منوعات

التؤام حكايات صافي هاني

وبعدين قال:

“وأنت فاكر إنك أنقذت ولادك؟”

قربت منه.

“أنا فعلًا أنقذتهم.”

قال:

“لسه.”

وبص لي بثقة.

“لسه.”

بعدها بأيام بدأت التحقيقات.

اكتشفنا إن مروان كان شريك في شبكة أبحاث غير قانونية.

لكن الغريب إن سارة ماكانتش بتواجههم لوحدها.

كانت بتجمع الأدلة من سنين.

وكانت هالة واحدة من الناس اللي ساعدوها.

أما والد سارة…

كان هو أول واحد اكتشف الحقيقة.

لكنه اختفى.

وبعد أسابيع، وصلنا لمكانه.

كان عايش.

ولما شافني قال:

“سامحني.”

قلت:

“ليه؟”

قال:

“لأني كنت السبب في إن سارة دخلت الطريق ده.”

“كنت عايز منها إيه؟”

قال:

“كنت عايزها تكشف الحقيقة.”

“أي حقيقة؟”

بص لجنى وآدم.

“إن ولادك ماكانوش في الحالة اللي اتقال لك عليها.”

سكت.

قال:

“كان فيه مشروع طبي سري بيحاول يختبر أدوية على أطفال من غير ما أهاليهم يعرفوا.”

قلبي اتقبض.

“ولادي؟”

هز راسه.

“كانوا ضمن الحالات.”

“مين وافق؟”

قال:

“ولا حد.”

“أمال إزاي؟”

قال:

“مروان استغل نفوذه.”

رجعت البيت وأنا حاسس إن كل السنين اللي فاتت كانت كذبة كبيرة.

لكن كان فيه سؤال واحد لسه بلا إجابة.

ليه سارة ماتت؟

بعد التحقيقات، ظهرت الحقيقة.

العربية ما اتقلبتش بسبب عطل.

كان فيه حد عبث بجزء مهم من نظامها.

لكن اللي نفذ كان شخص تاني.

شخص اعترف.

وقال إن مروان طلب منه يعمل كده.

مروان حاول ينكر.

لكن الأدلة كانت أقوى.

سارة ماتت وهي بتحاول تنقذ أولادها.

والست اللي ظهرت عندي؟

هالة.

كانت آخر شخص سارة وثقت فيه.

أما السلسلة…

سارة كانت أعطتها لهالة قبل الحادث.

وقالت لها:

“لو أنا مت… أوعي تسلميها لياسين غير لما ولاده يكونوا في خطر حقيقي.”

وعشان كده ظهرت هالة بعد سنتين.

مش عشان تطلب مني حاجة.

كانت بتوفي وعدها.

بعد شهور من العلاج، جنى وآدم رجعوا البيت.

الدكتور الجديد قال إنهم محتاجين متابعة طويلة.

لكنهم هيعيشوا.

هيعيشوا.

الكلمة اللي كنت فاكر إني مش هسمعها تاني.

في أول ليلة رجعوا فيها، جنى دخلت أوضة أمها.

وقفت قدام صورتها.

وقالت:

“ماما رجعتنا.”

آدم قال:

“بابا هو اللي رجعنا.”

جنى هزت راسها.

“ماما ساعدته.”

وقفت بعيد عنهم.

ماقدرتش أتكلم.

بعدها دخلت مكتبي.

طلعت سلسلة سارة.

حطيتها جنب صورتها.

وقلت:

“أنا فهمت.”

“متأخر… بس فهمت.”

وبعدها لقيت ورقة صغيرة كنت ماخدتش بالي منها.

كانت جوه الظرف القديم.

فتحتها.

كان مكتوب:

“ياسين…”

“لو ولادنا رجعوا البيت، ماتحكيش لهم كل اللي حصل دلوقتي.”

“خليهم يعيشوا.”

“خليهم يضحكوا.”

“خليهم يكبروا من غير خوف.”

“أما أنت…”

“فافتكر إن الحب الحقيقي مش إنك تختفي مع اللي بتحبه.”

“الحب الحقيقي إنك تكمل عشان اللي بتحبه.”

دموعي نزلت.

كملت القراءة.

“ولو في يوم حسيت إنك ضعفت…”

“بص في وش جنى وآدم.”

“هتفتكر ليه لازم تكمل.”

حطيت الورقة جنب الصورة.

وفي نفس اللحظة سمعت خبط على الباب.

كانت جنى.

دخلت وهي ماسكة رسمة.

قالت:

“بابا.”

“نعم يا قلب بابا؟”

مدت الرسمة.

كانت رسمة لينا كلنا.

أنا.

هي.

آدم.

وسارة فوقنا.

سألتها:

“ماما دي؟”

قالت:

“أيوه.”

“ليه رسمتيها فوق؟”

قالت:

“عشان ماما في السما.”

وبعدين ابتسمت.

“بس هي شايفانا.”

حضنتها.

ودخل آدم.

قال:

“بابا.”

“نعم؟”

“هنروح بكرة المدرسة؟”

ضحكت.

بعد كل اللي حصل…

كان أهم سؤال عنده هو المدرسة.

قلت:

“أيوه.”

قال:

“كويس.”

جنى قالت:

“بس أنا عايزة آكل كيك.”

ضحكت.

“إنتي لسه خارجة من المستشفى وبتفكري في الكيك؟”

قالت:

“ماما كانت بتحب الكيك.”

سكت.

وبعدين قلت:

“يبقى نعمل كيك.”

في اليوم التالي، خرجنا كلنا للحديقة.

الشمس كانت طالعة.

جنى وآدم كانوا بيجروا.

وأنا واقف أتفرج عليهم.

لأول مرة من سنتين…

ماكانش عندي خوف من بكرة.

ماكانش عندي أجهزة عناية مركزة.

ولا أطباء بيقولوا عشرة أيام.

ولا أسرار.

بس كان عندي طفلين بيضحكوا.

وفجأة جنى وقفت.

بصت للسماء.

وقالت:

“بابا.”

“نعم؟”

“أنا حاسة إن ماما مبسوطة.”

ابتسمت.

“وأنا كمان حاسس كده.”

جريت ناحية أخوها.

وأنا فضلت واقف مكاني.

فاكر اليوم اللي الدكتور قال فيه:

“قدامهم عشرة أيام بس.”

العشرة أيام عدوا.

وبعدهم عدت أسابيع.

وبعدها شهور.

وبعدها سنة.

والطفلين اللي كنت واقف قدامهم عاجز…

كبروا.

دخلوا المدرسة.

اتخانقوا على الألعاب.

زعلوا من بعض وتصالحوا.

ضحكوا.

عيطوا.

مرضوا يومين وبقوا كويسين.

وعرفت وقتها إن المعجزة مش إن الصعوبات اختفت.

المعجزة إن الحياة نفسها كملت.

أما مروان، فاعترف بكل حاجة.

اتحاكم هو وباقي المشاركين.

والقضية كشفت مخالفات كبيرة كانت مستخبية سنين.

أما والد سارة، فاختار يبعد.

قبل ما يمشي قال لي:

“سارة كانت أقوى مني.”

قلت:

“كانت أقوى مننا كلنا.”

هالة كمان اختفت من حياتنا بعدها.

لكن قبل ما تمشي، سلمتني السلسلة.

وقالت:

“دي رجعت لصاحبتها.”

قلت:

“سارة مش هنا.”

ابتسمت.

“بس أنت لسه شايلها جواك.”

احتفظت بالسلسلة.

ما لبستهاش.

حطيتها جنب صورة سارة.

كل سنة في ذكرى وفاتها، جنى وآدم كانوا يحطوا وردة جنب الصورة.

ولما كبروا شوية، حكيت لهم الحقيقة.

مش كل التفاصيل.

بس الحقيقة اللي كانت سارة عايزة منهم يعرفوها.

إن أمهم ما سابتهمش.

إنها حاولت تحميهم لآخر لحظة.

وإنها كانت بتحبهم أكتر من نفسها.

جنى بكت.

وآدم سألني:

“هي كانت عارفة إنها هتموت؟”

قلت:

“كانت خايفة.”

“وخافت؟”

قلت:

“أكيد.”

قال:

“بس أنقذتنا.”

قلت:

“أيوه.”

سكت شوية.

وبعدين قال:

“يبقى كانت شجاعة.”

بصيت لصورة سارة.

وقلت:

“أوي.”

وبعدها بسنين…

في يوم تخرج جنى وآدم من الجامعة، وقفت في نفس المكان اللي كنت فيه يوم عرفت إن قدامهم عشرة أيام.

بس المرة دي…

ماكانوش نايمين ورا إزاز.

كانوا واقفين قدامي بملابس التخرج.

جنى قربت وحضنتني.

وآدم ضربني على كتفي وقال:

“إيه يا بابا؟ هتعيط؟”

ضحكت.

قلت:

“أنا؟ مستحيل.”

جنى قالت:

“بتكدب.”

قلت:

“ماشي… يمكن شوية.”

وبصيت للسماء.

“سارة…”

سكت.

ماعرفتش أقول أكتر.

لكن جنى قالت:

“ماما أكيد شايفانا.”

ابتسمت.

“أكيد.”

وقتها فهمت إن بعض الناس بيمشوا من حياتنا…

لكن ما بيمشوش من قلوبنا.

وإن في أوقات بنفتكر إننا فقدنا كل حاجة.

وبعدين نكتشف إن ربنا كان بيجهز لنا طريق جديد.

الليلة اللي رجعت فيها من المستشفى وسمعت إن ولادي فاضل لهم عشرة أيام…

كنت فاكر إن العد التنازلي بدأ.

لكن الحقيقة…

إن العد التنازلي كان لنهاية الخوف.

لنهاية الكذب.

لنهاية الأسرار.

أما حياة جنى وآدم…

فكانت لسه بتبدأ.

مرت السنين…

والبيت اللي كان في يوم من الأيام مليان خوف ودموع وأجهزة طبية وأصوات دكاترة بقت أصوات ضحك وخلافات أطفال وريحة أكل طالعة من المطبخ.

جنى وآدم كبروا.

كبروا لدرجة إن ياسين بقى ساعات يبص لهم ويستغرب هو إزاي الطفلين اللي كان فاكر إنهم هيمشوا من الدنيا في عشرة أيام بقوا قدامه شباب واقفين على رجليهم.

كان كل ما يشوفهم بيتخانقوا على حاجة صغيرة يبتسم.

مرة جنى كانت بتزعق في آدم عشان خد منها الشاحن.

قالت:

“إنت عمرك ما بتستأذن!”

رد آدم:

“وأنتي أصلاً عندك خمسة!”

صرخت:

“مش شغلك!”

ياسين كان واقف في المطبخ، سمع الخلاف، وضحك.

جنى دخلت عليه وقالت:

“بابا شوف أخوك!”

بصلها وقال:

“أخوك إيه؟ ده أخوكي.”

قالت:

“أنا مالي؟”

دخل آدم وقال:

“هي اللي بدأت.”

ياسين بص لهم الاتنين وقال:

“أنا مش عارف أنا ربيتكم إزاي.”

جنى ضحكت وقالت:

“ماما كانت هتربيك أنت الأول.”

الجملة كانت بسيطة.

لكنها كانت دايمًا بتوقف قلبه لحظة.

سارة كانت موجودة في كل تفاصيل حياتهم.

في صورة على الحائط.

في أغنية كانت بتحب تسمعها.

في أكلة كانت بتعملها.

في طريقة جنى وهي بتضحك.

وفي إصرار آدم لما يحط حاجة في دماغه.

ومع مرور الوقت، الألم ما اختفاش.

بس اتغير.

في الأول كان مجرد جرح مفتوح.

بعدها بقى أثرًا قديمًا.

وبعدين بقى ذكرى مؤلمة بس يقدر يعيش معاها.

وفي كل سنة، في يوم وفاة سارة، كان ياسين بياخد جنى وآدم ويزوروا مكان ذكراها.

أول كام سنة كانوا أطفال ومش فاهمين كل حاجة.

لكن بعد ما كبروا، بقوا هما اللي يطلبوا يروحوا.

وفي مرة، جنى وقفت وحطت وردة بيضا.

وقالت:

“أنا زعلانة منك يا ماما.”

ياسين بص لها باستغراب.

“ليه؟”

قالت:

“عشان مشيتي بدري.”

آدم وقف جنبها وقال:

“بس أنا مسامحها.”

جنى بصت له:

“إنت بتسامحها على إيه؟”

قال:

“عشان لو كانت فضلت، كانت هتتعب أكتر.”

سكتت.

وبعدين مسحت دموعها.

ياسين قرب منهم.

قال:

“مامتكم عمرها ما كانت عايزة تسيبكم.”

جنى قالت:

“عارفة.”

“عرفتي منين؟”

قالت:

“عشان لو كانت عايزة تسيبنا، ما كانتش حاولت تساعدنا لآخر لحظة.”

الكلمة دي فضلت في قلب ياسين أيام.

بعدها بأيام، دخل مكتبه وفتح الصندوق القديم.

كان لسه محتفظ بكل حاجة.

الصور.

الرسائل.

السلسلة.

الفلاشة.

حتى أول ورقة كتبتها سارة.

قعد يقلب فيهم واحدة واحدة.

وفجأة لقى ظرف صغير ما شافوش قبل كده.

كان مكتوب عليه:

“إلى ياسين… بعد ما يكبروا.”

إيده ارتعشت.

فتح الظرف.

كان جواه خطاب طويل.

بدأ يقرأ.

“ياسين…

لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى جنى وآدم كبروا.

يمكن يكونوا وقتها مش محتاجينك زي زمان.

يمكن يكونوا بقوا عندهم أصحاب وأحلام وحياة خاصة بيهم.

ويمكن أنت تكون لسه بتفتكرني كل يوم.

بس عايزاك تعرف حاجة.

ما تربطش حياتهم بيا.

ما تخليش غيابي يبقى سجن ليهم.

خليهم يحبوا.

خليهم يضحكوا.

خليهم يسافروا.

خليهم يغلطوا ويتعلموا.

خليهم يعيشوا الحياة اللي أنا ماقدرتش أكملها.

وأنت كمان…

عيش.

مش لازم تفضل وفيًا لذكرياتي بأنك تفضل وحيد.

أنا ما كنتش عايزة أشوفك وحيد.

كنت عايزة أشوفك أب.

وأنا عارفة إنك هتكون أب عظيم.

وعارفة إنك هتخاف عليهم زيادة.

بس افتكر…

الخوف مش حماية.

الحماية إنك تعلمهم يقفوا لوحدهم.”

وقف ياسين عن القراءة.

مسح عينيه.

كمل:

“ولو في يوم حبيت واحدة تانية…

ما تحسش إنك خنتني.

أنا مش عايزة ذكرياتي تكون سبب في إنك تعيش باقي عمرك لوحدك.

أنا عايزاك تعيش.

ولو اللي هييجي بعدي حبك…

احبه.

ولو ماجاش…

برضه عيش.”

قفل الخطاب.

وسند ضهره على الكرسي.

ولأول مرة من سنين…

حس إن سارة بتديله إذن يعيش.

في نفس الليلة، جنى دخلت المكتب.

قالت:

“بابا.”

“نعم؟”

“ممكن أسألك سؤال؟”

“اسألي.”

“إنت عمرك فكرت تتجوز تاني؟”

اتصدم.

ضحك وقال:

“إيه السؤال ده؟”

قالت:

“عادي يعني.”

دخل آدم وقال:

“أنا اللي قلت لها تسألك.”

بص له ياسين:

“وأنت مالك؟”

قال:

“عشان إحنا عايزينك مبسوط.”

سكت ياسين.

جنى قالت:

“ماما كانت عايزة كده.”

رفع عينيه لها.

“عرفتي منين؟”

قالت:

“لقيت جواب.”

قلبه دق.

“جواب إيه؟”

ابتسمت.

“اللي كنت بتقراه.”

عرف إنها شافته.

قال:

“أنتي قريتيه؟”

“لا.”

“أمال عرفتي؟”

قالت:

“وشك قال.”

ضحك.

وقال:

“إنتي بقيتي ذكية أوي.”

قالت:

“أنا بنت ماما.”

الجملة دي خلت البيت كله يسكت.

وبعد شهور، حصل شيء ماكنش ياسين متوقعه.

قابل هالة مرة تانية.

كانت قاعدة في مكان هادي.

قربت منه وقالت:

“جنى وآدم عاملين إيه؟”

قال:

“كبروا.”

ابتسمت.

“كنت عارفة.”

قعد قدامها.

قال:

“عايز أسألك سؤال.”

“اتفضل.”

“ليه سارة اختارتك أنتِ؟”

هالة سكتت.

وبعدين قالت:

“لأنها كانت عارفة إني فقدت بنتي.”

ياسين سكت.

قالت:

“بنتي كانت في نفس البرنامج.”

“إيه؟”

“قبل جنى وآدم بسنين.”

فهم ياسين.

“يعني…”

هزت راسها.

“أنا ما كنتش بحمي ولادك بس.”

سكتت.

“كنت بحمي آخر حاجة فاضلة من بنتي.”

ياسين ماعرفش يرد.

قالت:

“سارة كانت أول واحدة صدقتني.”

“وإنتي صدقتيها؟”

“من أول لحظة.”

وبعدين ابتسمت.

“كانت ست قوية.”

قال:

“كانت عنيدة.”

ضحكت.

“دي حقيقة.”

ولأول مرة، اتكلموا عن سارة من غير بكاء.

حكوا عن مواقفها.

عن خوفها.

عن ضحكتها.

عن عنادها.

وكأنها كانت قاعدة بينهم.

بعدها هالة مشت.

وما شافهاش بعدها.

لكن المرة دي ما حسش بالحزن.

لأنه فهم إن بعض الناس بيدخلوا حياتنا عشان يوصلوا رسالة.

وبعدين يمشوا.

مرت سنة تانية.

جنى بدأت شغلها الأول.

وآدم بدأ مشروعه.

وياسين بقى أقل خوفًا.

بقى يسمح لهم يسافروا.

يرجعوا متأخر.

يعيشوا.

وكل مرة كان قلبه يقلق، كان يفتكر رسالة سارة:

“الخوف مش حماية.”

وفي يوم، جنى رجعت البيت وهي فرحانة.

قالت:

“بابا!”

“في إيه؟”

جريت حضنته.

قالت:

“أنا اتقبلت.”

“في إيه؟”

“الشغل اللي كنت بحلم بيه.”

فرح جدًا.

قال:

“كنت عارف إنك هتنجحي.”

قالت:

“أنا كنت خايفة.”

“الخوف طبيعي.”

وبعدين بص لها وقال:

“بس ماتخليش الخوف يمنعك.”

ابتسمت.

“ماما قالت لك كده؟”

قال:

“ماما قالت لي حاجات كتير.”

في اليوم ده، فتح ياسين صندوق سارة.

أخرج السلسلة.

ونادا جنى.

قال:

“دي ليكي.”

بصت لها.

“ليه؟”

قال:

“عشان دي كانت مع أمك في آخر أيامها.”

دموعها نزلت.

قال:

“بس خليها ذكرى.”

مسكت السلسلة.

وضمتها لصدرها.

“هحافظ عليها.”

قال:

“مش لازم تحافظي عليها.”

بصت له.

قال:

“حافظي على نفسك.”

حضنته.

وفي اللحظة دي دخل آدم.

قال:

“أنا مش عايز حاجة من ماما؟”

ضحك ياسين.

“إنت عايز إيه؟”

قال:

“الصندوق كله.”

جنى ضربته.

“يا طماع.”

قال:

“بهزر.”

ضحكوا.

وياسين وقف يتفرج عليهم.

وفكر في الليلة القديمة.

اللي كان فيها واقف قدام العناية المركزة.

والدكتور بيقول:

“قدامهم عشرة أيام.”

كان وقتها مستعد يدفع كل فلوسه.

كل نفوذه.

كل علاقاته.

بس ماكانش قادر يشتري يوم واحد.

دلوقتي فهم.

الحياة مش بتتباع.

والوقت مش بيتشترى.

والإنسان ساعات ما يعرفش قيمة اللحظة إلا بعد ما يخاف يخسر كل حاجة.

لكن ربنا أحيانًا بيبعت الأمل من مكان ما نتوقعوش.

ست مجهولة عند بوابة.

سلسلة فضة.

ظرف اختفى.

رسالة بخط زوجة رحلت.

طفلين كانوا في حالة شديدة الصعوبة.

وحقيقة كانت مدفونة تحت سنين من الأسرار.

كل حاجة كانت مترابطة.

كل خطوة كانت بتوصل للخطوة اللي بعدها.

وفي النهاية…

جنى وآدم عاشوا.

وده كان كل اللي ياسين محتاجه.

بعد عشرين سنة من يوم الحادث، رجع ياسين لنفس المستشفى.

وقف قدام العناية المركزة.

المكان نفسه.

الإزاز نفسه.

لكن المرة دي ماكانش فيه طفلين نايمين جوه.

كان فيه طفل صغير تاني.

وكان أبوه واقف بره ووشه مليان خوف.

ياسين بص له.

حس إنه شايف نفسه زمان.

قرب منه.

قال:

“إن شاء الله ابنك يقوم بالسلامة.”

الرجل بص له.

“حضرتك تعرفني؟”

قال:

“لا.”

“أمال…”

ابتسم ياسين.

“بس عارف الإحساس ده.”

الرجل دمعت عينه.

“الدكتور قال إن…”

قاطعه ياسين بهدوء:

“ما تستسلمش.”

الرجل مسح دموعه.

“إنت دكتور؟”

ضحك.

“لا.”

“أمال عرفت منين؟”

بص ياسين ناحية باب العناية.

وقال:

“لأني كنت واقف مكانك من سنين.”

وبعدين مشي.

خرج من المستشفى.

ولأول مرة، ما حسش إن المكان ده بيخوفه.

حس إنه شاهد على حاجة عظيمة.

شاهد على يوم كان يظن فيه إن حياته انتهت.

لكنها ما انتهتش.

لأن أحيانًا…

أقسى الأيام اللي بنمر بيها بتكون بداية لحياة ماكناش نتخيلها.

رجع البيت.

لقى جنى وآدم قاعدين في الحديقة.

جنى قالت:

“اتأخرت.”

قال:

“كنت في المستشفى.”

آدم سأله:

“ليه؟”

حكى لهم.

سكتوا.

جنى قالت:

“إنت عملت مع الراجل ده زي ما ماما عملت معاك.”

بص لها.

“إزاي؟”

قالت:

“هي ساعدتك.”

آدم كمل:

“وإنت حاولت تساعد شخص تاني.”

ابتسم ياسين.

وبص للسماء.

وقال:

“يمكن دي كانت رسالتها من البداية.”

جنى قربت منه.

“إيه؟”

قال:

“إن اللي اتساعد مرة… ماينساش يساعد غيره.”

وقعدوا التلاتة مع بعض.

الشمس بدأت تغيب.

جنى كانت ماسكة سلسلة أمها.

آدم كان بيحكي عن مشروع جديد.

وياسين كان ساكت.

لكن جواه كان فيه صوت سارة.

مش صوت حزين.

ولا صوت وداع.

كان صوتها وهي بتضحك.

الصوت اللي افتقده سنين.

رفع عينيه للسماء وقال:

“أنا وفيت بوعدي.”

وسكت.

“كبروا.”

وبص لجنى وآدم.

“وعاشوا.”

ثم ابتسم.

“وأنا كمان عشت.”

دخلوا البيت.

وفي آخر الليل، جنى حطت سلسلة سارة جنب صورتها.

وقفت قدام الصورة.

وقالت:

“تصبحي على خير يا ماما.”

آدم وقف جنبها.

“تصبحي على خير.”

وبعدها خرجوا.

فضلت الصورة وحدها.

والسلسلة جنبها.

وفي هدوء الليل، كان البيت كله ساكت.

لكن لو حد دخل وقتها…

كان هيشوف على مكتب ياسين ورقة قديمة جدًا.

آخر جملة فيها:

“لو رجعوا البيت… يبقى أنا كمان رجعت.”

والسنين أثبتت إن سارة كانت عندها حق.

لأنها فعلًا رجعت.

مش بجسدها.

ولا بصوتها.

لكن في ضحكة جنى.

في عناد آدم.

في قلب ياسين.

وفي كل مرة كانوا بيختاروا فيها الحياة بدل الخوف.

وهكذا انتهت الحكاية…

مش بنهاية مؤلمة.

لكن ببداية جديدة.

ومش بالرد على الأذى.

لكن بظهور الحقيقة.

ومش بطفلين كان المفروض يعيشوا عشرة أيام…

لكن بطفلين عاشوا عمر كامل.

وعاشوا عشان يحكوا يومًا ما لأولادهم إن أمهم كانت ست عظيمة.

وإن أبوهم وقف قدام الخوف وقال له:

“مش هاخدهم.”

لأن بعض المعارك…

مش بتكسبها بالقوة.

بتكسبها بالصبر.

وبالحب.

وبالدعاء.

وبإنك تتمسك بآخر خيط أمل حتى لو كل الناس قالت لك إن مفيش أمل.

وياسين…

فضل ماسك الخيط لآخر لحظة.

وعشان كده…

العشرة أيام اللي كانوا المفروض يكونوا نهاية جنى وآدم…

بقوا أول عشرة أيام في حياة جديدة.

حياة ماكانتش سهلة.

لكنها كانت حقيقية.

وكانت تستاهل كل دمعة.

كل خوف.

كل ليلة من غير نوم.

كل باب اتفتح.

وكل سر انكشف.

وفي النهاية…

بقى عند ياسين حاجة أغلى من الفلوس.

أغلى من النفوذ.

وأغلى من أي رد فعل.

بقى عنده بيت مليان حياة.

وفي البيت ده…

كان فيه صوتين.

صوت جنى.

وصوت آدم.

والاتنين كانوا كل يوم بيفكروا أبوهم إن المعجزات أحيانًا مش بتحصل في لحظة واحدة…

المعجزة الحقيقية…

إنك تصحى كل يوم وتلاقي اللي بتحبهم لسه جنبك.

فتشكر ربنا.

وتعيش.

وتحب.

وتسامح.

وتكمل.

وده بالضبط اللي عمله ياسين.

كمل.

عشان سارة.

وعشان جنى.

وعشان آدم.

وعشانه هو كمان.

وانتهت الحكاية…

لكن الحياة ما انتهتش.

لأن بعد كل نهاية…

في بداية مستنية حد يصدق إنها ممكن تحصل.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى