
ـ وإنت فين؟
أشار لنفسه.
ـ هنا.
قلت:
ـ طب ومين دي؟
كان فيه شكل رابع على طرف الورقة.
قال:
ـ دي تيتة.
اتجمدت.
كان يقصد جدته، أمه أميرة.
مراتي اللي ماتت من سنين.
بصيت للرسمة طويلًا.
نوح قال:
ـ ماما قالتلي إنها بتحبنا.
حضنته.
وفضلت ساكت.
لأني في اللحظة دي افتكرت حاجة.
مراتي قبل ما تموت بفترة قصيرة قالتلي:
“خلي بالك من أميرة… هي أمانتك.”
وقتها كنت فاكرها وصية أم.
لكن بعد كل اللي حصل، بقيت أفهم معنى كلامها أكتر.
أميرة مكانتش عايزة تتحكم في حياتي.
ولا كانت عايزة تمنعني من الجواز.
هي كانت بتحاول تحميني.
وفي نفس الوقت، كانت بتحاول تحافظ على بيتنا.
في ليلة من الليالي، أميرة قعدت معايا وقالت:
ـ بابا، إنت ممكن تتجوز تاني.
ابتسمت.
ـ يعني أخد إذنك؟
ضحكت.
ـ لأ.
وبعدين قالت:
ـ بس خد نصيحة بنتك.
ـ قولي.
ـ المرة الجاية، متختارش حد عشان خايف من الوحدة.
سكت.
ـ اختار حد عشان وجوده في حياتك يخليك أهدى.
الكلام دخل قلبي.
لأن ده بالضبط اللي كنت محتاج أفهمه.
الوحدة ساعات بتخلي الإنسان يمسك في أول إيد تمتد له.
مش لأنها الإيد المناسبة.
لكن لأنه تعبان.
وأنا كنت تعبان.
ومحتاج حد.
فأي اهتمام كان بيبان لي حب.
وأي اعتراض كان بيبان لي تهديد.
دلوقتي بقيت أفهم الفرق.
بعد سنة تقريبًا، حياتنا رجعت هادية.
أميرة بدأت شغل جديد.
ونوح كبر شوية.
وأنا بقيت أقضي وقت أكتر معاه.
وكان كل أسبوع تقريبًا ييجي ينام عندي.
وفي كل مرة قبل ما ينام، كان يطلب مني نفس الحكاية.
ـ احكيلي حكاية الفلاشة.
أقوله:
ـ يا ابني إنت سمعتها مية مرة.
يرد:
ـ عايز أسمعها تاني.
وأبدأ أحكي.
لكن كنت دايمًا بغير نهاية الحكاية.
مرة أخليه بطل.
مرة أخلي أميرة بطلة.
ومرة أقول إن البطل الحقيقي هو الصدق.
وفي يوم قال لي:
ـ لأ يا جدو.
ـ نعم؟
ـ البطل إنت.
استغربت.
ـ أنا؟
ـ أيوه.
ـ ليه؟
قال بكل براءة:
ـ عشان سمعتني.
سكت.
الكلمة دي كانت أثقل من أي كلام.
لأن الطفل اللي أنقذني مكانش محتاج مني بطولة.
كان محتاج إني أصدقه.
بس.
وفي النهاية، ده كان كل المطلوب.
إن حد يسمع.
إن حد يصدق إن الطفل ممكن يشوف حاجة الكبار مش واخدين بالهم منها.
إن الأب يصدق بنته حتى لو كلامها مش على هواه.
وإن الإنسان يعرف إن الاعتذار مش ضعف.
أنا اعتذرت لأميرة.
واعتذرت لنفسي.
وعرفت إن بعض القرارات لما بنأجلها، بنخسر حاجات.
لكن بعض القرارات لما بنقف قبلها بثواني، ممكن تنقذ عمر كامل.
أما رانيا، فمشيت من حياتنا.
واللي حصل بعدها أخد طريقه الطبيعي من خلال القانون.
وأنا مكنتش عايز أنتقم.
كنت عايز أقفل الباب.
بس.
لأن الانتقام كان هيفضل رابطني بالحكاية.
وأنا كنت عايز أعيش.
كنت عايز أصحى الصبح من غير ما أسأل نفسي مين بيكدب ومين بيقول الحقيقة.
عايز أقعد مع بنتي من غير ما أحس إنها لازم تثبت لي أي حاجة.
عايز أشوف نوح بيجري في البيت من غير ما أخاف عليه من كلمة أو موقف.
وعايز أرجع أفتكر مراتي من غير ما أحس إني خذلت وصيتها.
وفي يوم، وقفت قدام صورتها.
وقلت:
ـ سامحيني.
وبعدين ضحكت.
ـ بس متقلقيش… أميرة طلعت أذكى مني.
حسيت براحة غريبة.
كأن حمل كبير اتحط من فوق صدري.
مرت الأيام.
وفي عيد ميلاد نوح الرابع، عملنا له حفلة صغيرة في البيت.
لبس بدلة صغيرة شبه البدلة اللي كان لابسها يوم الفرح.
لما شوفته، ضحكت.
قلت:
ـ إيه يا بطل؟ هتخبي فلاشة تاني؟
ضحك وقال:
ـ لأ.
ـ ليه؟
ـ الفلاشة خلصت.
أميرة ضحكت.
وأنا حضنته.
وبعدين بصيت لبنتي.
قلت:
ـ عارفة؟
ـ إيه؟
ـ لو في يوم من الأيام حد قال لي إن أسوأ يوم في حياتي كان يوم فرحي اللي ما تمش…
سكت.
ـ هقوله غلط.
ـ ليه؟
ـ لأنه كان اليوم اللي رجعت فيه لبنتي.
ابتسمت أميرة.
وسندت راسها على كتفي.
وساعتها عرفت إن بعض النهايات مش نهايات.
دي بدايات جديدة.
يمكن الفرح اتلغى.
يمكن الناس اتكلمت.
يمكن ناس قالت إني اتسرعت.
وناس قالت إني اتخدعت.
وناس قالت إن كان لازم أعرف من الأول.
لكن محدش كان عايش جوايا.
محدش كان شايف الوحدة اللي كنت عايشها.
ولا شايف خوفي من إني أكبر لوحدي.
ولا شايف قد إيه كنت محتاج حد يمسك إيدي.
لكن الحياة علمتني إن مش كل إيد تتمد لك لازم تمسكها.
أحيانًا لازم تبص كويس.
وتسأل.
وتسمع.
وتفكر.
وأهم حاجة…
متخليش خوفك من الوحدة يخليك تدخل الشخص الغلط حياتك.
وفي آخر يوم من السنة، كنت واقف في البلكونة.
نوح واقف جنبي.
أميرة في المطبخ.
والبيت مليان صوت وضحك.
بصيت للسما وافتكرت اليوم اللي كنت واقف فيه قدام الكوشة.
افتكرت رانيا.
افتكرت الفلاشة.
افتكرت نظرة نوح.
وافتكرت الجملة اللي قالها:
“هي دي اللي ضربت ماما.”
وقتها فهمت إن ربنا أحيانًا بيبعت لنا النجدة في صورة بسيطة جدًا.
طفل.
كلمة.
مكالمة.
ورقة.
إشارة.
لكن المشكلة إننا ساعات بنكون مشغولين بالحياة اللي رسمناها لنفسنا، لدرجة إننا مش بنشوف النجاة وهي جاية.
أنا كنت فاكر إن فرحتي مستنياني قدام الكوشة.
لكن فرحتي الحقيقية كانت مستنياني في البيت.
مع بنتي.
ومع حفيدي.
ومع راحة البال.
ومع الحقيقة.
ومن يومها، كل ما نوح يسألني:
ـ جدو، إنت ليه مفيش عروسة؟
أضحك وأقوله:
ـ عشان عندي عيلة أغلى من أي عروسة.
فيقول:
ـ أنا؟
أقوله:
ـ إنت وأمك.
فيجري يحضن أمه.
وأنا أبص لهم وأبتسم.
لأن في النهاية…
مش كل فرح بيبدأ بزغروطة، ومش كل فرح بيحتاج فستان أبيض وكوشة.
أحيانًا الفرح الحقيقي يبدأ في اللحظة اللي تكتشف فيها إنك كنت على وشك تمشي في طريق غلط، وربنا وقفك قبل أول خطوة.
وأحيانًا أكبر هدية ممكن تاخدها في حياتك…
تكون كلمة صغيرة من طفل.
كلمة توقفك.
تخليك تبص حواليك.
وتخليك تسأل.
وتخليك تكتشف الحقيقة.
نوح يومها كان عنده تلات سنين.
مكنش يعرف يعني إيه مستندات.
ولا يعني إيه فلوس.
ولا يعني إيه جواز.
ولا حتى كان فاهم ليه الناس متجمعة في القاعة.
لكنه كان عارف حاجة واحدة:
إن أمه كانت خايفة.
وإن جده لازم يعرف.
فمسك إيدي.
وقال لي:
“يا جدو…”
ومن بعدها، حياتي كلها اتغيرت.
وعشان كده…
كل ما أفتكر الحكاية دي، مبتأسفش على الفرح اللي ما تمش.
بالعكس.
بحمد ربنا عليه.
لأن في بعض الأبواب لما بتتقفل قدامنا، بنفتكر إننا خسرنا.
لكن بعد سنين، بنبص ورا ونكتشف…
إن الباب اللي اتقفل كان هو أكتر باب ربنا كان بيحمينا منه.
والحمد لله إن نوح مسك إيدي قبل ما أطلع على الكوشة.



