
الحسبة كانت مخرومة من كل اتجاه. رامي مكانش بيحسب إن مريم كانت في الأيام العادية هي اللي بتسند معه في تفاصيل مكنش بيلقي لها بال؛ لما كان بيعوز يغير زيت العربية مريم اللي كانت بتفكر وتدفع من مصروف البيت، لما التلاجة كانت بتتملي بلحوم وفراخ بالجملة تكفيهم الشهر كله بتكلفة ربع اللي هو صرفه على الدليفري المقرف، كانت مريم اللي تدبر وبتوفر من غير ما يحس.
دلوقتي، وهو لوحده، الفلوس اتبخرت زي البخار في الهوا!
اتصل بيه معتز تاني: إيه يا رامي، الفلوس لسه موصلتش؟
رامي اتعصب: اصبر شوية يا معتز! مزنوق في الشغل هشوف وأكلمك! وقفل السكة في وش أخوه.
حاول رامي يحوّل من كارت المشتريات الفيزا المشتركة. دخل على الحساب عشان يحول لمعتز، بس ظهرتله رسالة بالخط العريض على الشاشة: *(العملية مرفوضة.. تجاوز الحد الائتماني المتاح!)*
رامي اتصدم. الحد المتاح للكارت كان خمسين ألف جنيه! إزاي متجاوز؟
اتصل بخدمة العملاء فوراً وهو بيغلي: ألو.. مساء الخير، لو سمحت أنا بحاول أسحب من كارت الائتمان المشترك والعملية بتترفض ليه؟
الموظف بعد ما أخد بياناته رد بهدوء: يا فندم، الكارت تم استخدامه بالكامل، وفي مديونية متأخرة لازم تتسدد قبل يوم عشرين عشان الفوايد متزيدش، بالإضافة إن الشريك التاني في الحساب الأستاذة مريم قامت بإلغاء خاصية السحب التلقائي من حسابها لتغطية الكارت بناءً على طلب رسمي قدمته من فرع البنك الأسبوع اللي فات.
التليفون كان هيقع من إيد رامي. يعني إيه ألغت السحب التلقائي؟!
الموظف رد ببرود: يعني يا فندم كل المبالغ المسحوبة على الكارت ده تخص العمليات اللي حضرتك قمت بيها، والأستاذة مريم سددت نصيبها من المشتريات المشتركة فقط ورفعت إيدها عن باقي المديونية حسب اللائحة طالما تم الفصل الحسابي.
رامي حس إن الدم هرب من دماغه. مريم قفلت عليه الحنفية بالضبة والمفتاح، وسابته يغرق في شبر مية من عمايل إيديه!
رجع البيت يومها زي التايه. دخل الشقة، لقى ريحة بخور هادية مالية المكان، ومريم قاعدة على السفرة بتتعشى طبق مكرونة وسلطة شكلها يفتح النفس، ومشغلة فيروز على تليفونها بهدوء تام.
رامي دخل ورزع باب الشقة وراه بكل قوته، وقف قدام السفرة ووشه أحمر وعروق رقبته ناطة: إنتي إيه اللي هببتيه في البنك ده يا هانم؟! إزاي تلغي السحب التلقائي للفيزا من ورايا؟! إنتي عايزة تفضحيني مع البنك؟!
مريم مسحت بؤها بالمنديل برقة شديدة، وبصتله بعينين مفيهاش ذرة خوف: أولاً، وطي صوتك عشان الجيران ميسمعوش قلة ذوقك. ثانياً، أفضحك بإيه يا سي رامي؟ مش إنت اللي طلبت إن كل واحد يعيش بفلوسه؟ أنا دفعت نصيبي في فواتير البيت، ودفعت تمن مشترياتي اللي اشتريتها بالكارت بالقرش. بقية المديونية دي بتاعت مين؟ مش بتاعت سهراتك في الكافيهات، والفسح اللي كنت بتدفعها لأصحابك، والتحويلات اللي كنت بتبعتها لأخوك من ورا ضهري؟
رامي اتسمر مكانه لما سمع اسم أخوه. عيونه وسعت: إنتي… إنتي بتفتشي ورايا؟!
ـ أنا مابفتشش، أنا ست كنت مدياك أماني، بس لما لقيتك بتدوس عليا وعايز تخليني خدامة في بيتي عشان فاكر نفسك المليونير اللي شايلني، كان لازم أعرف الباشا فلوسه بتروح فين. أتاريك مديون لطوب الأرض، ومقضيها منظرة وشو وفشخرة كدابة، وأنا اللي كنت ساندة بيتك ومغطية عيوبك وفضايحك المالية من مرتبي وشقايا!
رامي حاول يمسك نفسه، وبدأ صوته يتهز: أنا.. أنا مش مديون! ده كارت ائتمان عادي وكل الناس بتتعامل بيه!
مريم وقفت، وقربت منه خطوة واحدة، وبصت في عينيه مباشرة: تمام، طالما عادي، سدده يا بطل. سدد اللي عليك، وسدد قسط أخوك، واصرف على أكلك وشربك وغسيل هدومك للأسبوعين الجايين.. بس من غير ما تمد إيدك على جنيه واحد من جيبي. مش كنت بتقول في أسبوعين هاجي أبوس إيدك عشان قرشين؟ أدي الأسبوعين عدوا يا رامي، تفتكر مين فينا اللي محتاج يبوس إيد التاني دلوقتي عشان يلاقي ياكل؟
رامي مقدرش يرد، لسانه اتشل.
وفي اللحظة دي، جرس الباب رن.
مريم بصت للباب، وبصت لرامي بابتسامة خبيثة: روح افتح، تلاقيه ضيف عزيز عليك قوي جاي يزورك في ميعاده بالظبط.
رامي مشي زي المسطول وفتح الباب.
كان واقف قدامه محمود صاحبه، ومراته نهى!
محمود كان مبتسم ابتسامة عريضة وشايل في إيده علبة حلويات شرقية فاخرة، وقال بصوت عالي: مساء الخير يا عريس! مريم اتصلت بنهى وعزمتنا على العشا الليلة، قالتلي إنك عامل عزومة مخصوص عشان تحتفل بمرورك بنص الشهر وأنت شايل البيت لوحدك ومبسوط من التجربة! فين الأكل يا رامي؟ ريحة المشويات فين يا بطل؟
رامي حس إن الأرض بتلف بيه، وبص وراه لمريم اللي كانت واقفة عند باب المطبخ، مربعة إيديها، وبتبتسم له نفس الابتسامة الباردة.. والحرب الحقيقية كانت لسه بتبدأ!
رامي كان واقف ورا الباب، رجليه مش شايلاه، ووشه اتخطف لدرجة إن دمه هرب منه في ثواني. علبة الحلويات الشرقية الكبيرة اللي في إيد محمود كانت ملفوفة بشريطة حمرا وبتلمع، ومحمود داخل بصدره المفتوح وضحكته الرنانة اللي بتهز السلم، وجنبه نهى لابسة ومتشيكة وريحة برفانها سبقاها، وبتبتسم ابتسامة هادية عارفة كل كواليسها.
ـ إيه يا رامي يا صاحبي؟ مالك متنح كده ولا كأنك شفت عفريت؟ ما توسع يا عم العتبة خلينا ندخل!
محمود مد إيده وخبط على كتف رامي خبطة صاحب تقيلة وهو بيضحك، ودخل الصالة وهو بيبص يمين وشمال.
مريم خرجت من المطبخ بخطوات واثقة، لابسة فستان بيتي شيك جداً، وشعرها معمول، ووشها منور بابتسامة تدرّس في أصول التمثيل وبرود الأعصاب: أهلاً يا محمود، نورتوا يا نهى يا حبيبتي، اتفضلوا اتفضلوا، البيت بيتكم والله!
نهى سلمت على مريم بحرارة، وفي عينيها لمعة خبيثة فهمتها مريم من غير ما ينطقوا حرف: تسلمي يا مريومة، ألف مبروك العزومة الرايقة دي، والله محمود من ساعة ما رامي قعد يحكيله على النظام الجديد وهو قالب دماغي، قولتله لازم نيجي نشوف الشطارة دي على عينك يا تاجر!
رامي قفل الباب ببطء شديد، ولسانه كان مربوط كأنه واكل حنظل. مشي وراهم وهو بيفرك في إيديه العرقانة. عينه كانت رايحة جاية بين السفرة الفاضية، وبين مريم اللي وقفت بكل براءة في نص الصالة.
محمود حط علبة الحلويات على ترابيزة الصالون، وقعد ورمى ضهره لورا ورجل على رجل بكل أريحية: ها يا أبو الروس! الشغل عالي باين عليه.. مريم قالت لنهى في التليفون إنك حلفت يمين طلاق إن العزومة دي كلها من أولها لآخرها على حسابك ومن ذوقك وتدبيرك، وإنك مش هتخليها تمد إيدها في حاجة خالص عشان توريني الرجولة والتكفل الصح بيبقى عامل إزاي!
رامي حس ببلعومه جاف، بص لمريم بنظرة كلها استعطاف ممزوج برعب، زي عيل صغير اتمسك بيسرق. همس بصوت مش طالع: مريم… إنتي… إنتي مجهزتيش حاجة؟
مريم رفعت حواجبها بمنتهى البراءة المصطنعة، وقالت بنبرة ناعمة سمعها الكل: أجهز إيه يا حبيبي؟ هو إحنا مش اتفقنا؟ أنا الست اللي دوري اتلغى خلاص بقرار منك، وإنت ما شاء الله رب الأسرة الصراف اللي شايل الليلة كلها بمرتبك العالي. إنت مش قولت لمحمود إن الست متسألش على فلوس ولا تشيل هم أكل وشرب وإن الراجل هو اللي بيفرش السفرة بمزاجه؟ أديك عازم صاحبك، والأبلكيشنات كلها على موبايلك، اطلب بقى المشويات اللي حكيت لمحمود عنها ولا إيه؟
محمود ضحك بصوته كله: الله عليكي يا مريم! شوفت يا رامي؟ الست مدياك مساحتك ع الآخر أهو! يلا بقى يا بطل، ده أنا مظبط بطني من الصبح على كباب وكفتة وحمام.. متكسفناش بقى!
رامي وقف مكانه، وشه سخن وبقى شبه قشرة الطماطم. إيده كانت في جيبه بتتحسس الموبايل، وعقله شغال زي العداد التاكسي المجنون: أطلب منين؟! الكارت المشترك متجاوز الحد ومرفوض، حسابي الجاري فيه ألفين وثمانمية جنيه يدوبك هيتحاسب بيهم على قسط كهربا ولا بنزين، وعزومة بالحجم ده لأربع تنفار في مطعم نظيف مش هتنزل عن تلات ولا أربع آلاف جنيه!
نهى قعدت تضحك برقة وبصت لجوزها: شايف يا محمود الرجالة اللي تدلع بيوتها؟ مش زي زيك تقعد تحسبها بالورقة والقلم وتقولي اطبخي مكرونة عشان نوفر!
محمود اتنحنح وشه اتغير شوية: إحم.. لأ طبعاً يا نهى، أنا عمري ما قولت كده، ده أنا حتى الأسبوع اللي فات قولتلك نطلب من برة بس إنتي اللي صممتي توفري!
نهى بصت لمريم وضحكت ضحكة صفرا فضحت المستور: توفر إيه يا حودة؟ ده إنت بتبعت تجيبلي الفرخة وأقعد أقسمها على يومين عشان نكفي لآخر الشهر، وجاي هنا تنفخ ريشك على رامي؟ ده رامي ده باشا ابن باشا!
مريم قربت من رامي وطبطبت على كتفه بدلال يغيظ: طبعاً يا نهى، رامي عمره ما بيبخل، ده هو قايلي إن الأربعين ألف بتوعه مكفيين ومفيضين، وإنه مش محتاج قرش مني أصلاً. يلا يا رامي يا حبيبي، افتح الموبايل واطلب الدليفري مستعجل عشان ضيوفنا جاعوا، ولا تحب أطلبلك أنا من حسابك؟
رامي كان هينفجر. طلع الموبايل بإيد بتترعش، عمل نفسه بيفتح الأبلكيشن، وفجأة قال بصوت مخنوق ومتقطع: هو… معلش يا جماعة.. شكل النت فاصل عندي، والشبكة واقعة خالص.. مريم، ممكن كلمة في المطبخ دقيقة؟
مريم ابتسمت: من عيني يا روحي، عن إذنكم يا جماعة دقيقة نشرب مية وجايين.
دخل رامي المطبخ، ومريم مشيت وراه بمنتهى الهدوء. أول ما قفلت باب المطبخ نص قفلة، رامي هجم عليها بصوت واطي بس كله غيظ وهستيريا: إنتي اتجننتِ؟! إيه اللي بتهببيه ده؟! عازماهم ليه النهاردة بالذات؟! إنتي عارفة إن معاييش سيولة في الحساب! عايزة تصغريني قدام محمود ومراته؟!
مريم وقفت وسندت ضهرها ع الرخامة، وربعت إيديها: أفضحك؟ هو أنا اللي حطيت نفسي في الموقف ده ولا إنت؟ مش ده محمود اللي صدّعت دماغي بيه؟ مش ده اللي قعدت تقارن بيني وبينه وقوتلي دي ست بتفهم وعارفة مكانها؟ أديني جبتلك الست وجوزها عشان يشوفوا الراجل اللي بجد، ورينا بقى شطارتك!




