روايات وقصص

خطيبي روماني

مرّت الأيام متتابعة، وجاءت الليلة التي طال انتظارها؛ ليلة الزفاف. كانت القاعة المنسقة على أعلى مستوى تتلألأ بالأضواء الدافئة، وأصوات الموسيقى المبهجة تعزف ألحان الفرح والكرامة. دخلت مريم القاعة كالملكات، ترتدي فستان زفاف أبيض ناصعاً، متفصلاً على قوامها الممشوق ببراعة ساحرة، ينسدل بجمال ورقة، بينما كان حجابها المنور ومكياجها المتقن يبرزان نضارة وجهها الصافي وعينيها اللتين تتألقان بثقة ونور.

كان طارق يقف في انتظارها عند أول الممر، وما إن اقتربت منه حتى دمعت عيناه من شدة الإعجاب والفخر، انحنى وقبّل رأسها باحترام ورجولة، ثم أمسك يدها بثبات وقوة كمن يحمل أغلى كنز في حياته.

كانت مريم تتنفس السعادة بكل جوارحها، تشعر أن كل قطرة عرق شقتها في الماضي، وكل حرقة دموع ذرفتها يوم الإهانة، قد عوضها الله عنها بعز وحب وقدر رفيع.

أما في الجانب الآخر من المدينة، وفي تلك اللحظات بالذات، كان حازم يتخبط في شوارع الحي المجاورة للقاعة كالمجاذيب. لم يستطع البقاء في بيته، ولا تحمل صوت أمه وهي تبكي على حاله. كان يسير بخطوات مكسورة، ذابلاً، شاحب الوجه، يرتدي معطفاً متهالكاً، يجر قدميه في البرد القارس وهو يتخيل تفاصيل الحفل التي نقلها له أصدقاؤه رغماً عنه.

دفعه جنونه وندمه المشتعل إلى أن يسير حتى وصل إلى المحيط الخارجي للقاعة. وقف خلف الأسوار الحديدية الخارجية، يحتمي بظلال الأشجار المظلمة، وعيناه المحمرتان تتطلعان عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة الضخمة. رآها.. رآها وهي تتوسط القاعة في رقصتها الأولى مع طارق.

رآها تضحك من أعماق قلبها، وتضع رأسها على صدر طارق بأمان مطلق. رأى كيف يطوقها طارق بذراعيه بحماية وحب، وكيف ينظر إليها الجميع بأعجاب وانبهار شديدين. في تلك اللحظة، امتدت يد حازم المرتعشة لتمسك بالسور الحديدي القاسي، وانهمرت دموعه الساخنة تحرق وجنتيه الجافتين.

كانت الكلمات القاسية التي ألقاها عليها في ليلة مرضها تتردد في ذهنه كالمطارق: “بقيت أنفر منك.. ومش شايف فيكِ أي أنوثة ولا بتشديني نهائي!”

عصر قلبه الندم القاتل؛ الفتاة التي نعتها بالنفور لأنها أُجهدت وشقت لبناء بيتهما، أصبحت الآن عروساً كالفراشة، تضج بالأنوثة والجمال، ولكن في أحضان رجل آخر عرف كيف يقرأ معدنها ويحترم شقاءها.

حاول حازم أن يرفع صوته، أن ينادي باسمها من خلف السور علّها تلتفت، لكن صوته خرج حشرجة خافتة ماتت في حلقه من شدة البكاء والكسرة. وفجأة، وأثناء دوران مريم مع طارق في الرقصة، اتجهت نظرتها بالصدفة نحو النافذة الزجاجية المطلة على الحديقة الخارجية.

لفت انتباهها ظل شخص يقف خلف السور في الظلام. توقفت مريم لثانية واحدة، وضيّق العروس عينها لتتعرف على ذلك الشبح الواقف في البرد. ورأته.. رأت حازم بمنظره المزرِي، بدموعه ونشيجه المكسور وهو يرجوها بعينيه من بعيد. لكن مريم لم تتأثر، ولم يرف لها جفن، ولم يتغير إيقاع قلبها.

ابتسمت ابتسامة هادئة وثابتة، ابتسامة امرأة أدركت قدرها وعرفت قيمتها، ثم رفعت يدها الناعمة المتأنقة بالإكسسوارات البراقة، ووضعتها فوق يد طارق، ومالت برأسها على كتفه بكامل الدلال والأناقة، محولة نظرها عنه تماماً لتغرق في عيني زوجها. كان تصرفها هذا بمثابة القشة التي كسرت ظهر حازم بالكامل.

أدرك أن وجوده، وندمه، وبكاءه، وحتى موته، لن يغير شيئاً في واقع أنها تجاوزته إلى الأبد، وأن صفحته قد طُويت ورُميت في سلة المهملات. سقط حازم على ركبتيه فوق التراب الندي خارج السور، يغطي وجهه بيديه المرتعشتين وينحب بحرقة صامتة، بينما كانت أصوات الزغاريد والموسيقى تتعالى داخل القاعة، معلنة بداية الحياة الجديدة لمريم، وتاركة حازم يكتوي بنار خطيئته التي لا تنطفئ.

مرّ عام كامل على تلك الليلة التي انطوت فيها صفحة الماضي بكامل آلامها. كانت حياة مريم تتدفق بنعومة ودفء في منزلها الجديد، بيتٌ لم تكن جدرانه مجرد حجارة وطلاء، بل كانت حصناً ممتلئاً بالحب والاحترام والأمان.

استقرت مريم في حياتها الجديدة مع طارق، الذي لم يزداده المضيّ في الزواج إلا دلالاً واهتماماً بها. حافظت مريم على ذاتها، على نضارتها، ورشاقتها، وثقتها القوية التي ولدت من رحم القسوة القديمة، لكنها هذه المرة لم تكن تفعل ذلك لتثبت شيئاً لأحد، بل لأنها أحبت المرأة التي أصبحت عليها.

كانت تجلس في شرفتها المطلة على حديقة هادئة، ترتدي فستاناً ناعماً باللون الوردي المطفى، تحتسي قهوتها الدافئة، وبشرتها تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبية كأنها قطعة من حرير، وعيناها تفيضان بالسكينة. وفي إحدى الصباحات، تلقت مريم خبراً أضاء حياتهما بأكملها؛ كانت تحضر مفاجأة لزوجها طارق لتعلمه بأنها تحمل في أحشائها طفلهما الأول. كانت السعادة تغمرها، وتشعر بأن كل خطوة شقاء خطتها في طريقها القديم، وكل كلمة قاسية تجرعتها، كان الله يعوضها عنها بعز لا ينتهي وحب لا يذبل.

وفي الوقت الذي كانت مريم تخطط فيه لمستقبل مشرق وأمومة هانئة، كان حازم يعيش في قاع المأساة التي صنعها بيده. تدهورت حالة حازم النفسية والصحية بشكل مريع على مدار ذلك العام. أصبح رجلاً ثلاثينياً يبدو وكأنه في الخمسين من عمره؛ شعره تخلله الشيب الباكر، عيناه غائرتان تحيطهما هالات سوداء كئيبة، وجسده الذي كان يباهي به نحُل وانحنت كتفاه تحت ثقل الندم. ترك حيه القديم بعد أن أصبح أضحوكة بين الجميع، وانتقل مع والدته إلى شقة بالإيجار في حي ناءٍ، لكن الشوارع الجديدة لم تستطع أن تبعد عنه أطياف خطيئته.

حاولت والدته بكل الطرق أن تزوجه من إحدى قريباته لتخرجه من مظلمة العزلة، وبعد إلحاح شديد وسكوت تام منه، وافق على الخطوبة رغبة في العثور على طوق نجاة، علّه يجد في غيرها ما ينسيه مريم.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى