Uncategorized

بعد وفاة ابويا وامي حكايات صافي هاني

أبويا وأمي لما توفوا وسابولي المزرعة اللي تسوى ملايين، نقلت ملكيتها بهدوء لشركة خاصة باسمي وماعرفتش حد. كل اللي كنت عايزه أضمن إن المكان اللي قضوا عمرهم بيبنوه يفضل محمي.

بعدها بشهر، ظهرت أختي هدى ومعاها محاميها وقالت بكل ثقة:

“عقد الملكية بقى باسمي دلوقتي، ابدأ جهز شنطك.”

سندت ظهري على كرسي أبويا القديم وبصيت لها وأنا بقول:

“بالتوفيق يا ستي، ابقي وريني هتعمليها إزاي.”

بعدها بيومين رجعت ومعاها عربيات نقل العفش. لكن اللحظة اللي شافوا فيها مين واقف قدام البوابة ومعاه الأوراق القانونية، الثقة دي كلها اختفت.

كانت هدى واقفة على العتبة في بالطو أسود والمطر بينزل حوالينا، ووراها عربيات النقل واقفة في الممر.

كنت واقف بملابس الشغل ولسه راجع من إسطبل الخيل، وببص لأختي وهي بتنزل الصناديق.

سألتها باستنكار:

“أمشي ليه خير إن شاء الله؟”

ابتسمت وقالت:

“التجديدات هتبدأ الأسبوع الجاي، ويفضل تخلص حاجتك وتلمها قبل يوم الجمعة.”

سكت شوية ومردتش.

بصيت بعيد للمزرعة الواسعة؛ الحظيرة القديمة، والسور الأبيض اللي أنا وأبويا صلحناه مرات كتير، لدرجة إني بقيت عارف كل خشبة مائلة فيه من بعيد.

بالنسبة لهدى، دي مجرد أرض جابت فلوس كتير، لكن بالنسبة لي دي كانت بيتي وحياتي.

هناك تعلمت أركب الخيل قبل ما أعرف أسوق العجل، وكانت أمي تقف قدام الشباك تبص على الأراضي، وأبويا كان بيعدي من على العتبة دي قبل الفجر كل يوم.

ودلوقتي أختي جاية تقول لي ألم حاجتي وأطلع بره.

أنا وهدى طول عمرنا مختلفين.

هي أكبر مني بتلات سنين، محامية، وبتحب حياة المدينة والزحمة.

أما أنا ففضلت في المزرعة، أشتغل جنب أبويا، أصلح الأسوار، أوكل الخيل، وأتابع الشغل اليومي.

ولما صحته تعبت، شلت أنا المسؤولية كلها تقريبًا.

بعد ما أبويا وأمي ماتوا، الوصية سابت لي المزرعة.

في الأول هدى مثلت إنها داعمة لي؛ حضنتني وعيطت معايا، وبعدين الكلام بدأ يتغير.

“حظك حلو يا عم.”

“أكيد مريح للآخر.”

“كده كده ممدوح كان محتاج مكان يقعد فيه.”

حاولت أتجاهل كلامها، لحد ما بقت تيجي المزرعة كتير ومن غير استئذان.

بقت تنقل العفش، وتتكلم عن تأجير الأوض، وتقترح تجديدات غريبة.

وفي يوم جابت خطيبها وقعدت تشاور على الأوضة الخلفية وتقول:

“هنا هيبقى غرفة أطفال تحفة.”

ضحكت في وقتها، بس بالليل وأنا قاعد لوحدي على العتبة فهمت اللعبة.

هدى مش مجرد زايرة.

دي كانت بتتصور إن المزرعة بقت بتاعتها أصلًا.

بعدها بأسبوعين، جت المطبخ ومعاها ورق وقالت لي:

“شوية أوراق روتينية خاصة بالإرث.”

بدأت أقرأ، وطلعت عقود نقل ملكية وتنازلات.

كانت متوقعة إني همضي من غير ما أسأل ولا أناقش.

طبعًا ما عملتش كده.

في نفس الليلة كلمت صاحب ليا شغال في العقارات، وقضينا ساعات بندرس كل الخيارات المتاحة قدامي.

وقبل ما الأسبوع يخلص، كنت نقلت ملكية المزرعة بهدوء لشركة حماية تابعة لي لوحدي، ومن غير ما أجيب سيرة لهدى خالص.

كل اللي عملته إني استنيت.

بعدها بشهر ظهرت بالمحامي، وقالت لي بكل برود:

“العقد باسمي، لم هدومك.”

كنت قاعد على كرسي أبويا المفضل، سندت لوراء وقلت:

“جربيها كده ووريني شطارتك.”

ابتسامتها ضاقت.

وبعدها بيومين جابت شركة النقل.

وكنت فاكر دي النهاية.

بس للأسف، دي كانت البداية بس.

بدأت أستلم إشعارات غريبة؛ جواب بيقول إني “مستأجر” وإن الإيجار زاد بنسبة 60%، مع إني المالك.

وبعدين تفتيشات مفاجئة، وجوابات إدارة عقارات، وهدى وخطيبها يلفوا في المزرعة يصوروا كل حتة.

في مرة قفشتهم وهما بيقيسوا رخام المطبخ.

سألتهم بغضب:

“بتعملوا إيه هنا؟”

ردت من غير ما تبص لي:

“عادي، أصلنا مستغربين شكل المكان.”

بطلت أجادل، وساعتها قررت أعمل حاجة واحدة:

أوثق كل صغيرة وكبيرة.

التواريخ، الأوقات، الصور، الجوابات، الرسايل، وكل زيارة وكل كلمة اتقالت.

صاحبي المحامي قالي نصيحة عمرها ما هتروح من بالي:

“في قضايا الملكية، مش اللي صوته عالي هو اللي يكسب، اللي عنده أدوات وإثباتات أقوى هو اللي بياخد حقه.”

وفي يوم سبت، وأنا بشتغل جنب الحظيرة، سمعت صوت هدى بتتكلم مع راجلين لابسين بدلات رسمية.

وقفت بعيد وبسمعها بتقول:

“أول ما نمسك الزمام هنا، هنبيعها بضعف سعرها، إحنا بس محتاجين ممدوح يوافق بالذوق.”

الجملة دي كانت كفاية تخليني أفهم دماغها كويس.

الموضوع مش صلة رحم ولا إرث عادل.

الموضوع إنها عايزة تبيع وتقبض الثمن.

في مناسبة عائلية، قعدت قدام العيلة وقالت إنها هتعمل “تغييرات جذرية” في المزرعة قريب.

وبعد العشاء زنقتني في الممر وقالت:

“تسهل على نفسك وتتنازل بالذوق، وهنسيبك تقعد هنا شوية كمان.”

ضحكت بجد وقلت لها:

“من إمتى إنتِ بتمنني عليّ إني أعيش في بيتي؟”

وشها نشف وقالت:

“فاكر إن الشركة اللي عملتها هتحميك؟ القوانين بتتغير كل يوم، وعلى الربيع هتكون طالع براها.”

النوم طار من عيني الليلة دي.

وفي وسط عاصفة مطرية بعدها بكم أسبوع، ظهر خطيبها وجايب معاه كمية كبيرة من الورق.

فتحته وقررت أقرا كل حرف.

كانت هدى رافعة قضية رسمية تطعن في ملكيتي، مستندة لثغرة قانونية عشان تضغط عليّ.

هنا حسيت إن وقت الطيبة خلص، وبدأت أجهز بجد.

لحد ما جه يوم الثلاثاء، وعربيات النقل رجعت تاني.

نزلت هدى من العربية الأولى وماسكة ملف، ووراها خطيبها.

قالت لي:

“بدأنا الجد أهو.”

سألتها:

“بإيه بقى؟”

قالت:

“بالنقل واللم.”

وشارت لعربيات النقل وقالت:

“التجديدات هتبدأ الأسبوع الجاي.”

بصيت للعمال وبعدين لها وقلت:

“خليهم يرجعوا من حيث ما جم.”

خطيبها ضحك، بس هدى قالت بجدية:

“أنت دلعت كتير أوي.”

وقفت قدام باب البيت وقلت:

“محدش هيلمس حاجة لحد ما المحامي بتاعي يراجع الورق اللي معاكم ده.”

طلعت ورق من الملف وقالت:

“اتصل باللي تعوزه، الكلام ده معتمد رسميًا خلاص.”

أخدت الورق، ولقيت ختم محكمة رسمي، ودعوة قضائية بتقول إن الإرث كان لازم يتوزع بالتساوي حسب وجهة نظرهم.

وبعدين لقيت المرفقات؛ جوابات من قرايبنا، وعمي، وأولاد عمي، والناس اللي وقفوا جنبي يوم وفاة أبويا، والناس اللي قالوا لي زمان إن أبويا هيكون فخور بيّ إني حافظت على المزرعة.

دلوقتي بقوا واقفين في صف هدى وبيقولوا إني أخدت أكتر من حقي.

رفعت عيني وسألتها:

“دخلتِ العيلة كلها في الموضوع؟”

هزت كتافها ببرود وقالت:

“ما أنت مكنتش بتسمع الكلام.”

وبصوت واطي قالت:

“معاك لحد يوم الجمعة، بعدها الجهات المختصة هتتعامل مع المكان.”

العمال بدأوا يتحركوا ناحية العتبة، وأنا ثابت مكاني.

وفجأة هدى مدت إيدها في شنطتها وطلعت تليفونها.

دست على زرار التشغيل.

وفجأة سمعت صوتي أنا طالع من الموبايل:

“أحيانًا بحس إن الأسهل أبيع كل حاجة وأمشي وأسيب المكان ده.”

عرفت التسجيل ده فورًا.

من شهور، كنت تعبان ومخنوق وبتكلم مع واحد صاحبي في فضفضة شخصية.

كان يوم صعب، وجملة واحدة قلتها بدون قصد.

هدى كانت مسجلاها.

بصت في وشي وقالت بابتسامة نصر:

“هاه؟ سمعت صوتك بنفسك؟ أنت أصلًا مش طايق المكان.”

بصيت لها وأنا مش مصدق:

“كنتِ بتسجليني؟”

ردت بعادي:

“طبعًا.. أنت عمرك ما بتفكر لقدام يا ممدوح، فلازم حد يفكر عنك.”

حسيت بهدوء غريب نزل على قلبي في اللحظة دي.

لأن هدى كانت فاكرة إن التسجيل ده هو دليلها الأقوى، وفاكرة إنها كسبت.

اللي ما كانتش تعرفه بقى، إنه بينما هي كانت مشغولة بتسجيل جملة غضب طالعة مني، أنا كنت مشغول بجمع مستندات، عقود، وتأمين قانوني كامل.

وكان عندي ورقة رسمية واحدة هي ما كانتش تعرف إنها موجودة أصلًا.

هدى كانت فاكرة المزرعة بقت بتاعتها.

بس كانت على وشك تكتشف قد إيه كانت غلطانة.

وقفت هدى قدامي وهي ماسكة الموبايل في إيدها، والابتسامة اللي على وشها كانت بتقول إنها متأكدة إن كل حاجة انتهت لصالحها.

أما أنا فبصيت للموبايل شوية، وبعدها بصيت لها.

وقلت بهدوء:

“أنتِ عارفة التسجيل ده اتعمل إمتى؟”

قالت بثقة:

“مش مهم اتعمل إمتى. المهم إن صوتك فيه.”

“وصوتي بيقول إيه؟”

ضحكت بسخرية:

“بيقول إنك مش عايز المزرعة وإنك كنت ناوي تبيعها.”

هزيت راسي ببطء.

“لا يا هدى… التسجيل بيقول إني كنت تعبان.”

وشها اتغير للحظة.

لكنها تماسكت بسرعة وقالت:

“المحكمة مش هتهتم بمشاعرك.”

رديت:

“ولا هتهتم بتفسيرك.”

في اللحظة دي، سمعنا صوت عربية بتقف عند أول الممر.

كلنا لفينا.

كانت عربية سوداء، ونزل منها المحامي بتاعي، الأستاذ شريف، ومعاه اتنين من الموظفين اللي بيشتغلوا معاه.

كان ماسك حقيبة كبيرة، ومشي ناحية البيت بهدوء شديد.

هدى أول ما شافته، ابتسامتها اختفت.

خطيبها قرب منها وقال بصوت منخفض:

“هو جاب محامي؟”

ردت وهي بتحاول تبان ثابتة:

“عادي… إحنا معانا حكم.”

المحامي وقف قدامي وقال:

“مساء الخير يا ممدوح.”

قلت:

“مساء النور.”

بص ناحية هدى ورجال النقل وقال:

“واضح إننا جينا في الوقت المناسب.”

هدى تقدمت خطوة.

“الأستاذ شريف، أنا مش عايزة مشاكل. إحنا بس جايين ننفذ حقنا.”

فتح الحقيبة بهدوء.

“حقكم؟”

قالت:

“أيوه.”

“على أي أساس؟”

مدت له الملف.

“أهو.”

أخد الملف منها وقلب صفحاته واحدة واحدة.

كان ساكت.

هدى كانت بتبص له مستنية يشوف الختم ويخاف.

لكن وشه ما اتغيرش.

بعد حوالي دقيقة، قفل الملف وقال:

“حضرتك عندك نسخة من الورق ده؟”

قالت:

“طبعًا.”

“كويس.”

طلع ورقة من الحقيبة.

“وأنا عندي نسخة من ورقة أهم.”

هدى عقدت حواجبها.

“إيه الورقة دي؟”

قال:

“قرار إثبات ونفاذ نقل ملكية المزرعة للشركة المالكة المسجلة باسم السيد ممدوح.”

سكتت.

خطيبها مد إيده وأخد الورقة منه.

قرأ أول سطر.

وبعدين تاني سطر.

وبعدين رفع عينه ببطء.

هدى خطفت الورقة من إيده.

وشها اصفر.

“دي… دي إيه؟”

المحامي رد:

“دي الوثيقة اللي حضرتك كنتِ محتاجة تعرفي عنها من شهرين.”

قالت بعصبية:

“بس أنا معايا عقد الملكية!”

“العقد القديم.”

“يعني إيه القديم؟”

“يعني إن المزرعة ما بقتش مملوكة للشخص اللي العقد ده مكتوب باسمه.”

أشارت ناحية ممدوح.

“هو!”

المحامي قال:

“لأ. الشركة.”

سكتت.

وأنا لأول مرة من شهور حسيت إن الحمل اللي على صدري بدأ يخف.

لكن المحامي ما اكتفاش بكده.

فتح ملف تاني.

وقال:

“وفي نقطة تانية.”

هدى قالت:

“إيه؟”

“الدعوى اللي حضرتك رفعتيها مبنية على افتراض إن المزرعة ما زالت ضمن التركة.”

قالت:

“وهي فعلًا ضمن التركة.”

“لأ.”

هز رأسه.

“وده أول خطأ.”

فتح ورقة.

“المزرعة انتقلت قانونيًا قبل رفع الدعوى.”

هدى بصت لخطيبها.

“إنت قلتلي إن النقل ده ممكن يتطعن عليه!”

الخطيب اتوتر.

“أنا قلت لك إننا نقدر نحاول.”

ردت:

“تحاول؟! أنت قلت إن الموضوع مضمون!”

المحامي بتاعي قال:

“وده مش كل حاجة.”

سكت الكل.

قال:

“فيه حاجة تانية حضرتك ما كنتيش تعرفيها.”

هدى بصت له.

“إيه؟”

قال:

“الورقة اللي معانا مش هي المفاجأة.”

سألت بعصبية:

“أمال إيه؟”

أشار ناحية الموبايل اللي في إيدها.

“التسجيل.”

بصيت له.

أنا نفسي ما كنتش فاهم هو رايح لفين.

قال:

“التسجيل اللي حضرتك شغلتِيه من شوية.”

هدى قالت:

“أيوه. ده دليل.”

المحامي ابتسم ابتسامة صغيرة.

“هو فعلًا دليل.”

ابتسمت هدى.

“شوفت؟”

قال:

“بس مش على اللي أنتِ فاكره.”

سكتت.

“التسجيل ده يثبت إن ممدوح كان بيمر بوقت ضغط شديد وقت ما قال الجملة. لكنه في نفس الوقت يثبت حاجة أهم.”

“إيه؟”

“إنك كنتِ بتسجليه من غير علمه.”

قالت:

“وأنا هسجل أخويا ليه؟”

المحامي رد:

“ده سؤال المحكمة.”

هنا بدأت هدى تتوتر.

لكنها حاولت تضحك.

“هو أنت فاكر إن المحكمة هتضيع وقتها في تسجيل؟”

“مش التسجيل لوحده.”

فتح ملف جديد.

“عندنا كمان صور من كاميرات المراقبة.”

هدى تجمدت.

أنا بصيت للمحامي.

“كاميرات؟”

قال:

“آه.”

بصيت ناحية البيت.

من شهور كنت مركب كاميرات حوالين المزرعة، مش عشان هدى تحديدًا، لكن عشان كان فيه معدات غالية وحيوانات ومخازن أعلاف، وكنت عايز أحمي المكان.

المحامي فتح اللابتوب.

ظهر فيديو.

هدى وهي داخلة المزرعة.

مرة.

وبعدين مرة تانية.

وبعدين وهي بتتكلم مع الراجلين اللي كانوا بيقيسوا المطبخ.

وبعدين فيديو تاني لخطيبها وهو بيصور الحظيرة.

وبعدين فيديو لهما وهما واقفين في المكتب القديم لأبويا.

ثم فيديو خلاني أنا نفسي ما اتكلمتش.

هدى كانت واقفة قدام خزانة أبويا.

وخطيبها بيقول:

“هو مش واخد باله من الورق اللي جوه؟”

هدى ردت:

“لسه.”

قال:

“ولو لقاها؟”

ردت:

“مش هيلحق.”

سكت.

الفيديو وقف.

هدى قربت من الشاشة.

“ده… ده متصور إمتى؟”

المحامي قال:

“من أسبوعين.”

وشها اتقلب.

“إنت كنت مصورنا؟”

رد:

“مش أنا.”

وأشار للكاميرا الموجودة فوق باب الحظيرة.

“المكان كان مراقب.”

خطيبها بدأ يتراجع.

قال:

“ده مش معناه حاجة.”

المحامي رد:

“معناه إن فيه أشخاص دخلوا عقار محل نزاع، وبدأوا يتصرفوا فيه قبل صدور أي قرار يسمح لهم بكده.”

هدى بصت لي.

“أنت عامل كل ده من ورايا؟”

قلت:

“أنا عملت اللي كان لازم يتعمل عشان أحمي بيت أبويا.”

قالت:

“بيت أبوك؟! وإنت فاكر إن أبوك كان عايزك تاخد كل حاجة؟”

قلت:

“أبويا كتب وصيته.”

سكتت.

“وإنتِ عارفة ده.”

ردت بسرعة:

“الوصية دي فيها مشاكل.”

“مشاكل إيه؟”

“أنا أختك.”

“وأنا أخوكي.”

سكتنا.

ثم قلت:

“بس الفرق إنك من يوم ما ماتوا وأنتِ بتبصي للمزرعة على إنها فلوس.”

ردت بعصبية:

“وأنت بتبص لها على إنها ملكك!”

قلت:

“لأ.”

بصيت للحظيرة.

“أنا ببص لها على إنها أمانة.”

العمال كانوا واقفين في مكانهم ومش عارفين يعملوا إيه.

المحامي قال لهم:

“محدش يلمس أي حاجة. لو سمحتوا.”

واحد من العمال قال:

“بس إحنا متعاقدين مع الست.”

رد عليه:

“والست دي ما عندهاش الحق تدخلكم هنا في الوقت الحالي.”

هدى صرخت:

“أنا عندي حكم!”

المحامي رد:

“عندك دعوى، مش حكم نهائي.”

سكتت.

وهنا فهمت إن كل الثقة اللي كانت على وشها من شوية بدأت تقع قطعة قطعة.

لكنها ما كانتش من النوع اللي يستسلم بسهولة.

قربت مني وقالت:

“إنت فاكر إنك كسبت؟”

قلت:

“أنا مش داخل معركة عشان أكسبك.”

“أمال؟”

“أنا بحاول أحمي اللي أبويا وأمي سابوه.”

قالت:

“هدمرك.”

رديت:

“ده قرارك.”

لفت ومشت ناحية العربية.

قبل ما تركب، وقفت وبصت لي.

“لسه عندي ورق.”

قلت:

“وأنا عندي مستندات.”

“لسه ما شفتش كل اللي عندي.”

“ولا إنتِ شفتي كل اللي عندي.”

فضلت باصة لي ثواني.

وبعدين ركبت.

العربيات النقل مشيت وراها.

وأول ما آخر عربية خرجت من البوابة، حسيت إن المزرعة نفسها أخدت نفس.

لكن المحامي قال:

“ما تفرحش أوي.”

بصيت له.

“ليه؟”

قال:

“لأن هدى مش هتسكت.”

كنت عارف.

وفي اليوم اللي بعده بدأت المواجهة الحقيقية.

الصبح، وصلتني ورقة جديدة.

دعوى إضافية.

وبعدها بساعتين، وصل إخطار من جهة رسمية بتطلب مراجعة بعض الإجراءات المتعلقة بنقل الملكية.

وبعد الظهر، واحد من قرايبي اتصل بي.

“ممدوح، تعالى نتكلم.”

قلت:

“في إيه؟”

قال:

“هدى بتقول إنك ضحكت عليها.”

ضحكت من غير فرحة.

“هدى بتقول كتير.”

قال:

“هي بتقول إن أبوك كان وعدها بجزء من المزرعة.”

سكت.

لأول مرة حسيت إن الموضوع ممكن يبقى أكبر من مجرد طمع.

قلت:

“إنت مصدقها؟”

قال:

“مش عارف.”

قلت:

“يبقى قبل ما تصدق اسمع مني.”

وفي نفس الليلة، جمعت كل أفراد العيلة اللي كانوا مستعدين يسمعوا.

مش عشان أعمل مشكلة.

ولا عشان أهاجم هدى.

أنا كنت عايز أحط الورق على الترابيزة.

بس قبل ما أبدأ، قلت لهم:

“أنا مش هطلب من حد يختار صفي.”

“أنا بس عايزكم تعرفوا الحقيقة كاملة.”

طلعت وصية أبويا.

وبعدين شهادة أمي.

وبعدين مستندات الملكية.

وبعدين الأوراق الخاصة بالشركة.

وبعدين إيصالات الضرائب والمصاريف اللي دفعتها سنين.

وبعدين سجل الصيانة.

وبعدين كشوفات العلاج اللي كنت بدفعها لأبويا وأمي.

قريبي مسك ورقة وقال:

“إنت كنت بتدفع كل ده؟”

قلت:

“أيوه.”

هدى كانت موجودة.

وقالت:

“يعني إنت عايز تقول إنك دفعت فلوس يبقى المزرعة من حقك؟”

رديت:

“لأ.”

“أمال؟”

“عايز أقول إنك لما قلتي قدام المحكمة إني ما كنتش مسؤول عن أبويا وأمي، كنتِ بتقولي كلام غير صحيح.”

سكتت.

المحامي فتح ملف.

طلع سجل زيارات المستشفى.

اسم ممدوح كان موجود في كل مرة تقريبًا.

اسم هدى كان موجود مرات قليلة.

هدى قالت:

“كنت مشغولة.”

بصيت لها.

“أنا مش بلومك.”

قالت:

“واضح إنك بتلومني.”

“لأ.”

سكت شوية.

“أنا بس مش فاهم ليه دلوقتي عايزة حاجة أنتِ ما كنتيش مستعدة تتحملي تعبها.”

قريبي حط الورقة على الترابيزة.

“هدى، هو فعلًا كان معاهم.”

قالت:

“يعني إيه؟”

“يعني يمكن أبوكم كتب الوصية عشان السبب ده.”

هدى قامت فجأة.

“أنا مش هقعد أتحاكم هنا.”

ومشيت.

لكن قبل ما تخرج، وقفت.

وبصت لي.

وقالت:

“إنت فاكر إنك تعرف أبوك أكتر مني؟”

قلت:

“لأ.”

“أمال؟”

“أنا عشت معاه أكتر منك.”

الجملة دي وجعتها.

وشها اتغير.

وبعدين خرجت.

بعدها بأيام، بدأ الناس يتصلوا بيا.

واحد من أولاد عمي.

وبعدين واحدة من قرايبنا.

وبعدين حتى الشخص اللي كانت هدى جابته كشاهد.

كلهم كانوا بيقولوا نفس الكلام:

“هدى بتقول إنك استغليت وفاة أبوك.”

الغريب إن كل واحد منهم كان بيحكي كلام مختلف.

عرفت وقتها إن هدى كانت بتدي كل شخص رواية تناسبه.

لحد ما حصلت حاجة ما كنتش متوقعها.

وصلني ظرف من مكتب المحامي.

جواه ورقة مكتوبة بخط أمي.

خط أمي أنا أعرفه كويس.

كانت رسالة قصيرة، مكتوبة قبل وفاتها بشهور.

وكانت موجهة لأبويا.

لكن أبويا احتفظ بيها.

واللي ما فهمتوش إلا بعدين إن أمي كانت عارفة إن فيه مشكلة جاية.

في الرسالة كانت بتقول:

“لو حصل لنا حاجة وإحنا الاتنين مش موجودين، أهم حاجة ما تسيبش المزرعة تتحول لمجرد صفقة. المكان ده اتبنى بالتعب، وممدوح أكتر واحد فاهم قيمته. هدى بنتنا وبرضه ليها مكانها في قلبنا، لكن أنا خايفة من الناس اللي حواليها. مش منها هي بس… من اللي ممكن يقنعوها إن الفلوس أهم من كل حاجة.”

قعدت ماسك الورقة وقت طويل.

وبعدين سألت المحامي:

“الرسالة دي كانت فين؟”

قال:

“في صندوق قديم مع أوراق والدك.”

قلت:

“ومين جابها؟”

قال:

“عمك.”

اتصلت بعمي.

قلت:

“إنت كنت عارف إن الرسالة دي موجودة؟”

قال:

“أيوه.”

“ليه ما قلتليش؟”

سكت.

وبعدين قال:

“لأني وعدت أبوك ما أفتحش الموضوع إلا لو حصل نزاع.”

قلت:

“وإنت كنت متوقع يحصل؟”

قال:

“أبوك كان عارف ولاده.”

ضحكت بحزن.

“هو كان يعرف هدى.”

قال:

“وكان يعرفك أنت كمان.”

“يعني إيه؟”

“كان عارف إنك هتسكت كتير.”

سكت.

“وعارف إنك في الآخر لما تضطر… هتوقف.”

قفلت المكالمة.

وفي الليلة دي، دخلت مكتب أبويا لأول مرة من بعد وفاته.

قعدت على كرسيه.

نفس الكرسي اللي قعدت عليه يوم هدى جابت الورق وقالت لي إن المزرعة بقت بتاعتها.

بصيت للمكتب.

كل حاجة كانت زي ما هي.

الساعة القديمة.

المكتبة.

القلم اللي كان بيكتب بيه.

حتى الكوباية اللي كانت أمي بتحط فيها القهوة.

فتحت الدرج.

لقيت دفتر قديم.

كان أبويا بيسجل فيه مصاريف المزرعة.

وفي آخر الصفحات، لقيت حاجة غريبة.

صفحة مكتوب فوقها:

“لو حصل خلاف.”

قلبي دق بسرعة.

قعدت وبدأت أقرأ.

كان كاتب أسماء ناس.

محامي.

محاسب.

موثق.

وشخص رابع ما أعرفوش.

وفي آخر الصفحة:

“ممدوح لازم يعرف إن المزرعة مش مجرد أرض.”

وبعدها:

“الجزء الأكبر من قيمة الأرض مش في الأرض نفسها.”

اتجمدت.

رجعت قرأت الجملة.

“مش في الأرض نفسها.”

اتصلت بالمحامي فورًا.

جالي تاني يوم.

عرضت عليه الدفتر.

قرأ.

وقال:

“ده ممكن يغير شكل القضية.”

قلت:

“ليه؟”

قال:

“لأن واضح إن والدك كان عنده مشروع أو حق تجاري مرتبط بالمزرعة.”

“أنا معرفش حاجة.”

قال:

“يبقى لازم نعرف.”

بدأنا ندور.

راجعنا العقود القديمة.

الخرائط.

التراخيص.

السجلات.

وبعد أيام من البحث، ظهر اسم شركة قديمة.

شركة كان أبويا شريك فيها من سنين.

أنا ما كنتش أعرف عنها غير القليل.

لكن المفاجأة إن الشركة دي كانت مرتبطة بجزء من الأرض.

مش الأرض كلها.

جزء صغير في طرف المزرعة.

الجزء اللي دايمًا كان أبويا يمنع أي حد يقرب منه.

كنت فاكر إنه مجرد مخزن قديم.

طلع فيه حق انتفاع مرتبط بمشروع قديم.

والأغرب إن المشروع ده كان لسه له قيمة.

قيمة كبيرة.

لكن أبويا كان قافله من سنين.

المحامي قال:

“هدى لو عرفت ده، هتغير هدفها.”

قلت:

“هي أصلًا عايزة تبيع.”

“بالضبط.”

“يعني؟”

“يعني لازم نعرف كانت تعرف قد إيه.”

وبالفعل، بعد يومين، وصلنا دليل.

رسالة إلكترونية قديمة من مكتب عقاري.

كانت مرسلة لهدى قبل ما ترفع الدعوى.

وفيها عرض شراء للمزرعة.

العرض كان أكبر من القيمة اللي هي كانت بتتكلم عنها قدام العيلة.

يعني هدى كانت بتقول للناس إنها عايزة المزرعة عشان تسكن فيها.

لكنها كانت بالفعل بتفاوض على بيعها.

واجهناها بالمستند في جلسة المحكمة.

كانت قاعدة جنب محاميها.

القاضي سألها:

“هل حضرتك تملكين عرضًا لبيع العقار؟”

سكتت.

محاميها قال:

“نعترض على صياغة السؤال.”

المحامي بتاعي رد:

“لدينا المستند.”

اتقدم العرض.

القاضي قرأه.

هدى كانت بتبص في الأرض.

وبعدين رفعت عينها وقالت:

“كنت بس بختبر السوق.”

القاضي قال:

“اختبار السوق قبل حسم النزاع على الملكية؟”

ما ردتش.

المحامي بتاعها حاول يتدخل.

لكن الصورة كانت بدأت تتضح.

الموضوع ما بقاش أخ وأخت مختلفين على بيت.

بقى فيه شخص حاول يفرض نفسه على عقار مش في حيازته، وبدأ إجراءات بيع قبل حسم الملكية.

لكن المفاجأة الأكبر لسه ما ظهرتش.

لأن الأستاذ شريف قدم مستند تاني.

وقال:

“وفيه واقعة لازم المحكمة تطلع عليها.”

ظهر فيديو.

هدى وخطيبها وهما بيتكلموا في مكتب العقارات.

كنت واقف وقتها مش عارف الكلام ده حصل إمتى.

لكن الفيديو كان واضح.

الخطيب قال:

“المشكلة إن ممدوح مش هيمضي.”

هدى ردت:

“مش لازم يمضي.”

“أمال؟”

“هنخليه يطلع من المزرعة.”

“ولو رفض؟”

قالت:

“هنضغط عليه لحد ما يوافق.”

“والشركة؟”

“هنتعامل معاها بعدين.”

القاضي طلب إيقاف الفيديو.

سأل هدى:

“هل الصوت في التسجيل صوت حضرتك؟”

قالت:

“أنا…”

سكتت.

“هل هو صوت حضرتك؟”

قالت:

“أيوه.”

“والشخص الآخر؟”

محاميها قال:

“موكلي لا يقر بأنه هو الشخص.”

الخطيب نفسه كان حاضر.

القاضي بص له.

“هل الصوت صوتك؟”

فضل ساكت.

المحامي بتاعه طلب وقت.

القاضي قال:

“سيتم إثبات ذلك في المحضر.”

بعد الجلسة، خرجنا.

هدى وقفت عند الباب.

وقالت لي:

“أنت عملت فيا كده؟”

قلت:

“أنا ما عملتش حاجة.”

“أمال مين صورنا؟”

“الكاميرات.”

“إنت كنت عارف؟”

“كنت عارف إن المكان متراقب.”

“من إمتى؟”

“من قبل ما تبدأي تحاربي.”

بصت لي بعيون مليانة غضب.

“ليه ما واجهتنيش؟”

قلت:

“كنت مستني منك ترجعي.”

“وأنا ما رجعتش.”

“أيوه.”

سكتنا.

وبعدين قالت:

“إنت عمرك ما كنت أخويا.”

الكلمة دي وجعتني.

رغم كل اللي عملته.

ورغم كل اللي حصل.

قلت:

“وأنتِ عمرك ما حاولتي تعرفي أنا كنت مستني منك إيه.”

مشت.

لكن بعدها بأسبوع حصل شيء ما كنتش متوقعه.

هدى طلبت تقابلني لوحدنا.

وافقت.

اتقابلنا في المزرعة.

قعدنا في المكان اللي أمي كانت بتحب تقعد فيه.

كانت هدى هادية.

من غير محامي.

من غير أوراق.

من غير صراخ.

قالت:

“أنا تعبت.”

قلت:

“وأنا كمان.”

“أنا كنت فاكرة إنك سرقت حقي.”

“أنا ما سرقتش حاجة.”

“كنت فاكرة إن أبويا ظلمني.”

“أبوك ما ظلمكيش.”

“عرفت.”

سكت.

قالت:

“قريت الرسالة.”

بصيت لها.

“أي رسالة؟”

قالت:

“رسالة أمي.”

سكت.

“مين اداها لك؟”

قالت:

“عمي.”

وبعدين دموعها نزلت.

“أنا كنت فاكرة إن ممدوح هو اللي خد كل حاجة.”

قلت:

“ليه؟”

“عشان الناس حواليّا قالولي كده.”

“مين؟”

ما ردتش.

لكن من سكوتها فهمت.

خطيبها.

قالت:

“هو كان بيقولي إنك ضعيف ومش فاهم في التجارة وإن الأرض لو فضلت معاك هتضيع.”

“وإنت صدقتيه.”

“أيوه.”

“وليه؟”

قالت:

“عشان كنت عايزة أصدق إن ليّا حق.”

سكت.

قالت:

“بس في حاجة تانية.”

“إيه؟”

“هو كان عايز يبيع المزرعة من البداية.”

ما اتفاجأتش.

قالت:

“وأنا كنت فاكرة إننا هنبيع ونقسم.”

“وهو؟”

“كان مرتب كل حاجة.”

بصيت لها.

“وإنتِ؟”

“كنت مجرد طريق.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى