
قلت:
ـ مش هحكم قبل ما أسمع الكل.
قالت:
ـ عشان كده أنا واثقة فيك.
بعد أقل من نصف ساعة، أميرة دخلت القاعة.
كانت وشها متعب، وفي إيدها شنطة صغيرة.
نوح أول ما شافها جري عليها.
ـ ماما!
حضنته.
وبعدين بصت لي.
عينيها كانت مليانة دموع.
جريت عليها وحضنتها.
ـ سامحيني.
قالت:
ـ على إيه؟
ـ إني مصدقتكيش.
فضلت ساكتة.
وبعدين قالت:
ـ أنا مكنتش عايزة أخسرك يا بابا.
قلت:
ـ وأنا كنت ممكن أخسرك عشان كنت فاكر إني بحمي حياتي الجديدة.
رانيا كانت واقفة بعيد.
أميرة بصت لها.
وسكتت.
رانيا قالت:
ـ أنا عايزة أتكلم.
قلت:
ـ اتكلمي.
ـ أنا غلطت.
القاعة كلها سكتت.
ـ غلطت إني اتدخلت في علاقتك ببنتك.
أميرة بصت لها.
رانيا كملت:
ـ بس عمري ما كنت عايزة أأذيها.
أميرة ردت:
ـ يبقى ليه كنتِ بتقولي لي لو فضلت أتكلم مع بابا، هتخليه يبيع البيت ويبعدني؟
رانيا سكتت.
أنا بصيت لها.
ـ إنتِ قلتي كده؟
مردتش.
أميرة قالت:
ـ وقولتي لي إن لو اتجوزك، أنا مش هكون ليّا مكان في حياته.
رانيا بدأت تبكي.
ـ كنت خايفة.
ـ من إيه؟
ـ أخسر حاتم.
أنا اتوجعت من الكلمة.
مش لأنها بتحبني.
لكن لأنها قالتها كأن الخوف من خسارتي كان مبررًا إنها تخسر بنتي.
قلت:
ـ كان ممكن تقوليلي.
قالت:
ـ كنت فاكرة إن أميرة هتفرق بينا.
رديت:
ـ وأنا كنت المفروض أوقف ده من أول يوم.
رانيا مسحت دموعها.
ـ يعني خلاص؟
بصيت لها.
كنت قبل ساعات مستعد أبدأ معاها حياة جديدة.
دلوقتي كنت حاسس إني أول مرة أشوفها بجد.
قلت:
ـ أيوه.
سألت:
ـ هتسيبني؟
قلت:
ـ كتب الكتاب مش هيتم.
سكتت.
وبعدين قالت:
ـ حاتم…
قاطعتها:
ـ أنا مش هتجوز واحدة خلت بنتي تخاف مني.
رانيا سكتت.
وبعدين خرجت من القاعة.
الفرح اتحول في دقائق من زغاريد وضحك لصمت ثقيل.
الناس بدأت تمشي واحدة ورا التانية.
وأنا فضلت واقف.
أميرة قعدت جنبي.
نوح نام على رجلها.
بصيت له.
الطفل الصغير ده هو اللي وقفني قبل ما أرتكب أكبر غلطة في حياتي.
قلت لأميرة:
ـ هو كان يعرف كل ده؟
ابتسمت وهي بتمسح على شعره.
ـ نوح شاف رانيا وهي بتزعقلي مرة.
ـ وإنتِ ليه ما قلتيليش؟
ـ قلت لك.
ـ إمتى؟
ـ كذا مرة.
سكت.
قالت:
ـ بس كنت دايمًا بتقول إن رانيا مش ممكن تعمل كده.
حطيت إيدي على وشي.
ـ أنا آسف.
أميرة حطت إيدها على إيدي.
ـ المهم إنك سمعتني في الآخر.
بعد يومين، فتحت ملف الأوراق كله مع محامي.
واتضح إن الموضوع أكبر من مجرد مشاكل عائلية.
كان فيه محاولات لتعديل بعض المستندات، وضغوط على أميرة، وأوراق محتاجة مراجعة قانونية.
والفلاشة كانت فيها نسخ من محادثات وتسجيلات وصور ومستندات كانت أميرة محتفظة بيها احتياطيًا.
لكن أميرة ما كانتش عايزة تنتقم.
كانت عايزة تحميني.
وأنا كنت فاكر إنها بتحاربني.
بعد فترة، الإجراءات الرسمية أخدت مجراها، وكل طرف اتصرف من خلال القانون.
أنا مشيت بعيد عن الحكاية كلها.
وغيرت مفاتيح البيت.
وراجعت كل أوراقي.
والأهم…
رجعت علاقتي ببنتي.
وفي يوم، بعد شهور من اللي حصل، كنت قاعد في البلكونة.
نوح جه جري عليا.
وقال:
ـ جدو!
ـ نعم يا بطل؟
ـ أنا أنقذتك.
ضحكت.
ـ إنت؟
هز راسه بفخر.
ـ أيوه.
ضحكت أكتر وحضنته.
ـ أيوه يا سيدي… إنت أنقذتني.
أميرة كانت واقفة على باب البلكونة.
ابتسمت وقالت:
ـ هو فاكر نفسه بطل القصة.
بصيت لها وقلت:
ـ لا.
وسكت شوية.
ـ هو فعلًا بطلها.
قعدت جنبي.
وبصينا لنـوح وهو بيلعب.
قلت لها:
ـ عارفة أكتر حاجة وجعتني؟
ـ إيه؟
ـ إني كنت محتاج طفل عنده 3 سنين عشان أفهم حاجة كان المفروض أفهمها من زمان.
قالت:
ـ إيه؟
بصيت لها.
ـ إن اللي بيحبني بجد مش هيطلب مني أختار بينه وبين بنتي.
وسكتنا.
وبعدها حضنتها.
في اليوم اللي كان المفروض يكون يوم فرحي…
مرجعتش البيت بعروسة.
لكن رجعت بحاجة أهم.
رجعت ببنتي.
ورجعت بثقتها.
ورجعت وأنا فاهم إن بعض الأبواب لما بتتقفل في وشنا، بنزعل عليها…
وبعدين نكتشف إنها كانت بتحمينا من مصيبة أكبر.
أما نوح…
ففضل بعدها كل ما يشوفني يقول:
“جدو… متصدقش أي حد بسرعة.”
وأنا كنت أضحك وأقوله:
“حاضر يا كبير العيلة.”
لكن جوايا كنت عارف إن طفل صغير، ببدلة رمادي ورباط جزمة مفكوك، علّمني في يوم واحد درس عمر كامل:
مش كل اللي بيبتسم لك بيحبك، ومش كل اللي يحذرك بيكرهك… وأحيانًا الحقيقة بتستخبى في إيد طفل صغير، مستني منك بس إنك تسمعها.
مرت شهور طويلة من يوم الفرح اللي ما تمش، لكن اليوم ده فضل محفور في دماغي كأنه حصل امبارح.
كل ما أفتكر وقوفي قدام الكوشة، والناس حواليّا مستنية الزغاريد، ورانيا واقفة بفستانها الأبيض، ونوح ماسك إيدي وبيهمسلي: “هي دي اللي ضربت ماما”… بحس بقشعريرة في جسمي.
لأن الحقيقة إن لو نوح ما اتكلمش في اللحظة دي، كانت حياتي كلها ممكن تاخد طريق تاني.
كنت هكتب كتابي على واحدة معرفتش حقيقتها غير في آخر لحظة.
وكنت هخسر بنتي أكتر.
ويمكن كنت هصحى بعد شهور أو سنين وأكتشف إن كل حاجة كنت فاكرها حب واهتمام كانت مجرد ستارة متغطية وراها حاجات أنا مكنتش شايفها.
بعد اللي حصل، أول حاجة عملتها إني قعدت مع أميرة لوحدنا.
مكنتش عايز محامي، ولا أهل، ولا حد من العيلة.
كنت عايز أسمع بنتي.
بنتي اللي فضلت شهور تحاول توصل صوتها لي وأنا كل مرة كنت بقفل وداني.
قعدنا في الصالة القديمة في بيتنا.
نفس البيت اللي كنت دايمًا بعتبره أمان.
بصيت لها وقلت:
ـ احكيلي كل حاجة من الأول.
أميرة سكتت فترة طويلة.
وبعدين قالت:
ـ بابا، أنا مش عايزة أكرهك في رانيا.
ـ وأنا مش عايزك تكرهيها.
ـ أنا مش بتكلم عنها.
ـ أمال؟
قالت:
ـ أنا بتكلم عنك.
استغربت.
ـ عني أنا؟
هزت راسها.
ـ أنا عارفة إنك كنت محتاج حد جنبك.
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي اتهام.
لأنها كانت فاهمة وحدتي.
فاهمة إني بعد وفاة أمها بقيت برجع البيت ألاقيه ساكت.
فاهمة إني كنت محتاج أتكلم مع حد.
فاهمة إني كنت خايف أقضي باقي عمري لوحدي.
قالت:
ـ عشان كده أنا حاولت أتقبل رانيا.
ـ بس إنتِ رفضتيها من أول يوم.
ـ لأ.
رفعت عيني لها.
ـ أنا رفضت الطريقة اللي دخلت بيها حياتك.
سكت.
كملت:
ـ من أول ما عرفتها، كانت بتحاول تعرف كل حاجة عن البيت والحسابات والأوراق. كنت فاكرة في البداية إنها فضول عادي. لكن بعد كده بدأت أسأل نفسي: ليه كل الكلام عن الفلوس والممتلكات؟
كنت ساكت.
قالت:
ـ ولما سألتها مرة، قالتلي إني مش فاهمة في الدنيا.
وبعدين ابتسمت بحزن.
ـ أنا صدقتها.
ـ صدقتيها؟
ـ أيوه… صدقتها يومين.
ـ وبعدين؟
ـ بدأت ألاحظ.
حكت لي كل حاجة.
مشاهد صغيرة كنت شايفها عادية.
كلمة هنا.
مكالمة هناك.
أسئلة عن البيت.
أسئلة عن الأوراق.
محاولات لمعرفة تفاصيل حسابات.
ومرات كانت رانيا بتدخل في كلام بيني وبين أميرة من غير ما حد يطلب منها.
وفي كل مرة كنت بفسر الموضوع بطريقة مختلفة.
“رانيا خايفة عليا.”
“رانيا عايزة تتقرب من بنتي.”
“أميرة حساسة.”
“يمكن أميرة مش متقبلة الجواز.”
لكن الحقيقة كانت أبسط.
أنا كنت بسمع اللي يريحني.
ومش بسمع اللي يخوفني.
وأصعب اعتراف عملته لنفسي كان إني كنت عايز أصدق إن رانيا هي بداية جديدة.
وعشان كده كنت مستعد أتجاهل كل حاجة ممكن تعطل البداية دي.
بعد ما خلصت أميرة كلامها، قلت:
ـ ليه مخبيتي الفلاشة عند نوح؟
ابتسمت لأول مرة.
ـ عشان كنت عارفة إنك هتسمع له.
ضحكت رغم حزني.
ـ يعني إنتِ استغليتي نقطة ضعفي؟
ـ أيوه.
ـ يا بنتي!
ضحكت.
وقالت:
ـ نوح بيقدر يوصلك في ثانية.
وبعدين بصت لي بجدية.
ـ وأنا كنت خايفة لو الفلاشة معايا، حد ياخدها.
ـ كنتِ خايفة من مين؟
سكتت.
ـ من رانيا؟
هزت راسها.
ـ كنت خايفة من أي حد ممكن يعرف إني محتفظة بأدلة.
قلت:
ـ كان لازم تقوليلي.
قالت:
ـ كنت بقول لك يا بابا.
ـ أنا عارف.
ـ لأ، إنت دلوقتي بس عرفت.
الجملة دي فضلت ترن في ودني أيام.
“إنت دلوقتي بس عرفت.”
بعدها بفترة، بدأت أرتب حياتي من جديد.
مش زي الأول.
المرة دي من غير استعجال.
راجعت كل أوراقي.
قفلت أي صلاحيات مش محتاجها.
وخليت كل حاجة واضحة ومكتوبة.
مش عشان أنا بقيت شكاك.
لكن عشان فهمت إن حسن النية لوحده مش كفاية.
لازم الواحد يكون واعي.
وفي نفس الوقت، قررت إني مش هخلي اللي حصل يخليني أقفل قلبي.
لأن الغلط مش في الحب.
الغلط إن الإنسان يلغي عقله عشان يحب.
وبعد حوالي ست شهور، حصل موقف صغير لكنه غير حاجة جوايا.
كنت رايح أجيب نوح من الحضانة.
لقيته واقف مستنيني، وفي إيده رسمة.
قال:
ـ جدو، دي ليك.
بصيت للرسمة.
كانت رسمة غريبة.
ثلاث أشخاص ماسكين إيد بعض.
أنا.
وأميرة.
ونوح.
وفوقهم شمس كبيرة.
ضحكت.



