ما هي إلا ثواني ولقيته طالع ورايا بعصبية، ومراته الجديدة بتتمختر وراه بكل برود وأعصاب هادية. وقف قدامي وبص حواليه بخوف لاحسن حد يكون بيراقبهم، وقال بصوت واطي ومليان غضب: ـ ايه جابك هنا؟ مش قلتلك ماتجيش؟ انتي عايزة تكسفى نفسك وتكسفينى قدام الناس؟
وقبل ما أرد عليه أو أنطق بحرف، تطوعت الهانم الجديدة ودخلت بكل جبروت؛ فتحت شنطتها الغالية ورمتها في إيدي بقسوة، وبصتلي برفعة حاجب وقالت ليوسف بدلع مسموع وهي بتضحك: ـ خلاص يا حبيبي، ما تزعلش نفسك..
خليهَا تشيلي الشنطة، وقول للناس دي اللبيسة بتاعتي وجايه تشيلى الشنطه ولو احتاجت حاجه تعملهالى وبكده يبقى برستيجنا زى ماهو واكتر كمان لقيت جوزى بصلى وحط فى ايدى شنطتها بالعافيه وقالى هتدخلى دلوقتي وتنفذى كل اللى هنطلبه منك مسكت الشنطة في إيدي، وبصيت عليها وعلى يوسف اللي واقف يبصلي بتهديد وكأنه بيكمل مسرحية حقارتهم على حساب كرامتي.
اللحظة دي كانت نقطة التحول، كل ضعفي، وكل الدموع اللي حبستها، وكل السنوات اللي هانت فيها نفسي عشانه.. تحولت كلها لشرارة نار جوايا. بصيت لـ سارة وبابتسامة باردة جداً، رميت الشنطة بكل قوتي في وشها، الشنطة خبطت فيها والأنتريه والمكياج اللي جواه اتعزقوا على الأرض.
سارة صرخت بذهول: ـ أنتِ اتجننتِ ولا إيه يا زبالة أنتِ؟! يوسف اتجنن ورفع إيده وكان لسه هيتمد عليا، مسكت إيده بثبات وقوة عمره ما شافهم مني قبل كده، زقيت إيده بعيد وقولتله بصوت وطني وحاسم زي السيف: ـ إيدك دي لو اترفت عليا تاني هكسرهالك يا يوسف.
قرب مني ووشه مزرق من الغيظ، ووزوش بصوت واطي: ـ قسماً بالله لو ما لميتي الدور ومشيتي من هنا دلوقتي، لتكوني طالق وهشوف مين هينفعك! ضحكت.. ضحكة طالعة من قلبي مليانة قهرة وسخرية، وقربت منه وقولتله في وشه: ـ طالق؟
بقى أنت بتهددني باللي أنا جاية أطلبه بنفسي؟ أنت فاكر إنك بقيت راجل ومصنع صاحب شركة؟ أنت حتة خيال مآتة عايش بفلوس ورث أبويا اللي رميتها في حِجرك عشان أعمل منك بني آدم! سارة كانت واقفة تبرق، عينيها رايحة جاية بيني وبينه، وجمعت الشتات وقالت بعصبية: ـ يوسف!
إيه الهبل اللي بتقوله الست دي؟ دي مين بالضبط؟! قبل ما يوسف ينطق ولا يحاول يرقع كذبته، لفيت وجريت خطوتين وسيعتين ودخلت القاعة وسط الناس والموظفين والصحفيين اللي كانوا بيغطوا الحفلة. يوسف جرى ورايا كالطفل المذعور وهو بيصرخ بصوت واطي: ـ إيناس! يا إيناس اقفي عندك يخرب بيتك
وقفت في نص القاعة بالضبط، جنب المسرح والصوت العالي. رفعت كاس عصير كان على طاولة وجبت معلقة خبطت بيها على الكاس عشان ألفت الانتباه.. الصوت رن في القاعة والناس بدأت تتلفت ونظرات الفضول تتوجه ليا.
يوسف وصل عندي وهو بينهج ووشه جايب ألوان، ومسك دراعي بقوة وهو بيحاول يبتسم قدام الناس عشان يداري: ـ يا جماعة دي.. دي واحدة قريبتنا تعبانة شوية وتائهة.. زقيت إيده بعيد عني وبكل شموخ وبصوت جهوري سمع القاعة كلها قولت: ـ لا يا جماعة، أنا مش قريبتو التعبانة.
. أنا مدام إيناس، الزوجة الأولى والأصلية والأخيرة للأستاذ يوسف! الزوجة اللي بعت ورث أبويا واديتله كل جنيه حيلتي عشان يأسس الشركة اللي حضراتكم تحتفلوا بمرور سنتين عليها النهاردة! القاعة سكتت تماماً، الضحكات اختفت، والموسيقى وقفت، وعيون الموظفين ورجال الأعمال بقت كلها متعلقة بيا وبـ يوسف اللي كان بيتحرق في مكانه.
كملت وأنا ببص في عينيه بثبات: ـ يوسف اللي واقف قدامكم ده، جاي النهاردة يحتفل بجهدي وعمري وفلوسي، وجايب مراته الجديدة يقدّمهالكم ويعرّفكم عليها، وفي نفس الوقت بيطلب مني أروح أخدم أخته وأمه وأكون خدامة عندهم!
سارة دخلت القاعة ورا مننا ووشها متغطرس، لكن لما شافت نظرات الناس والهمس اللي بدأ يعلى بين رجال الأعمال والموظفين، بقت مش عارفة تستخبى فين. يوسف حاول يتدارك الموقف و صرخ فيا بغضب وهو بيحاول يمسكني يخرجني بالقوة: ـ أنتِ واحدة مجنونة!
أمن!! هاتوا الأمن يطلعوا الست دي بره! في اللحظة دي، دخل صاحب الشركة الشريك الكبيرة أو المستثمر الأساسي اللي يوسف كان بيتحايل عليه بقاله شهور عشان يدخل معاه في صفقة جديدة ولولا معارف بابا واخويا مكنش وافق وبص لـ يوسف بقرف وازدرائه وقال: ـ أمن إيه يا يوسف؟
أنت بتطرد مرتك اللي عملتك؟ هو ده البرستيج والأخلاق اللي جاي تتعامل بيها معانا؟ يوسف اتجمد في مكانه، وبص للشريك بذهول، وقبل ما يلحق يبرر، أخدت شنطتي وبصيت لـ يوسف وقولتله بابتسامة انتصار: ـ فلوسي وورثي والمُؤخر وكل حق ليا هتاخده بالقانون يا يوسف.
الشركة دي نصها بتاعي بأوراق ومستندات وفواتير تحويل الفلوس اللي أديتهالك، ومن بكره الصبح المحامي بتاعي هيرفع قضية تمكين من الشركة ومن كل قرش أخدته مني.. وأعلى ما في خيلك اركبه. سبته واقف وسط الناس، الموظفين بيبصوله بذهول، وشركاؤه بيتهامسوا عليه بانسحاب، وسارة بتصرخ فيه في نص القاعة وتطالبه يوضح لها حقيقة الفلوس والشركه طلعت من القاعة وأنا حاسة إن نَفَسي رجعلي، وركبت أول تاكسي وقررت أروح للمكان الوحيد اللي هيبقى ضهري وسندي.
. بيت أخويا طارق. أنا وطارق كنا مقاطعين بعض من يوم ما اتجوزت يوسف وصممت أقف ضد عيلتي كلها عشانه، لكن في اللحظة دي، مكنش قدامي غيره. طلعت العمارة ورجلي شايلاني بالعافية، وضغطت على جرس الباب وإيدي بـ تترعش. أول ما فتح الباب وبص في وشي، شاف المنظر.
. الفستان المبهدل، الميكب المتلخبط من أثر الدموع، وكسرة العين اللي محفورة في وشي. قبل ما ينطق كلمة، اترميت في
طارق مسكني وربت على كتفي وادخلني الشقة، وقعدني واداني كوباية مية وهو ساكت لحد ما هديت تماماً. بصيت له ودموعي نازلة وقولتله بصوت مبحوح: ـ أنا آسفة يا طارق.. حقك عليا، أنت كان عندك حق في كل كلمة قولتهالي عن يوسف.
أنا جيتلك وجايبة معايا كسرتي، بس مش جاية أعيط بس.. أنا جاية أطلب منك تقف جنبي. طارق بصلي بجدية وحنان وقال: ـ أنتِ أختي يا إيناس، ودمي.. مهما حصل بيننا عمره ما يخليني أبيعك. قوليلي إيه اللي حصل؟
حكيتله كل حاجة بالتفصيل.. من أول الفلوس وورث أبويا اللي أديتهوله عشان يبدأ مشروعه، لخدمتي لأمه وأخته، لحد مهزلة الحفلة والهانم الجديدة اللي جابها يقدّمها للموظفين ورما شنطتها في إيدي. طارق كان بيسمع وعيونه بتبخ نار، وإيده مقفولة بقوة على ذراع الكرسي لحد ما عروقه بارزت.
أول ما خلصت، قولتله وأنا بحط إيدي على إيده: ـ طارق.. أنا مش عايزة أرجعله، ولا عايزة أعيش اللحظة دي تاني. أنا عايزة اشتري حريتي وأسترد كرامتي. الشيكات وعقود التحويلات اللي معايا تثبت إن ليا النص في الشركة دي.. أنا عايزاك تشتري نصيبي ده منك ليا..
تشتري حقك وحقي، وتخلّصني منه، وتخليه يدفع ثمن كل لحظة إهانة عشتها معاه. طارق قام وقف، ومسح على وشه، وابتسامة حادة وباردة اترسمت على شفايفه وقال: ـ تبيعي نصيبك؟ لا يا إيناس.. أنا مش بس هشتريه، أنا هحط إيدي في إيدك ونمسح الأستاذ يوسف ده من السوق خالص.
الفلوس اللي أخدها منك دي فلوس أبونا، والشركة دي مش هتبقى بس حقك، دي هتبقى ملكنا بالكامل. في ظرف يومين، طارق جمع أكفأ فريق محامين ومستشارين ماليين. جابوا كل المستندات، وفواتير تحويل الورث، وعقود التأسيس الأولى اللي تثبت إن رأس المال الأصلي كان مني.



