
وكل مرة أمسك قطعة صغيرة، كنت أتخيل اليوم اللي هشيل فيه ابني.
وفي ليلة ممطرة، كنت قاعدة أرتب هدومه.
سمعت جرس الباب.
فتحت عيني على اتساعها.
كان كريم.
وقف قدام الباب.
قال:
— ممكن أدخل؟
قلت:
— ليه؟
— عايز أشوف ابني.
قلت:
— لسه ما اتولدش.
— عارف.
سكت.
— عايز أتكلم معاكِ.
— اتفضل.
فضل واقف بره.
قال:
— أنا خسرت شغلي مؤقتًا.
ما رديتش.
— والبحث اتسحب.
سكت.
— وأنا…
توقف.
ثم قال:
— أنا كنت فاكر إن كل ده هيخليني شخص مهم.
بصيتله.
— وخلّاك إيه؟
ما ردش.
قال:
— خلاني أخسر مراتي.
قلت:
— أنت خسرت ثقتي قبل أي حاجة.
— أقدر أرجعها.
— مش بسهولة.
— هعمل أي حاجة.
— لأ.
استغرب.
قلت:
— مش عايزة تعمل أي حاجة عشاني.
— أمال؟
— عايزاك تتحمل مسؤولية اللي عملته.
هز رأسه.
— حاضر.
قلت:
— من غير ضغط.
— حاضر.
— ومن غير ما تستخدم الحمل أو الطفل عشان ترجعني.
— حاضر.
— ومن غير ما تدخل أهلي.
— حاضر.
سكتنا.
ثم قال:
— ممكن أشوفك مرة تانية؟
فكرت.
— لما يكون عندك سبب محترم.
مشي.
وأنا قفلت الباب.
بعد شهر تقريبًا، بدأت آلام الولادة.
أختي كانت معايا.
الدنيا كلها بقت سريعة.
مستشفى.
أطباء.
ممرضات.
وصوت دقات قلب الجنين.
وأنا كنت ماسكة إيد أختي.
بعد ساعات طويلة، سمعت أول صرخة.
ابني اتولد.
بكيت.
مش من الألم.
من الفرحة.
حطوه على صدري.
كان صغيرًا جدًا.
وشه أحمر.
إيده الصغيرة قفلت على صباعي.
قلت:
— الحمد لله.
وبعدين بصيتله.
— ماما وعدتك.
في اليوم التالي، وصلني خبر إن كريم موجود في المستشفى.
ما سمحتش له يدخل فورًا.
بعد ساعات، وافقت إنه يشوف ابنه من بعيد، بحضور أختي ومريم.
دخل.
ولما شاف الطفل، عينيه دمعت.
قرب خطوة.
وقف.
قال:
— ممكن؟
بصيت له.
ثم للطفل.
قلت:
— شوفه.
قرب.
بص لابنه.
مد إيده، لكنه ما لمسوش.
قال:
— أنا آسف.
المرة دي ما جاوبتش.
لأن الاعتذار كان لازم يفضل عنده.
مش عندي.
مرت أيام.
ثم أسابيع.
وبدأت إجراءات الانفصال رسميًا.
ما كانتش سهلة.
كانت فيه جلسات.
أوراق.
نقاشات.
كلام من ناس كتير.
بعضهم قال لي:
“استحملي عشان ابنك.”
وبعضهم قال:
“أكيد جوزك ندم.”
وبعضهم قال:
“ده أستاذ جامعة، يعني أكيد عارف مصلحتك.”
كنت أسمع.
وأقول:
— أنا أعرف مصلحتي.
وفي النهاية، تم الاتفاق على ترتيبات واضحة تخص الطفل، وكل شيء اتوثق رسميًا.
أما كريم، فبدأ مرحلة جديدة في حياته.
البحث أُلغي.
والجامعة اتخذت إجراءات أكاديمية بحقه وفق نتائج التحقيق.
ما كنتش فرحانة.
وما كنتش حزينة.
كان الأمر ببساطة نتيجة طبيعية لما حصل.
بعد شهور، كنت قاعدة في شقتي.
ابني نايم في سريره.
وأنا حطيت قدامي صندوق صغير.
جواه الحذاء الأسود.
نفس الحذاء اللي لبسته وأنا حامل.
طلعتها.
بصيت لها.
كانت بتفكرني بامرأة قديمة.
امرأة كانت بتخاف.
بتسكت.
وبتقول “حاضر” وهي من جواها بتنهار.
مسكت الحذاء.
فتحت الشباك.
وبعدين حطيتها في كيس التبرعات.
قفلت الكيس.
وقلت:
— خلاص.
في اليوم التالي، رجعت أزور الجامعة لمتابعة بعض الأوراق.
دخلت من نفس البوابة.
المكان اللي وقفت فيه أول مرة وأنا حاسة إني وحدي.
لكن المرة دي كنت شايلة ابني.
وقف قدامي شاب من الطلاب.
قال:
— حضرتك مدام سلمى؟
ابتسمت.
— أيوه.
قال:
— أنا كنت في المؤتمر.
سكت.
— وحبيت أقولك حاجة.
— إيه؟
قال:
— اللي حصل خلا ناس كتير هنا تسأل عن الموافقة الحقيقية للمشاركين في أي بحث.
بصيتله.
— ده أهم من أي حاجة.
قال:
— أنا كمان كنت فاكر إن كل بحث أكاديمي معناه إن كل حاجة فيه صح.
ابتسمت.
— الباحث شاطر لما يعرف يسأل نفسه قبل ما يسأل الناس.
مشي.
وأنا كملت طريقي.
بعد أيام، جالي ظرف من الجامعة.
فتحته.
كان فيه خطاب رسمي.
بيوضح إن الإجراءات اتخذت وإن الدراسة لم تعد معتمدة ضمن السجل البحثي.
قريته.
وبعدين حطيته في الدرج.
ما كنتش محتاجة ألقه على الحيطة.
ولا أقول لكل الناس إني انتصرت.
أنا ما كنتش في حرب.
كنت بس بحاول أرجع لنفسي.
بعد سنة تقريبًا، ابني بدأ يمشي.
كنت قاعدة على الأرض في الصالة.
جري ناحيتي، ووقع.
ضحكت.
قام تاني.
جري.
وقع.
وبعدين وقف لوحده.
بصلي.
وضحكت.
فتحت دراعي.
جري عليا.
شيلته.
وقلت:
— شاطر يا حبيبي.
رن جرس الباب.
كانت مريم.
دخلت وهي شايلة ملف.
قالت:
— عندي خبر.
— خير؟
— قضية البحث انتهت إداريًا.
بصيتلها.
— يعني؟
— خلاص. الموضوع اتقفل من الناحية دي.
ابتسمت.
— الحمد لله.
قالت:
— وفي حاجة تانية.
— إيه؟
— الجامعة أطلقت برنامج جديد للتوعية بأخلاقيات البحث وموافقة المشاركين.
ضحكت.
— كويس.
— وطلبوا مني أكون ضمن لجنة استشارية.
اتصدمت.
— أنا؟
— أيوه.
— ليه؟
قالت:
— لأنك كنتِ الطرف اللي اتضرر، ولأن تجربتك ساعدت في كشف ثغرات محدش كان واخد باله منها.
سكت.
بصيت لابني.
وبعدين قلت:
— هفكر.
بعد أسبوع وافقت.
مش عشان أبقى مشهورة.
ولا عشان أنتقم.
لكن عشان أي واحدة تدخل مكان بحثي، يكون أول سؤال يتسأل:
“هل وافقتِ؟”
مرت سنوات.
ابني كبر.
وأنا بدأت مشروع صغير باسمي.
كان شغل من البيت في البداية.
وبعدها مكتب صغير.
وبعدين شركة.
ما بقيتش معتمدة على حد.
وبقي عندي حساب باسمي.
وشغل باسمي.
وحياة باسمي.
أما كريم، ففضل جزء من حياة ابني كأب، في حدود اللي اتفقنا عليه.
العلاقة بينا ما رجعتش زي زمان.
يمكن عمرها ما ترجع.
لكن بقى فيه احترام للحدود.
وفي يوم، ابني كان عنده سبع سنين.
رجع من المدرسة ومعاه رسمة.
قال:
— ماما بصي.
مسكت الورقة.
كان راسم بيت.
وأنا وهو واقفين قدامه.
وفي السما شمس كبيرة.
قلت:
— إيه ده؟
قال:
— بيتنا.
— فين بابا؟
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— رسمته هنا.
وأشار لركن صغير في الورقة.
ابتسمت.
— حلو.
قال:
— عشان هو بابا برضه.
حضنته.
— أكيد.
سألني:
— ماما، إنتِ ليه زمان كنتي بتلبسي حذاء عالي؟
اتجمدت.
بعدين ضحكت.
— عشان كنت صغيرة ومش فاهمة حاجات كتير.
قال:
— دلوقتي فاهمة؟
بصيتله.
— دلوقتي اتعلمت.
— إيه؟
حطيته في حضني.
وقلت:
— إن أي حد يحبك، لازم يحترمك.
فكر شوية.
— حتى لو جوزك؟
ابتسمت.
— خصوصًا لو جوزك.
ضحك.
ثم جري يلعب.
دخلت أوضتي.
فتحت الدرج.
لقيت الورقة القديمة.
بحث كريم.
الملف.
الرسائل.
وصورة السونار الأولى.
أخدت صورة السونار.
وحطيتها جنب صورة ابني الحالية.
في الأولى كان مجرد نقطة صغيرة.
وفي الثانية كان واقف بيضحك.
حطيت الصورتين جنب بعض.
وقلت:
— عشانك بدأت الحكاية.
وبعدين بصيت للملف.
— وعشانك خلصتها.
قفلت الدرج.
وما فتحتهوش تاني.
لأن بعض الأبواب مش لازم نفضل واقفين قدامها.
يكفي إننا عرفنا إمتى نقفلها.
وفي مساء هادي، خرجت أنا وابني نتمشى.
كان ماسك إيدي.
وفجأة قال:
— ماما؟
— نعم؟
— إنتِ سعيدة؟
وقفت.
بصيتله.
وبعدين بصيت للسما.
وقلت:
— الحمد لله.
شد إيدي.
— وأنا سعيد.
ضحكت.
ومشينا.
وفي نفس اللحظة، رن موبايلي.
رسالة من كريم.
قرأتها.
كانت قصيرة:
“شكرًا إنك خليتيني أكون أب أحسن.”
بصيت للرسالة.
ما جاوبتش.
قفلت الموبايل.
ومشيت.
مش كل رسالة لازم نرد عليها.
ومش كل اعتذار لازم يرجع اللي ضاع.
أحيانًا أكبر انتصار للإنسان إنه ما يفضلش عايش في اللحظة اللي أذته.
وأنا كنت أخيرًا عايشة.
مش كحالة.
مش كزوجة تحت الاختبار.
مش كرقم في بحث.
لكن كإنسانة.
وكأم.
وكست عرفت في الوقت المناسب إن كرامتها مش رفاهية.
وإن كلمة “حاضر” مش معناها إن الإنسان لازم يوافق على كل حاجة.
وإن الحب من غير احترام بيتحول لحِمل.
وإن البيت اللي المفروض يكون أمان، ما ينفعش يبقى مكان للخوف.
وفي آخر الليل، لما ابني نام، دخلت أوضته وطبعّت قبلة على جبينه.
وهمست:
— ربنا يحميك يا ابني.
وبعدين رجعت أوضتي.
وقفت قدام المراية.
افتكرت نفسي يوم وقفت قدام نفس المراية وأنا حامل، ودموعي نازلة، ومش عارفة ليه جوزي بيعمل فيا كده.
ابتسمت.
مش عشان اللي حصل كان بسيط.
لكن عشان الست اللي كانت واقفة هناك زمان…
ما كانتش تعرف إنها أقوى مما تتخيل.
مسكت مفتاح النور.
وقبل ما أطفّيه، بصيت لنفسي وقلت:
— المرة دي… أنا اللي اخترت.
وطفيت النور.
ونمت.
من غير خوف.
ومن غير ما أستنى تحويل مصروف من أي حد.
ونفسي لأول مرة كانت خفيفة.
لأن أصعب حاجة في الحكاية كلها ما كانتش إني أغير طريقتي.
كانت إني أخلع الخوف اللي لبسته سنين.
وده…
كان أول شيء حقيقي اختارته لنفسي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




