
قالت:
ـ أنا كمان.
اسمها سعاد.
ست في أواخر الخمسينات.
كانت أرملة من سنة.
بدأنا نتكلم.
حكتلي عن جوزها.
وحكيتلها عن حسن.
ولأول مرة من يوم وفاته حكيت عن حسن من غير ما أعيط.
حكيت عن أول مرة شوفته.
عن أول بيت.
عن خناقتنا الأولى.
عن ضحكته.
عن أيام مرضه.
عن الدهب اللي بعته عشانه.
وعن آخر يوم.
سعاد مسكت إيدي.
وقالت:
ـ إنتِ بتحبيه.
قلت:
ـ جدًا.
ـ طب إنتِ ليه هنا؟
بصيت للبحر.
ـ عشان أعرف مين أنا من غيره.
سكتت.
وبعدين قالت:
ـ وأنا جاية أعرف مين أنا من غير ابني.
ضحكت.
ـ شكلنا جينا لنفس السبب.
ومن يومها بقينا أصحاب.
—
في القاهرة كان الوضع مختلف.
أحمد بدأ يسأل عني في كل مكان.
اتصل بأختي.
قالت له:
ـ أمك ما قالتليش حاجة.
اتصل بقريبتي.
قالت:
ـ آخر مرة كلمتني كانت بتقول إنها نفسها تسافر.
أحمد سأل:
ـ تسافر فين؟
ـ ما قالتش.
رجع البيت.
ندى كانت قاعدة قدام الكمبيوتر.
قالت:
ـ أحمد.
ـ نعم؟
ـ لقيت حاجة.
ـ إيه؟
فتحت ملف.
كان فيه صورة لتذكرة الرحلة.
أحمد بص للشاشة.
وشه اتغير.
ـ دي رحلة سنة؟
ـ أيوه.
ـ سنة كاملة؟
ـ أيوه.
قعد.
ـ إمتى اشترتها؟
ـ قبل وفاة أبوك بأسبوع تقريبًا.
أحمد فضل ساكت.
ندى قالت:
ـ يعني هي كانت مخططة قبل ما يموت؟
ـ لا.
ـ أمال؟
بص لها.
ـ يمكن كانت عارفة إننا هنسيبها.
ندى ردت بسرعة:
ـ ما إحنا ما سبناهاش.
ضحك بسخرية.
ـ وإنتِ حطيتي الأقفاص في الصالة ليه؟
ندى سكتت.
ـ عشان كنت محتاجة حد يهتم بيهم.
ـ وهي كانت لسه دافنة أبويا.
ـ ما كنتش أقصد.
ـ أنا كمان ما كنتش أقصد.
بص للورقة اللي سابتها.
قرأها مرة تانية.
“وأنا كمان مش مسؤولية حد.”
الجملة وجعته.
لأول مرة افتكر حاجات قديمة.
افتكر وهو صغير لما كان بيصحى مريض.
أمه كانت تسهر جنبه.
افتكر يوم امتحانه.
أمه فضلت مستنياه عند المدرسة.
افتكر أول مرتب أخده.
اشترى لها طرحة.
وهي فضلت محتفظة بيها سنين.
افتكر يوم جوازه.
أمه باعت جزء من دهبها عشان تكمل له الشقة.
افتكر يوم قال لها:
ـ دي آخر مرة أطلب منك مساعدة.
وهي قالت:
ـ ما تقولش كده يا ابني.
كل الذكريات بدأت ترجع.
لكنها رجعت متأخرة.
—
بعد شهر.
أنا كنت اتعودت على المركب.
بقيت أصحى الصبح وأمشي على سطح السفينة.
أقعد مع سعاد.
أقرأ.
أكتب.
وأحيانًا أقف لوحدي.
بدأت أتعرف على ناس.
كل واحد فيهم عنده حكاية.
ست فقدت زوجها.
راجل تقاعد.
زوجين قرروا يعيشوا سنة بعيد عن أولادهم.
شاب بيكتب كتاب.
وبنت بتتعلم تصوير.
أنا كنت أكبر واحدة تقريبًا في مجموعتنا.
لكن ده ماكانش فارق.
لأني لأول مرة ماكنتش “أم أحمد”.
كنت تريزا.
بس.
في يوم من الأيام، مديرة الرحلة قالت لي:
ـ إحنا محتاجين حد يساعدنا في نشاط القراءة للأطفال.
قلت:
ـ أنا؟
ـ أيوه.
ـ بس أنا مش بعرف أتعامل مع الأطفال.
ضحكت.
ـ إنتِ أم.
ضحكت أنا كمان.
ـ أم آه… بس دي أول مرة أتعامل معاهم من غير ما يكونوا مسؤوليتي.
اشتغلت معاهم.
لقيت نفسي بحب الموضوع.
الأطفال كانوا بيجروا عليا.
يحكوا لي.
يسألوني.
وأنا أسمع.
من غير ما أحس إني لازم أصلح حياتهم.
وبدأت أكتب.
كنت كل ليلة أكتب في دفتري.
“النهارده عملت حاجة لنفسي.”
أول مرة كانت:
“النهارده قعدت على البحر ساعة.”
تاني مرة:
“النهارده أكلت الحلو اللي بحبه من غير ما أسأل حد.”
تالت مرة:
“النهارده اشتريت فستان عجبني.”
الحاجات كانت بسيطة.
لكن بالنسبة لي كانت ثورة.
—
بعد شهرين، اتصل أحمد.
رقم جديد ظهر على الشاشة.
عرفته.
فضلت أبص للموبايل.
ما رديتش.
اتصل تاني.
وبعدين بعت:
“ماما أنا عايز أتكلم معاكي.”
قفلت الموبايل.
سعاد سألتني:
ـ مين؟
ـ ابني.
ـ هتردي؟
ـ مش دلوقتي.
ـ ليه؟
ـ عشان لأول مرة مش لازم أكون متاحة.
قالت:
ـ عندك حق.
بعد ساعتين فتحت الموبايل.
كان باعت رسالة:
“أنا آسف.”
فضلت أبص للكلمة.
آسف.
كلمة صغيرة جدًا.
لكن أنا كنت محتاجة أسمعها من سنين.
كتبت:
“على إيه؟”
ما ردش بسرعة.
بعد شوية:
“على حاجات كتير.”
كتبت:
“خلي بالك من نفسك.”
وبس.
قفلنا.
ما كنتش مستعدة أرجع.
—
بعد أسبوعين وصلني ظرف عن طريق إدارة الرحلة.
كان من أحمد.
فتحته.
جواه صور قديمة.
صورة لي وأنا حامل فيه.
صورة أول يوم مدرسة.
صورة وهو صغير ماسك إيدي.
وصورة من يوم فرحه.
وفي الآخر ورقة مكتوب فيها:
“ماما، أنا عارف إن الكلام مش هيصلح اللي حصل.
وعارف إنك مش مطالبة ترجعي عشان ترتاح أنا.
بس أنا بدأت أفهم.
أنا كنت فاكر إن وجودك مضمون.
فاكر إنك هتفضلي موجودة مهما عملت.
ولما اختفيتي فهمت إن وجود الإنسان في حياة حد مش حق مكتسب.
أنا مش هطلب منك ترجعي.
بس لما تكوني جاهزة، عايز أسمعك.”
حطيت الورقة على صدري.
وبكيت.
بس البكا المرة دي كان مختلف.
ماكانش بكا كسر.
كان بكا راحة.
—
مرت ست شهور.
كنت وصلت لبلاد ومدن عمري ما حلمت أزورها.
صورت البحر.
صورت الشوارع.
جربت أكلات جديدة.
اتعلمت أعمل صور بالموبايل.
وبقيت أكتب يومياتي.
وفي يوم جالي إيميل من إدارة الرحلة.
كان فيه خبر إنهم عايزين يعملوا أمسية قصصية.
وطلبوا مني أحكي تجربتي.
رفضت.
وبعدين وافقت.
وقفت قدام الناس.
مسكت الميكروفون.
وقلت:
ـ أنا ست قضيت أربعين سنة وأنا فاكرة إن قيمة الإنسان في كمية الحاجات اللي بيعملها للناس.
النهارده عرفت إن الإنسان ليه قيمة حتى لما ما يعملش حاجة لحد.
سكت.
وبعدين كملت:
ـ أنا مش جاية أقول إن أولادي وحشين.
ولا جاية ألومهم.
أنا جاية أقول إن أوقات إحنا نفسنا بنعلم الناس يعاملونا إزاي.
لما تقولي دايمًا “حاضر”، الناس بتفتكر إنك ما بتتعبيش.
لما تسكتي عن تعبك، الناس تفتكر إنك مرتاحة.
ولما تعطي من غير حدود، البعض ممكن يفتكر إن العطاء واجب.
ما سمعتش تصفيق في البداية.
كان فيه صمت.
وبعدين بدأ التصفيق.
طويل.
قوي.
أنا ابتسمت.
وقلت في سري:
“يا حسن… كنت أتمنى تكون هنا.”
—
بعد ثمانية شهور، أحمد اتصل.
المرة دي رديت.
قال:
ـ ماما.
ـ نعم يا أحمد؟
سكت.
ـ إنتِ كويسة؟
ـ كويسة.
ـ مبسوطة؟
بصيت للبحر.
ـ آه.
ـ أنا فرحان عشانك.
الكلمة دي فاجأتني.
قلت:
ـ شكرًا.
قال:
ـ ندى عايزة تكلمك.
سكت.
سمعت صوتها.
ـ طنط تريزا.
ـ أيوه.
ـ أنا عارفة إني غلطت.
ما رديتش.
كملت:
ـ أنا كنت فاكرة إنك قوية ومش بتتأثري.
قلت:
ـ القوة مش معناها إن الواحد ما بيتوجعش.
سكتت.
وبعدين قالت:




