
ـ أنا آسفة.
ـ شكرًا.
ـ ممكن ترجعي؟
بصيت للبحر.
ـ هارجع في نهاية الرحلة.
ـ يعني هتكملي السنة؟
ـ أيوه.
ـ ليه؟
ابتسمت.
ـ عشان وعدت نفسي.
—
في الشهر العاشر، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
جالي خطاب من محامي حسن.
كان فيه أوراق تخص البيت.
فتحتها.
اكتشفت إن حسن كان قبل وفاته بشهور كتب ورقة بخط إيده.
كان فيها كلام بسيط.
“تريزا،
لو أنا مشيت قبلك، ما تبيعيش البيت بسرعة.
أنا عارف إن البيت ده تعبنا فيه.
وعارف إنك حطيتي فيه عمرك.
لو يوم حسيتِ إنك عايزة تبيعيه، بيعيه.
ولو عايزة تفضلي فيه، خليكي.
بس ما تخليش حد يقرر مكانك.
إنتِ طول عمرك بتختاري الناس قبل نفسك.
المرة دي اختاري نفسك.”
فضلت ماسكة الورقة وقت طويل.
حسن كان فاهم.
يمكن أكتر مما كنت فاهمة نفسي.
وقتها قررت إن البيت مش هبيعه.
لكن مش هسيبه كمان زي ما هو.
هعمل فيه حاجة جديدة.
—
رجعت مصر بعد سنة.
أحمد كان مستنيني في المطار.
وقف بعيد.
ما جريش عليا.
ما حضنيش من غير إذن.
استنى.
أنا اللي قربت.
حضنته.
بكى.
قال:
ـ وحشتيني يا ماما.
قلت:
ـ وإنت كمان.
بص في عيني.
ـ اتغيرتي.
ضحكت.
ـ اتغيرت شوية.
ـ أنا كمان.
ركبنا العربية.
في الطريق كان ساكت.
وبعدين قال:
ـ البيت زي ما هو.
ـ كويس.
ـ بس أنا ما دخلتوش غير لما رجعتي.
بصيتله.
ـ ليه؟
قال:
ـ حسيت إنه مش بتاعي.
الجملة لمستني.
لأن أخيرًا فهم.
—
لما دخلت البيت، كل حاجة كانت زي ما سبتها تقريبًا.
الصورة.
الكنبة.
المكان.
لكن الأقفاص اختفت.
قلت:
ـ الحيوانات راحت فين؟
أحمد ابتسم.
ـ ندى خدتهم عند أختها.
ـ والقطة؟
ـ عندنا.
ـ والأرنب؟
ـ عند أخت ندى.
ـ والعصافير؟
ضحك.
ـ ماتوا من كتر ما كانوا مزعجين الجيران.
ضحكت.
وبعدين قعدت.
بصيت لصورة حسن.
قلت:
ـ رجعت يا حسن.
وبعدين بصيت لأحمد.
ـ بس مش عشان أرجع زي زمان.
هز راسه.
ـ عارف.
—
بعد أسبوعين بدأت أعمل اللي كنت مخططة له.
حولت جزء من البيت لمكان صغير للقراءة.
حطيت مكتبة.
كرسيين.
ترابيزة.
وعملت مكان للأطفال والسيدات اللي محتاجين يقعدوا يتعلموا.
مش جمعية.
مش مشروع ضخم.
مكان بسيط.
لكن كان اسمه:
“بيت تريزا.”
أحمد سألني:
ـ ليه الاسم ده؟
قلت:
ـ عشان لأول مرة أعمل حاجة باسمي.
ابتسم.
ـ وأنا؟
ـ إنت ضيف.
ضحك.
ـ حاضر.
—
بعد شهور، ندى جاتني.
كانت شايلة بنتها.
وقعدت.
قالت:
ـ ممكن أقولك حاجة؟
ـ قولي.
ـ أنا زمان كنت شايفة إنك لازم تساعديني.
دلوقتي فهمت إن المساعدة حاجة تتطلب بإذن، مش تتفرض.
ابتسمت.
ـ اتعلمتي.
ـ آه.
وبعدين بنتها الصغيرة جريت عليا.
حضنتني.
وقالت:
ـ تيتة أنا عايزة أعيش معاكي.
ضحكت.
ـ تعالي وقت ما تحبي.
ندى بصتلي.
ـ إنتِ مش زعلانة مني؟
سكت شوية.
ـ أنا زعلت.
ـ ولسه؟
ـ لأ.
ـ إزاي؟
ـ عشان أنا كمان غلطت.
ـ إنتِ؟
ـ آه.
ـ في إيه؟
قلت:
ـ لأني فضلت سنين أدي من غير ما أقول أنا محتاجة إيه.
ـ وده غلط؟
ـ لما العطاء يبقى على حساب نفسك… آه.
هزت راسها.
وفهمت.
—
بعد سنة من رجوعي، أحمد جه البيت.
قعد قدامي.
قال:
ـ ماما.
ـ نعم؟
ـ أنا بفكر أسيب شغلي وأبدأ مشروع صغير.
ـ حلو.
ـ بس محتاج فلوس.
ابتسمت.
زمان كنت هسأله:
“كام؟”
وهدي له كل اللي يطلبه.
المرة دي قلت:
ـ عامل دراسة للمشروع؟
ـ أيوه.
ـ وعندك خطة؟
ـ أيوه.
ـ وفلوسك إنت؟
ـ حاطط جزء.
قلت:
ـ كويس.
ـ يعني هتساعديني؟
قلت:
ـ لو احتجت نصيحة هديك.
ـ وفلوس؟
ـ لو المشروع يستحق وأنا شايفة إن المساعدة مناسبة، ممكن أشاركك بمبلغ محدد.
بصلي.
وبعدين ابتسم.
ـ اتغيرتي فعلًا.
ضحكت.
ـ اتعلمت.
ـ وأنا كمان.
—
في يوم جمعة، كنا قاعدين كلنا.
أنا.
أحمد.
ندى.
أحفادي.
وكانت صورة حسن قدامنا.
أحمد قام.
راح ناحية الصورة.
وقال:
ـ بابا لو كان موجود كان هيبقى فخور بماما.
بصيت له.
ـ ليه؟
قال:
ـ عشان أخيرًا عملت حاجة هو كان نفسه تشوفها.
ـ إيه؟
ـ عشتِ.
سكت.
الكلمة دخلت قلبي.
عشت.
مش بس أكلت.
مش بس ربيت.
مش بس خدت بالي من الناس.
عشت.
ضحكت.
سافرت.
حزنت.
بدأت من جديد.
واكتشفت نفسي.
—
بعدها بشهور، جالي اتصال من إدارة الرحلة.
قالوا إنهم بيجهزوا رحلة جديدة.
سألت:
ـ قد إيه؟
قالوا:
ـ ست شهور.
ضحكت.
قلت:
ـ المرة دي مش هحتاج أختفي سنة.
ضحكوا.
قفلت المكالمة.
أحمد كان قاعد قدامي.
قال:
ـ هتسافري؟
ـ آه.
ـ قد إيه؟
ـ ست شهور.
سكت.
وبعدين قال:
ـ أجهزلك الشنطة؟
بصيتله.
وضحت.
ـ لا.
ـ ليه؟
ـ عشان أنا بعرف أجهز شنطتي بنفسي.
ضحك.
وقال:
ـ حاضر يا ماما.
قرب مني.
وحضني.
المرة دي الحضن ماكانش فيه طلب.
ولا مصلحة.
ولا احتياج.
كان مجرد حضن ابن لأمه.
وده كان كفاية.
—
وقبل سفري بيوم، قعدت قدام صورة حسن.
حطيت التذكرة على الترابيزة.
وقلت:
ـ فاكر أول مرة سافرت فيها؟
طبعًا ما ردش.
ضحكت.
ـ أصلًا إنت كنت بتقول إن السفر تعب.
وبعدين سكت.
ـ بس كنت غلطان في حاجة.
قربت من الصورة.
ـ الحياة هي اللي بتتعب لما الواحد يفضل عايشها لغيره.
مسكت الصورة.
ـ أنا مش ناسية.
ولا نسيتك.
ولا نسيت أحمد.
ولا الأيام اللي عشناها.
بس أخيرًا فهمت إن الحب مش معناه إن ال




