
الجزء الثاني
بعد ما رامي مد إيده وسلم عليها بابتسامة النصر دي، دخل الأوضة في سابع نومة، متخيل إنه زنقها في خانة اليك وإنها خلال عشر أيام بالكتير هتيجي تبوس راسه عشان يرميلها قرشين.
لكن مريم كانت في كوكب تاني خالص.
دخلت أوضة المكتب الصغيرة وقفلت الباب بالمفتاح من سكات. قعدت على المكتب، فتحت اللاب توب، وطلعت الدفتر السلك المتداري جوه درج مقفول؛ الدفتر اللي كانت بتسجل فيه كل مليم بيطلع من البيت من أول يوم اتجوزوا فيه، بحكم طبيعة شغلها في إدارة الحسابات. فتحت كشوفات حساب البنك المشترك على الشاشة، وقدامها كشوفات كروت الائتمان، وفواتير السوبر ماركت، وإيصالات الأقساط.
كانت عارفة إن رامي بيقبض أربعين ألف جنيه في الشهر، وهي مرتبها كان حوالي اثنين وعشرين ألف. يعني نظرياً، الراجل بيقبض الضعف فعلاً، وده الرقم اللي كان نافخ ريشه بيه وسط الشلة. لكن الورق اللي تحت إيد مريم مبيكدبش، والمصيبة إن الورق كان بيقول كلام يفضح المستور.
رامي من أول ما اتجوزوا وهو مقتنع إنه شقيان ومصروفه تقيل على البيت، بس الحقيقة المرة إن رامي مكنش بيبص هو بيصرف إيه وعلى إيه. مريم هي اللي كانت بتدير الميزانية، بتسدد أقساط العربية بتاعته من غير ما يحس بالخنقة، بتدفع اشتراكات البيت، الفواتير، الغاز، الكهرباء، النت، وحتى البقالة كانت بتطلبها بعروض وخصومات وتوفر فيها بالقرش.
بس الكارثة اللي عين مريم وقعت عليها وهي بتراجع حساب كارت المشتريات المربوط بالحساب المشترك بينهما مكانتش مصاريف عادية.
لقيت سحوبات وتحويلات غريبة على مدار التلات شهور اللي فاتوا. فواتير كافيهات فخمة بأرقام تخض؛ قعدة قهوة بألفين جنيه، عشا بسبع آلاف، وفوق كل ده، كان في سحب نقدي متكرر بمبالغ كبيرة، وتحويل شهري ثابت بمبلغ عشرة آلاف جنيه لحساب بنكي تاني خالص.
مريم فضلت باصة للشاشة، ودقات قلبها بتدق في ودنها زي الطبلة. مسكت الموبايل، وفتحت الأبلكيشن بتاع البنك، وراجعت رقم الحساب اللي بيتحوله كل شهر. فتحت سجل محادثات قديمة كانت بينها وبين رامي، واكتشفت المفاجأة: رقم الحساب ده يخص معتز، أخو رامي الصغير!
معتز كان شاب عاطل، مبيكملش في شغلانة أسبوعين على بعض، وكل ما يتزنق يرمي حموله على رامي، ورامي كان بيبعتله ويسددله فواتير مصايبه من فلوس الحساب المشترك اللي مريم بتدب فيه تلتين مرتبها كل أول شهر كتحويشة للمستقبل وللشقة اللي كانوا ناويين يشتروها!
مريم سندت ضهرها لورا، وأخدت نَفَس طويل خرج سخن زي النار. رامي كان بيعمل فيها بطل قومي، وهو في الحقيقة عايش على فلوس مريم اللي بتسند خرم جيبه، وفوق ده كله طالع يتفاصح عليها بكلام محمود المزور!
مسكت القلم، وشطبت على كل حاجة ببرود غريب. قالت في سرها: بقى كده يا سي رامي؟ بتعايرني بلقمتك اللي أصلاً مش باقية منك؟ وحياة أمي لأربيك بالورقة والقلم ومن غير خناقة واحدة.
تاني يوم الصبح، مريم صحيت الساعة ستة، لبست طقم شيك جداً، وحطت ميك اب خفيف، ونزلت على الشغل وهي رايقة على غير العادة. لا عملت فطار، ولا ولعت على شاي، ولا بصت في وشه حتى لما صحي ولقاها خارجة من باب الشقة.
رامي صحي متلخبط، بطنه بتصوصو، والبيت هادي زيادة عن اللزوم. دخل المطبخ، ملقاش فنجان القهوة بتاعه جاهز زي كل يوم. حاول يعمل لنفسه بيض، كسر بيضتين في الطاسة، نص القشر وقع جوه السمنة، ولما جه يقلبهم اتحرقوا وريحة الشياط ملّت الشقة. رماهم في الحوض بعصبية، ساب الطاسة مكانها من غير غسيل، ونزل جري عشان يلحق شغله وهو مبرطم وغضبان.
عدى أول أسبوع، ورامي كان ماشي بمبدأ العند. كان فاكر الموضوع لعبة يومين وخلاص.
مريم كانت مقسمة خطتها زي الساعة السويسرية بالظبط:
* أول خطوة: فتحت حساب بنكي منفصل تماماً باسمها هي بس، وحولت عليه جزء كبير من مدخراتها، وسابت في الحساب المشترك نصيبها العادل بالمليم من مصاريف البيت الأساسية؛ إيجار الشقة، نص فاتورة الكهرباء والنت والمياه، ونص مصاريف الصيانة للبواب.
* تاني خطوة: بطلت تشتري خزين البيت للأسبوعين والشهر زي ما كانت بتعمل. بقت تشتري أكلها هي بس؛ علبة زبادي، سلطة جاهزة، فاكهة، وسندوتشات خفيفة تاكلها في الشركة أو في أوضتها بهدوء.
رامي بقى يرجع كل يوم مهدود، يلاقي التلاجة مفيهاش غير خضار ني عايز طبخ، وعلب مريم الخاصة اللي لازقة عليها ورقة صغيرة بخط إيدها (خاص بمريم).
أول كام يوم، رامي كابر: أنا رامي الباشا، هقعد أتحايل على أكل البيت؟ غوروا إنتو وأكلكم! بقى يفتح أبلكيشنات الدليفري؛ يطلب وجبات برجر فخمة، وبيتزا عائلية، وشاورما، وقهوة كل يوم الصبح في طريقه للشركة.
كل يوم كان بيصرف في الأكل والشرب بس مش أقل من ثمنمية ل ألف جنيه، وهو مش واخد باله. الكارت في إيده وبيدوس دفع من غير ما يبص على الرصيد.
في المقابل، البيت بدأ يضرب يقلب.
مريم كانت بتدخل أوضتها تنضفها، تغير ملايتها، تمسح مكتبها، وبتغسل هدومها هي بس في الغسالة الأوتوماتيك، وتنشرها على المنشر الصغير جوه أوضتها!
أما بقية الشقة؟ الصالة بدأت تترب، الزبالة في المطبخ اتكومت، والحوض اتملى بالأطباق والمعالق اللي رامي بيستخدمها ويرميها فيه، لحد ما ريحة المطبخ بقت لا تطاق. هدوم رامي المتسخة بقت جبال فوق كرسي الأنتريه، قمصان الشغل بتاعته اتكرمشت وبقت ريحتها عرق، ومبقاش لاقي شراب نضيف يلبسه الصبح!
في اليوم العاشر من الشهر، رامي دخل على مريم وهي قاعدة بتقرا كتاب في الصالة، بعد ما فضلت قاعدة قدام التليفزيون بمزاج رايق.
رامي وشّه كان باهت، وقميصه كان مكرمش بطريقة تفضح، وكان باين عليه الإرهاق.
وقف قدامها وقال بنبرة فيها عصبية مدارية: إيه القرف ده يا مريم؟ إنتي شايفة منظر المطبخ عامل إزاي؟ إنتي إزاي مستحملة تقعدي في البيت وهو زريبة كده؟
مريم قفلت الكتاب بهدوء، حطته على رجلها، وبصتله ببرود: والله يا رامي، نص الشقة بتاعي نضيف وبيبرق، أدخل أوضتي كده شم ريحة المعطر. المطبخ بقى مش مسؤوليتي لوحدي، إنت بتاكل وبتشرب وبترمي حاجتك، إيدك مش مكسورة، شيل قرفك ورا نفسك.
رامي صرخ: أنا راجل بشتغل طول النهار! مش هرجع أمسك سلكة مواعين بعد تسع ساعات شغل!
ـ وأنا بشتغل عشر ساعات وبسافر التجمع كل يوم رايح جاي، مش زيك راكب عربيتك. وبعدين مش إنت اتفقت معايا؟ كل واحد يشيل شيلته؟ ولا كلام القهاوي بيطير في الهوا لما بيوصل لحد التنفيذ؟
رامي بلع ريقه، وعينيه لمعت بالغيظ، بس مقدرش يرد عشان الرهان اللي حطه على نفسه. قالها وهو بيجز على سنانه: بسيطة.. أنا مش محتاجك أصلاً، بكرة أطلب واحدة تيجي تنضف البيت وتطبخ وتغسل الهدوم، وماليش دعوة بيكي خالص!
ـ يا ريت، فكرة ممتازة برضه! مريم ابتسمت بخبث، وهي عارفة كويس إن اليومية بتاعة الست اللي بتساعد في البيت بتكلف كام، وإن الدراي كلين اللي تحت العمارة بياخد على القميص والمكواة كام.
تاني يوم، رامي جاب ست تنضف الشقة. الست طلبت في اليوم مبلغ محترم عشان تنضف البلاوي المتراكمة في المطبخ والصالة، وأخدت منه مبلغ تاني عشان تعمل له أكل يكفيه تلات أيام. رامي دفع وهو مبتسم نص ابتسامة قدام مريم، وكأنه انتصر. بعدها لم قمصانه وبدله كلها ونزل وداها الدراي كلين، وخرج دافع مبلغ كبير عشان يغسل ويكوي مستعجل.
مريم كانت بتراقب كل ده وهي بتعد في سرها: تمام يا بطل، كمّل وريني.
المصيبة الحقيقية بدأت تظهر في نص الشهر، وتحديداً يوم ١٧ في الشهر.
رامي قاعد في الشغل، تليفونه رن؛ كان أخوه معتز.
ـ إيه يا رامي يا حبيبي، فينك؟ القسط بتاع الفيزا بتاعتي نازل بكره، ومفيش في جيبي جنيه، عايزك تحولي العشرة آلاف زي كل شهر الله يسترك عشان البنك ميعمليش مشكلة.
رامي، وسط زحمته ورغبته إنه ميبانش ضعيف قدام أخوه، قال له: حاضر يا معتز، نصاية وهحولك من الأبلكيشن.
فتح رامي تطبيق البنك على موبايله عشان يحول الفلوس، بس فجأة عينيه برقت، وضرب كف بكف.
الرصيد في الحساب الجاري كان فيه ألفين وثمانمية جنيه بس!
مسك راسه بإيديه الاتنين: إزاي؟! أنا مرتبي نزل من أسبوعين بس! فين الأربعين ألف جنيه؟!
فتح كشف الحساب وبدأ يقرأ، وبدأ العرق ينزل على جبينه:
* قسط العربية اتخصم أوتوماتيك أول الشهر.
* مصاريف بنزين وطريق.
* سحب نقدي ومطاعم وديليفري وكافيهات في أسبوعين بس بمبلغ كبير!
* فواتير غسيل ومكواة وست النضافة.
* جمعية كان داخل فيها مع زمايله.




