روايات وقصص

خطيبي روماني 1

قالت كلماتها وتركته جثواً على الأرض بين ذهوله ودموعه وضحكات الجيران الشامتة في خلفية المشهد. صعدت إلى شقتها، ودخلت غرفتها لتستعد لليوم التالي؛ اليوم الذي سيتقدم فيه طارق رسمياً، الرجل الذي رأى جوهرها وقيمتها، وقبل أن يتطلع لجمالها الخارجي، احترم شقاءها وأصلها الطيب.

وقفت مريم أمام المراية، ابتسمت لنفسها ابتسامة نصر حقيقية، أغلقت الستائر على الشارع المظلم في الأسفل حيث كان حازم يلملم خيبته ويمشي بخطوات مكسورة، معلنة بداية فصل جديد تماماً في حياتها، فصل لا مكان فيه للضعف أو للذين يقيّمون القلوب بقشور الوجوه.

أشرقت شمس اليوم التالي محملة بعبير جديد ودانت لبيت مريم نغمة استثنائية من البهجة والارتياح. كانت الشقة تفوح برائحة البخور والورد، والديكورات البسيطة تضفي دفئاً على المكان، بينما كانت مريم تقف أمام مرآتها في غرفتها، ترتدي فستاناً هادئاً باللون الأزرق الملوكي ينسدل بنعومة على جسدها المتناسق، ومكياجاً رقيقاً يبرز صفاء بشرتها المشرقة وبريق عينيها الواثقتين.

لم تكن هذه التجهيزات لمجرد استقبال خطيب جديد، بل كانت احتفالاً بذاتها التي رممتها من الرماد، وبكرامتها التي استردتها بكامل الكبرياء. على الجانب الآخر من الشارع، كان حازم يقبع في شقته كالمعتوه، الستائر مغلقة، والغرفة غارقة في الظلام والبعثرة. كان يجلس على حافة سريره، يعتصر هاتفه بين يديه، وعيناه المحمرتان تنظران عبر ثقب الستارة إلى مدخل بناية مريم. كان ينظر إلى العمال وهم يدخلون باقات الزهور الكبيرة، وشعور بالفقد والخصاء النفسي يقطع أحشاءه. كانت الفكرة التي تطارده كالكابوس هي أن رجلاً آخر سيمسك يد مريم، رجلاً آخر سيتغزل بنضارتها وأنوثتها التي طالما غفل عنها وقابلها بالقسوة والجفاء.

في تمام الساعة السابعة مساءً، توقفت سيارة سوداء فارهة أمام بناية مريم. نزل منها المهندس طارق برفقة والده ووالدته. كان طارق رجلاً ثلاثينياً، يفيض بالرزانة والوسامة المتزنة، تعلو وجهه ابتسامة دافئة ونظرات تنطق بالاحترام والتقدير. صعدت العائلة إلى المنزل، وكان الاستقبال بحفاوة بالغة من والدة مريم وأقاربها.

عندما دخلت مريم الصالون تحمل صينية الضيافة، وقفت القلوب في الغرفة من جمال حضورها. لم تكن مجرد فتاة حسناء، بل كانت امرأة تشع بالثقة والأصل الطيب. نظرات طارق لها لم تكن نظرات تقييم أو شهوة قشور، بل كانت عيناه تلمعان بتقدير حقيقي لرقيها ورزانتها.

جلس طارق بجوارها بعد أن أذن له الجميع، وبدأ الحديث بنبرة رجولية هادئة تحمل كل معاني التقدير: “يا مريم.. أنا سمعت عنك كتير من أمي وقرايبنا، سمعت عن شقاكِ، وعن أصلك الطيب، وعن شهامتك مع أهلك. والنهاردة لما شفتك، عرفت إن الكلام كان قليل جداً في حقك. أنا مش جاي أدور على عروسة وخلاص، أنا جاي أطلب إيد إنسانة يشرفني تكون شريكة حياتي وأم أولادي، إنسانة أشيلها على رأسي وأقدر كل لحظة تعب عاشتها.”

كانت كلمات طارق تقع على قلب مريم كالبلسم الشافي، تمسح آخر آثار الندوب التي تركها كلام حازم المسموم. ابتسمت مريم بوقار، وقالت بصوت ناعم ومستقر: “شكراً لكلامك يا باشمهندس طارق.. اللي بيقدر معدن الإنسان وبيحترم ظروفه، هو اللي يستاهل يتقفل عليه باب واحد.”

وفي الوقت الذي كان يتم فيه الاتفاق بين العائلتين وسط زغاريد الفرح وأجواء البهجة، كان حازم يدور في الشارع كالمجنون. لم يتحمل منظر أضواء شقة مريم ولا أصوات الضحكات الخافتة التي تصل إلى الشارع. جمع كل قوته المتبقية، وسار بخطوات مضطربة نحو البناية، مصمماً على أن يفسد هذا اللقاء، أن يصرخ أو يفعل أي شيء يعيد به مريم إلى ملكيته التي خسرها بأحمق التصرفات.

صعد حازم السلم بسرعة، وعندما وصل إلى باب الشقة، وقف يلهث والغل ينهك صدره. رفع يده ليدق الباب بقوة، لكن قبل أن تلمس يده الخشب، انفتح الباب فجأة! كان طارق ووالده يهمان بالخروج للترتيب لبعض الأوراق مع والد مريم.

وقف حازم مبهوتاً، وعيناه تلتويان بين طارق بحضوره الهادئ والواثق، وبين مريم التي كانت تقف في الخلفية بجوار والدتها، تبتسم بجمال ساحر وأناقة لا توصف. نظر طارق إلى حازم باستغراب، مشيراً إلى هيئته المزرية وعينيه المرتعشتين، ثم التفت إلى مريم وسألها بهدوء: “في حاجة يا مريم؟ مين الأستاذ؟”

تقدمت مريم بخطوات هادئة وثابتة، وقفت بجانب طارق، ونظرت إلى حازم بنظرة باردة خالصة من أي عاطفة، نظرة جعلت حازم يشعر أنه أصغر من الهباء. وقالت لنفسها قبل أن تنطق: “جاء الوقت الذي تسدد فيه الفاتورة بالكامل يا حازم.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى