
وفي يوم الشبكة، كان حازم يجلس في بيت خطيبته الجديدة، رجل بلا روح، ينظر إلى الأرض بجفاء. وعندما طُلِب منه أن يلبس عروسه الخاتم، رفع عينيه الذابلتين لينظر إلى وجهها. كانت فتاة بسيطة، لكن عينيه لم تريا سوى المقارنة القاتلة. لم يَرَ في وجهها نضارة مريم، ولا في حضورها كبرياء مريم، ولا في عينيها بريق مريم الذي حُرِم منه للأبد. في تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت العروس تبتسم له، تذكر حازم ليلة الهاتف المظلمة، يوم صرخ في مريم وهي مريضة: “بقيت أنفر منك.. ومفكيش ريحة الأنوثة!”
شعر حازم بغصة خناق تجتاح حلقه، وبرودة تسري في أطرافه. سحب يده بسرعة ووقف فجأة وسط ذهول الحاضرين، ونظر إلى الحضور بعينين زجاجيتين ملؤهما الرعب والحسرة. لم يستطع النطق بكلمة واحدة، بل استدار وخرج يركض من الشقة، تاركاً أمه والجميع في ذهول وصدمة.
ركض حازم في الشارع البارد، والأمطار الخفيفة تتساقط على وجهه وشعره المبعثر. كان يصرخ في سره بكاءً ونحيباً، مدركاً الحقيقة المرّة التي سترافقه حتى مماته: إنه لن يستطيع أن يحب امرأة أخرى، ولن يرى الجمال في أي وجه، لأن العقاب الأبدي الذي حُكِم به عليه هو أن يظل أسير الذكرى، أن يرى مريم في كل امرأة، وأن يذكر في كل لحظة كيف ألقى بالجوهرة في التراب لتلتقطها يدٌ تعرف قدرها.
وفجأة، توقف حازم عند تقاطع الشارع، يلهث والتعب ينال من جسده المنهك. رفعت عينيه إلى السماء والدموع تخالط ماء المطر على خديه، يعتصر قلبه ألم الندم القاتل، بينما كانت مريم في نفس هذه اللحظة تضع يد طارق على بطنها بحب حار، يبتسمان معاً لمستقبل جديد، أُغلقت فيه أبواب الماضي القاسي بالكامل، واستقرت على عتبته أحكام القدر العادلة.
مرّت أعوام قليلة، واكتملت لوحة العوض في حياة مريم لتغدو قصّة يتردد صداها بين كل من عرفها. كانت تقف في شرفة شقتها الواسعة، ترتدي فستاناً أبيضَ هادئاً كأنما يُنسج من الضوء، وشعرها ينثال على كتفيها بنعومة، بينما كانت تداعب طفلها الصغير الذي يحمل ملامح والده الرزينة.
جاء طارق من خلفها، وحاطهما بذراعيه بلمسة أمان ودلال، ينظر إليها ببريق حبه المعهود ويطبع قبلة دافئة على رأسها، مكرراً كلمته التي لم تتغير مع الأيام: “إنتِ نِعمتي وعزي يا مريم.”
عاشت مريم في رغد العيش وراحة البال، ليس لأنها جمّلت مظهرها فحسب، بل لأنها قدّرت روحها أولاً، وعرفت أن الكرامة هي تاج الأنوثة الحقيقي. استعادت نضارتها وجمالها وصحتها، وعاشت ملكة في بيت رجلٍ أدرك أن الجوهرة الأصيلة تُصان وتُرفع، ولا تُقاس بقشور الأيام ولا بلفحات الشقاء.
أما حازم، فقد أصبحت حياته جحيماً سرمدياً لا ينتهي. عاش بقية أيامه جسداً بلا روح، هائماً في شوارع الندم، يُعاقب بأصعب أشكال العقاب؛ عقاب العقل الذي لا يكف عن التفكير، والقلب الذي لا يكف عن النزيف. لم يتزوج، ولم تجد السكينة طريقاً إلى صدره. كان كلما رأى امرأة مجهدة في الطريق، تذكر ليلة قسوته وجفائه، وكلما رأى حسناء ترفل في عزها، تمثلت له مريم بجمالها الأخير وبشرتها النضيرة، ليرن في أذنيه صدى صوته القاسي، ويتجرع مرارة الخيبة التي صنعها بيده.
صار حازم عبرة لمن يحسبون أن المشاعر لعبة، وأن الوفاء يُقابل بالغدر والاستعلاء.
الحكمة:
تتجلّى حكمة هذه القصة في أن “الكرامة هي القوام الحقيقي للجمال، والعزة هي جوهر الأنوثة”.
الجمال قشرة، والمعدن هو الأثر: إن الرجل الذي يعمى عن أصل المرأة وشهامتها وشقائها لأجله، ولا يرى فيها سوى ظواهر القشور، هو رجل لا يستحق أن يبني بيتاً؛ لأن الأحداث والسنوات والمرض تبتلي الأجساد، ولا يبقى سوى جمال الروح والأصل الطيب.
الكسر في أوقات الضعف جريمة لا تُغتفر: أن تطرق على جرح إنسان وهو مريض أو مجهد، وأن تعايره بآثار التعب الذي تحمله لأجلك، هو تجرد من الإنسانية والمرؤة. والضربات التي تُوجه للقلوب في لحظات ضعفها تقتلها تماماً، ولا تنفع معها اعتذارات المتأخرين.
الرفعة أبلغ رداً من الانتقام: لم يكن نهوض مريم واهتمامها بنفسها انتقاماً من حازم، بل كان “استرداداً لذاتها”. إن أصلح صفعة تُوجه لمن استهان بك، ليس بالشجار ولا بالسبّ، بل بأن تتطور، وتنجح، وتزداد تألقاً وكرامة، حتى يراك من أعلى، ويستوعب أنه كان يمتلك كنزاً ثميناً فرط فيه بأبخس الأثمان.
العدل الإلهي في العوض: من ترك شيئاً لله عز وجل، صائناً لكرامته ونفسه، عوضه الله بأفضل منه. القسوة التي ظنت مريم أنها نهايتها كانت في الحقيقة بدايتها الحقيقية لتعرف قدر نفسها، وليُساق إليها رجلٌ يرى في شقائها القديم شرفاً، وفي جمالها الحاضر نعمةً يصونها إلى الأبد.




