنا حسيت بقشعريرة في جسمي.
أحمد مسك الظرف.
وقال:
“أنا مش فاهم.”
قلت:
“افتحه.”
قال:
“هفتحه قدام المحامي.”
لكن وهو بيقلب الظرف في إيده، وقعت منه ورقة صغيرة.
أحمد انحنى وأخذها.
فتحها.
قرأ أول سطر.
وبعدين وشه اتغير.
منار قالت:
“إيه اللي مكتوب؟”
أحمد فضل ساكت.
قلت له:
“اقرأ.”
رفع عينه وقال:
“دي ورقة من أبويا.”
وبدأ يقرأ بصوت منخفض:
“أنا مش متأكد مين المسؤول الحقيقي عن اللي حصل في الحسابات… لكني متأكد إن الشخص اللي هيتحمل المسؤولية مش هو الشخص الوحيد اللي كان عنده صلاحية.”
سكت.
منار حطت إيدها على بوقها.
أما أنا فحسيت إن رجلي مش شايلاني.
لأن الورقة كانت بتاريخ…
قبل القبض على أبو منار بأيام قليلة.
لكن كان فيها سطر أخير هو اللي قلب كل حاجة:
“والسبب الوحيد اللي مخليني ساكت لحد دلوقتي… إن الشخص ده من عيلتنا.”
أحمد رفع عينه ببطء.
بص لي.
وبص لمنار.
ولا واحد فينا اتكلم.
لأن السؤال اللي ظهر قدامنا وقتها ما كانش:
مين سرق الفلوس؟
السؤال الأصعب كان…
مين من عيلتنا كان عنده مصلحة إن أبو منار يدخل السجن مكانه؟