روايات وقصص

خيانه حكايات صافي هاني

قلت:

“الوعد لوحده مش كفاية.”

قال:

“إذن هثبت لك.”

مشيت.

ماحضنتوش.

ماسامحتوش.

لكن للمرة الأولى…

ماكانش فيه كذبة بينا.

عدت لشقتي القديمة.

قعدت هناك أسابيع.

كنت محتاجة أعيش من غير حراسة.

من غير كاميرات.

من غير أسرار.

ومن غير شخص يقرر نيابة عني أنا أعرف إيه وماعرفش إيه.

محمود ماحاولش يضغط عليا.

كان كل أسبوع يبعت لي رسالة واحدة.

مش “ارجعي”.

ولا “سامحيني”.

كان بيكتب:

“أتمنى تكوني بخير.”

وبس.

بعد شهرين، رحت للمقبرة.

وقفت قدام قبر أبويا.

قلت:

“أنا عرفت.”

سكت.

“بس لسه زعلانة منك.”

ضحكت وسط دموعي.

“كان ممكن تقول لي.”

الهوا كان هادي.

حطيت وردة.

وقلت:

“بس يمكن فهمت ليه كنت خايف.”

بعدها سمعت صوت خطوات.

لفيت.

كان محمود.

وقف بعيد.

ماقربش.

قال:

“لو عايزة أمشي، همشي.”

بصيت له.

قلت:

“تعالى.”

قرب.

وقف جنبي.

بص لقبر أبويا.

وقال:

“كان راجل كويس.”

قلت:

“وكان عنيد.”

ضحك.

“زي بنته.”

بصيت له.

لأول مرة من شهور ابتسمت.

لكن الابتسامة اختفت بسرعة.

قلت:

“محمود.”

“أيوه؟”

“أنا مش هرجع البيت دلوقتي.”

“تمام.”

“بس…”

سكت.

قال:

“بس إيه؟”

قلت:

“ممكن نبدأ نتعرف على بعض من جديد.”

بص لي.

وعينيه دمعت.

قال:

“من غير أسرار.”

قلت:

“من غير أسرار.”

مر عام.

البيت اتغير.

مش في شكله.

في معناه.

الكاميرات قلت.

الحراسة قلت.

الأبواب اللي كانت دايمًا مقفولة بقت مفتوحة.

ومحمود اتغير.

بقى بيحكي لي كل حاجة.

حتى الحاجات الصغيرة.

مرة رجع متأخر.

قال:

“كنت في الشركة.”

قلت:

“عرفت.”

ضحك.

“بس هقولك ليه اتأخرت.”

قلت:

“ليه؟”

قال:

“عشان مايبقاش فيه حاجة مستخبية.”

ضحكت.

“خلاص يا محمود.”

قال:

“أنا بتعلم.”

وأنا كمان كنت بتعلم.

إن الثقة مش كلمة.

وإن الحب مش معناه إننا نسلم عقلنا بالكامل لشخص تاني.

وإن حماية الإنسان من الحقيقة مش دايمًا حماية.

أحيانًا…

بتكون خيانة من نوع مختلف.

أما سارة…

فبدأت حياة جديدة مع بنتها.

ما بقيناش أصحاب.

لكن ما بقيناش أعداء.

وفي يوم اتصلت بيا.

قالت:

“مريم.”

قلت:

“أيوه.”

“أنا عارفة إنك مش نسيتي اللي حصل.”

“مش هنساه.”

“بس عايزة أقولك حاجة.”

“قولي.”

قالت:

“لو رجع الزمن، كنت هختار أقول لك الحقيقة من أول يوم.”

سكت.

قلت:

“وأنا كمان.”

“إنتِ كنتِ هتعملي إيه؟”

قلت:

“كنت هسأل قبل ما أحكم.”

سكتنا.

وبعدين قالت:

“ممكن أسألك سؤال؟”

“اتفضلي.”

“إنتِ سامحتي محمود؟”

بصيت من الشباك.

كان محمود واقف في الحديقة.

بيتكلم مع ابني.

قلت:

“مش مرة واحدة.”

سكت.

“سامحته كل يوم حتة.”

قالت:

“وده كفاية.”

قفلت.

وبصيت لمحمود.

كان بيضحك.

افتكرت الليلة الأولى.

12:17.

القبلة.

الدبلة.

الورقة.

الهروب.

الصورة.

الرجل الميت.

كل حاجة بدأت في ليلة واحدة.

لكن الليلة دي علمتني حاجة عمري ما هنسى.

إن الإنسان ممكن يشوف الحقيقة قدام عينيه…

وبرضه يفهمها غلط.

وممكن يصدق كذبة…

لأنها أسهل من الحقيقة.

وأحيانًا الشخص اللي بتفتكري إنه خانك…

يكون هو نفسه بيحاول يحميكي.

لكن ده مايعفيهوش من خطأ إنه كذب.

لأن الحب الحقيقي مش إنك تخبي الحقيقة عن اللي بتحبه.

الحب الحقيقي إنك تواجه معاه الخوف…

حتى لو الحقيقة هتوجع.

بعد سنة ونصف من الليلة دي، كنا قاعدين في نفس المكتب.

المكتب اللي حصلت فيه القبلة.

محمود كان بيقلب في أوراق.

وأنا دخلت.

قال:

“تعالي.”

قعدت قدامه.

كان فيه ظرف صغير.

قال:

“لقيته النهارده.”

فتحته.

جواه ورقة.

خط أبويا.

لكن الورقة دي ماكنتش موجودة في الصندوق القديم.

قرأناها سوا.

“مريم…

لو وصلتي للرسالة دي، يبقى كل اللي كنت خايف منه انتهى.

بس فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها.

محمود ماكانش هو الشخص اللي اخترته ليكي وحده.

إنتِ اللي اخترتيه.

يمكن مش من أول يوم.

لكن بعد خمستاشر سنة، لو لسه قادرة تبصي له وتختاريه من جديد، يبقى ده اختيارك الحقيقي.

ماتخليش أي سر قديم يقرر مستقبلك.

ولا تخلي أي شخص يخوفك من قلبك.

إنتِ مش ضعيفة.

وماحدش له حق يختار بدالك.

حتى أنا.”

خلصت الرسالة.

محمود بص لي.

قال:

“كان أبوكي عارف.”

قلت:

“كان عارفني أكتر مني.”

سكتنا.

وبعدين قلت:

“محمود.”

“أيوه؟”

“لو رجعنا لأول يوم اتقابلنا فيه…”

“هتختاريني؟”

بصيت له.

قلت:

“مش عارفة.”

ضحك.

قلت:

“بس لو رجعنا لليلة 12:17…”

سكت.

“كنت هسألك قبل ما أخلع الدبلة.”

قال:

“وأنا كنت هقول لك الحقيقة قبل ما توصلي للمكتب.”

ابتسمت.

قلت:

“يبقى اتعلمنا.”

مد إيده.

أنا بصيت لها ثواني.

وبعدين حطيت إيدي في إيده.

مش لأن كل اللي حصل اختفى.

ولا لأن الجرح ماعادش موجود.

لكن لأننا أخيرًا بقينا بنختار بعض بإرادتنا.

من غير أسرار.

من غير تهديد.

من غير أشخاص من الماضي بيحركونا زي الدمى.

ومن غير خوف.

أما الدبلة القديمة…

فأنا ما رميتهاش.

احتفظت بيها.

حطيتها في صندوق صغير جنب رسالة أبويا.

لأنها بالنسبة لي ما بقتش رمز لجواز فاشل.

بقت ذكرى لليلة فهمت فيها إن حياتي لازم تكون في إيدي أنا.

وفي يوم سألتني بنتي:

“ماما، ليه محتفظة بالدبلة دي لو كنتِ مش لابساها؟”

بصيت لها.

وقلت:

“عشان تفتكري حاجة مهمة.”

قالت:

“إيه؟”

قلت:

“محدش يقرر عنكِ إنتِ تحبي مين، تثقي في مين، أو تعيشي إزاي.”

ضحكت.

وقالت:

“بابا كان قرارك؟”

بصيت ناحية محمود.

كان واقف بعيد وبيسمع.

قلت:

“أيوه.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى