عام

بعد جوزي حكايات صافي هاني

 

فضلت تبصلي بخوف.

 

قعدت على الأرض جنبها.

 

قلت:

 

ـ متخافيش يا حبيبتي… إنتِ كمان مش غلطانة.

 

جريت ناحية المطبخ.

 

لقيت طبق صغير وحطيت فيه شوية مية.

 

القطة قربت تشرب.

 

ابتسمت.

 

وقلت:

 

ـ واضح إننا إحنا الاتنين اتساب لنا حاجات مش بتاعتنا.

 

قعدت جنبها شوية.

 

وبعدين رن موبايلي.

 

كان أحمد.

 

بصيت للشاشة.

 

ما رديتش.

 

رن تاني.

 

ما رديتش.

 

بعت رسالة:

 

“ماما متنسيش تغيري المية للعصافير قبل ما تنامي.”

 

ضحكت.

 

ضحكة قصيرة خرجت مني من غير ما أقصد.

 

وبعتله:

 

“حاضر.”

 

وبس.

 

بعدها قفلت الموبايل.

 

كنت عارفة إنه لو عرف اللي أنا مخططاله هيحاول يمنعني.

 

مش لأنه خايف عليا.

 

لكن لأنه متعود إن ماما موجودة.

 

واللي متعود على وجود حاجة عمره ما بيفكر في قيمتها غير لما تختفي.

 

الساعة بقت واحدة بعد نص الليل.

 

جهزت الشنطة.

 

جهزت حقيبة صغيرة.

 

وقبل ما أنام، عملت حاجة ماعملتهاش من سنين.

 

قعدت على الكنبة وحطيت رجلي قدامي.

 

ما غسلتش أطباق.

 

ما رتبتش الصالة.

 

ما جهزتش فطار.

 

ما فكرتش أحمد هيفطر إيه لما يرجع.

 

ما فكرتش ندى محتاجة إيه.

 

سيبت البيت زي ما هو.

 

ودخلت أوضتي.

 

نمت ساعتين.

 

وقبل الفجر بشوية صحيت.

 

لبست.

 

شلت الشنط.

 

وقفت قدام الأقفاص.

 

العصافير كانوا صاحيين.

 

الأرنب نايم.

 

والقطة كانت متكومة على الكنبة.

 

قربت منها.

 

ـ معلش يا حبيبتي… أنا هسيبكم هنا يومين بس لحد ما أحمد يرجع.

 

وبعدين خرجت.

 

قفلت الباب.

 

حطيت المفتاح في شنطتي.

 

ونزلت السلم.

 

كل درجة كنت بنزلها كنت حاسة إني بسيب ورايا سنين.

 

لما خرجت للشارع كان الجو لسه ضلمة.

 

ركبت العربية اللي كنت حاجزاها.

 

والسواق سألني:

 

ـ على الميناء يا حاجة؟

 

قلت:

 

ـ أيوه.

 

وبصيت من الشباك.

 

البيت اختفى ورايا.

 

لكن الغريب إني ماحسيتش بالخوف.

 

حسيت براحة.

 

—

 

في نفس الوقت تقريبًا كان أحمد نايم في الفندق.

 

ندى كانت جنبه بتقلب في الموبايل.

 

وفجأة قالت:

 

ـ أحمد.

 

ـ نعم؟

 

ـ مامتك ما ردتش عليا.

 

ـ يمكن نايمة.

 

ـ الساعة تسعة الصبح.

 

ـ سيبيها.

 

ـ أنا كنت عايزة أقولها حاجة عن القطة.

 

أحمد اتنهد.

 

ـ بعدين.

 

ندى بصتله.

 

ـ هو أنت مش قلقان؟

 

فتح عينه.

 

ـ أقلق ليه؟

 

ـ أصلها لسه خارجة من عزاء أبوك.

 

ـ أمي قوية.

 

قالها بمنتهى الثقة.

 

ندى سكتت.

 

لكن بعد دقائق قالت:

 

ـ على فكرة أنا شايفة إننا لازم نستغل غياب أبوك ونرتب موضوع البيت.

 

أحمد بص لها.

 

ـ موضوع إيه؟

 

ـ البيت.

 

ـ ماما عايشة فيه.

 

ـ ما أنا عارفة.

 

ـ أمال؟

 

ـ قصدي البيت كبير عليها لوحدها.

 

ـ يعني؟

 

ندى قربت منه.

 

ـ يعني ممكن تقعد عندنا.

 

أحمد سكت.

 

ندى كملت:

 

ـ ونأجر بيتها.

 

ـ ماما مش هتوافق.

 

ـ إنت ابنها.

 

ـ يعني؟

 

ـ يعني تقنعها.

 

أحمد ابتسم ابتسامة صغيرة.

 

ـ سيبيها عليا.

 

ولا واحد فيهم كان يعرف إن البيت اللي بيتكلموا عنه كان بالنسبة لي مجرد عنوان.

 

وإن أهم حاجه فيه كانت الذكريات.

 

والذكريات ما بتتأجرش.

 

—

 

وصلت الميناء قبل شروق الشمس.

 

نزلت من العربية وأنا شايلة حقيبة صغيرة.

 

وقفت قدام البحر.

 

من زمان ما وقفتش قدامه بالشكل ده.

 

حسن كان بيحب البحر.

 

كان كل ما يشوفه يقول:

 

ـ البحر بيفكرني إن الدنيا أوسع من اللي إحنا شايفينه.

 

وقفت.

 

حطيت إيدي على السور.

 

وهمست:

 

ـ طلعت عندك حق يا حسن.

 

بعد دقائق ظهر المركب.

 

ضخم.

 

أبيض.

 

عالي.

 

وشكله كان غريب بالنسبة لي.

 

أنا طول عمري كنت بخاف من السفر.

 

حسن كان اللي بيختار الأماكن.

 

أحمد كان دايمًا يقول:

 

ـ ماما خليكي هنا، السفر متعب.

 

ندى كانت تقول:

 

ـ السفر مش مناسب لسنك.

 

لكن النهارده ماكانش فيه حد يقول لي إيه المناسب ليا.

 

دخلت.

 

موظفة الاستقبال ابتسمت.

 

ـ حضرتك مسافرة لوحدك؟

 

ابتسمت.

 

ـ أيوه.

 

ـ أول مرة؟

 

بصيت ورايا.

 

البحر كان لسه قدامي.

 

قلت:

 

ـ أول مرة أعمل حاجة لنفسي.

 

ابتسمت الموظفة.

 

ـ أتمنى تكون رحلة جميلة.

 

قلت:

 

ـ وأنا كمان.

 

دخلت غرفتي.

 

كانت صغيرة لكن مريحة.

 

سرير.

 

شباك كبير على البحر.

 

ترابيزة.

 

كرسي.

 

حمام.

 

وقفت قدام الشباك.

 

والمركب بدأت تتحرك.

 

شوية شوية الميناء بعد عني.

 

والأرض اختفت.

 

وأنا واقفة.

 

ما كنتش عارفة إن في اللحظة دي بالذات، ابني كان بيتصل بيا للمرة العاشرة.

 

—

 

الساعة كانت اتناشر الضهر.

 

أحمد رجع من الرحلة بعد ما غير خطتهم وقصروا السفر.

 

كان مستعجل يرجع.

 

ندى قالت له:

 

ـ يمكن مامتك تعبت.

 

قال:

 

ـ أكيد ما حصلش حاجة.

 

فتح باب البيت.

 

دخل.

 

نادى:

 

ـ ماما؟

 

مفيش رد.

 

دخل الصالة.

 

الأقفاص موجودة.

 

الأكل موجود.

 

المية موجودة.

 

لكن أنا مش موجودة.

 

قال:

 

ـ ماما؟

 

دخل أوضتي.

 

السرير متظبط.

 

الدولاب مقفول.

 

مافيش شنط.

 

فتح درج التسريحة.

 

ولا حاجة.

 

خرج بسرعة.

 

اتصل بيا.

 

الموبايل كان مقفول.

 

ندى دخلت وراه.

 

ـ راحت فين؟

 

ـ معرفش.

 

ـ يعني إيه معرفش؟

 

ـ يمكن راحت عند حد.

 

ـ مين؟

 

ـ معرفش.

 

ندى بدأت تتوتر.

 

ـ أحمد، أمك لو حصلها حاجة إحنا هنتحاسب.

 

بصلها.

 

ـ ما تخوفينيش.

 

ـ طب هي ليه مش بترد؟

 

قعد على الكنبة.

 

بص لصورة أبوه.

 

وبعدين للأقفاص.

 

وفجأة لاحظ ظرف صغير على الترابيزة.

 

فتحه.

 

كان فيه ورقة.

 

قرأ:

 

“الأقفاص دي مش مسؤوليتي.

 

وأنا كمان مش مسؤولية حد.

 

هارجع لما أقرر أنا.

 

ماما.”

 

أحمد فضل واقف مكانه.

 

ندى قربت.

 

ـ يعني إيه؟

 

ما ردش.

 

ـ أحمد؟

 

ـ اسكتي.

 

ـ هي راحت فين؟

 

ـ مش عارف.

 

ـ طب والورقة دي؟

 

ـ مش عارف.

 

لكن لأول مرة بدأ الخوف يظهر في عينه.

 

مش خوف عليا.

 

خوف من المجهول.

 

—

 

بعد يومين، اتصل أحمد بشركة الطيران.

 

سأل عني.

 

ما لاقاش حجز.

 

راح البنك.

 

اكتشف إن حسابي اتحول منه مبلغ كبير قبل أسبوع.

 

سأل الموظف.

 

الموظف قال له:

 

ـ حضرتك مش صاحب الحساب.

 

قال:

 

ـ دي أمي.

 

ـ لازم هي تكون موجودة.

 

خرج.

 

اتصل بمحامي الأسرة.

 

قال:

 

ـ محتاج أعرف ماما عملت إيه في فلوسها.

 

المحامي رد:

 

ـ فلوسها؟

 

ـ أيوه.

 

ـ أنت تقصد تركة والدك؟

 

ـ لا… أمي.

 

سكت المحامي.

 

وبعدين قال:

 

ـ والدتك من حوالي شهرين طلبت نسخة من كل أوراق أملاكها.

 

أحمد اتجمد.

 

ـ أملاكها؟

 

ـ أيوه.

 

ـ ليه؟

 

ـ قالت إنها بتراجع أوراقها.

 

ـ وأنت ما سألتهاش؟

 

ضحك المحامي.

 

ـ هي كانت واضحة جدًا وقالتلي إن كل حاجة لازم تبقى باسمها هي.

 

أحمد قفل.

 

وبص لندى.

 

ندى كانت بتسمعه.

 

قالت:

 

ـ هي كانت بتخطط.

 

ـ أيوه.

 

ـ من إمتى؟

 

ـ معرفش.

 

ندى قعدت.

 

وبعدين قالت:

 

ـ أكيد حد أثر عليها.

 

أحمد بص لها.

 

ـ مين؟

 

ـ يمكن صاحبتها.

 

ـ ماما ماعندهاش أصحاب.

 

سكتوا.

 

ودي كانت أول مرة الاتنين يفهموا حاجة بسيطة جدًا.

 

أنا ماكنتش مختفية فجأة.

 

أنا كنت بجهز للاختفاء من زمان.

 

—

 

في اليوم الخامس من الرحلة، كنت قاعدة في مطعم المركب.

 

قدامي فطار.

 

قهوة.

 

وفاكهة.

 

ست قاعدة جنبي قالت:

 

ـ حضرتك لوحدك؟

 

ابتسمت.

 

ـ أيوه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى