روايات وقصص

خطيبي روماني 1

مرت الأيام التالية ثقيلة على حازم، لم يكن يستطيع النوم أو ممارسة حياته الطبيعية. صورة مريم بالفستان الأنيق، ببريق عينيها وبشرتها الصافية كشمس الصباح، كانت تطارده في كل لحظة. ترك عمله لعدة أيام، وأصبح يقضي معظم وقته في مقهى الشارع يراقب مدخل بنايتها، علّه يلمح طيفها، أو يحظى بفرصة لينظر في عينيها علّ الجليد يتداعى.

لكن مريم كانت أذكى من أن تمنحه حتى متعة رؤيتها؛ كانت تخرج لعملها الجديد الذي تقدمت إليه مؤخراً بكامل أناقتها وحضورها في أوقات متغيرة، متجاهلة وجوده تماماً وكأنه كائن أثيري لا يرى ولا يُحس. في أحد الأيام، وبينما كانت مريم تجلس في صالة المنزل برفقة والدتها، رن جرس الباب.

فتحت الأم لتجد والدة حازم تقف على العتبة، وعلى وجهها علامات الانكسار والحرج. دخلت السيدة واعتذرت بكلمات مضطربة، ثم انهمرت في الدموع وهي ترجو مريم ووالدتها أن يمنحا ابنها فرصة أخيرة. قائلة بنبرة توسل: “يا مريم يا بنتي، حازم هيموت، بقاله أسبوع ما بيدخلش جوه جوفه لقمة، وبيبكي بالدموع زي الأطفال. عارف إنه غلط، وجاي يبوس إيدك ورأسك قدام المنطقة كلها.. سامحيه يا بنتي، المسامح كريم، وإحنا أهلك وناسك.”

خرجت مريم من غرفتها بخطوات هادئة، كانت ترتدي ثوباً بيتياً أنيقاً يبرز رشاقتها ونضارتها. جلست أمام والدة حازم بكل احترامات الأدب، لكن عينيها كانتا حزمتين من الصلابة. قالت بصوت هادئ ونبرة قاطعة لا تحتمل الجدال: “يا طنط، حضرتك على رأسي من فوق، ولكِ كل التقدير والواجب. بس حازم ما كسنيش أنا بس، حازم كسر الحرمة والأمان اللي بين أي اتنين مقبلين على بيت. ابنك نفر مني وأنا مريضة، ده مش غلطة لسان، ده كشف عن معدن. اللي ينفر من مرضي وشقايا، ما يستهلش يفرح بجمالي وعافيتي. الموضوع انتهى، والرجوع بقى أبعد له من النجوم.”

حاولت السيدة الاستعطاف مجدداً، لكن موقف مريم الصارم والمدعوم بابتسامة كبرياء غير قابلة للكسر جعل السيدة تدرك أن الباب قُفل بالضبّة والمفتاح، فخرجت تجر أذيال الخيبة لتنقل الخبر لابنها الذي كان ينتظر على أحر من الجمر في المقهى المقابل.

عندما علم حازم برفض مريم القاطع لرجاء أمه، جن جنونه. شعر أن الأرض تسحب من تحت قدميه، وبات يتملك منه خوف مرعب من أن تضيع منه للأبد، خصوصاً بعدما وصلت إليه تسريبات عن طارق؛ المهندس الوسيم والناجح الذي تقدم لخطبتها رسمياً وعائلته تجهز للزيارة الرسمية.

في مساء اليوم التالي، كانت مريم عائدة من مركز العناية بالبشرة بعد جلسة اهتمام دورية. كانت تمشي بخطوات واثقة، وجهها يفيض بالحيوية، وعطرها الهادئ يسبقها في الممر الصغير المؤدي لمنزلها. وفجأة، خرج حازم من بين ظلال الأشجار على جانب الشارع، واستوقفها بعنف، وعيناه غائمتان بالدموع والغضب والمشاعر النفسية.

“مريم! اسمعيني للآخر، ومش هسيبك تمشي المرة دي!” قالها بصوت ملؤه التهديد والرجاء الممتزجين. وقفت مريم دون أن ترف لها جفن، لم تفزع ولم تتراجع، بل رفعت حاجبها بنظرة استخفاف أحرقت ما تبقى من غروره، وقالت ببرود قاتل: “صوتك ما يعلاش يا حازم، وإيدك دي لو قربت خطوة ثانية، هسحبك على أقرب قسم شرطة. اتفضل قول اللي عندك في أسرع وقت، عشان مش فاضية.”

سقطت دمعة سريعة من عين حازم وهو ينظر إليها، ينظر إلى التحول الجذري في كل إنش منها؛ من فتاة كانت تداري كسوفها وتعمل فوق طاقتها، إلى امرأة قوية، ساحرة، تفيض بالجمال والكرامة.

جثى حازم على ركبتيه في منتصف الشارع، أمام أعين جيرانهما الذين بدأوا يطلون من الشرفات، وقال بصوت حشرجي مكسور: “أنا تحت رجلك يا مريم.. سامحيني! عاقبيني، وبخيني، اعملي فيا اللي إنتِ عايزاه، بس ما تسيبنيش! ما تخليش واحد تاني يأخدك مني! أنا عرفت قيمتك، عرفت إنك الجوهرة الوحيدة اللي كانت في حياتي وأنا بإيدي رميتها في التراب. أنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك، ومستعد أعمل كل اللي تطلبيه.. بس بلاش قسوة، ارحميني!”

نظر الجميع في الشارع بذهول؛ حازم المتكبر الذي كان يباهي بجاذبيته، يجلس على الركبتين يبكي ويتوسل لمريم التي كان يصفها قبل شهر بالنفور. لكن مريم لم تضعف. لم تبتسم شفقة، ولم تتأثر بهذه التمثيلية المتأخرة. كل ما افتكرته في تلك اللحظة هو صوت النحنحة والجفاء في كلامه يوم كان زادها الحمى والصعد، وكيف ألقى بحمول قسوته على قلبها وهي تتألم.

اقتربت منه خطوة واحدة، نزل مستوى نظرها إليه وهو جالس على الأرض، وقالت بصوت منخفض وصارم كصليل السيف، سمع كل حرف منه كأنه جرس إعدام: “الرحمة دي تطلبها من ربنا يا حازم.. مش من قلب إنت ذبحته بدم بارد. أنا مش قاسية، أنا بس بقيت بشوفك على حقيقتك.. مجرد شق صغير في ماضيّ وقفلت عليه بقوة. دموعك دي مش عشان بتحبني، دموعك عشان انكسرت وعينك فارغة ومش قادرة تستوعب إن الحاجة اللي ركبتها بالرخيص بقت أثمن من إنك تطولها. قوم ولم باقي كرامتك اللي فضلت، لأن لو طارق جاه بكرة ولقاك واقف هنا.. مش هيعجبك اللي هيحصل.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى