
حماتي رفعت عينها بزهول: — إنت بتبيع أمك عشان مراتك يا محمد؟! رد عليها بحرقة قلب: — أنا مبعتش أمي، إنتي اللي بعتيني برخيص يا حاجة.. صغرتيني قدام عمامي وإخواتي، وخليتي عيون الناس في الشارع تبص لمراتي بنظرة مش نظيفة، وإنتي عارفة إنها أشرف من الشرف ومبتغلطش فيكي. من اللحظة دي يا أمي، سارة مالهاش دعوة بيكي، شقتي دي حيطة وسد مقفولة عليها وعلى عيالها، لا هتنزل تخدم ولا هتدخل شقتك تاني، واللي ليه عندي حاجة يجيلي أنا.. وكرامة مراتي لو اتهانت بكلمة تانية برة الباب ده، أنا اللي هسيب البيت كله بالعمارة ومش هتشوفوا وشي تاني!
الكلمة نزلت على حمايا وعلى الصالة كلها زي المرزبة. حمايا وقف وقال بصوت قاطع: — حقك عليا أنا يا حاج.. وحقك عليا إنتي يا بنتي في راسي من فوق. قرب حمايا وباس راس أبويا، وبص لي وقال: — إنتي بنتي، وغلطة أم رجب مردودة في رقبتي أنا.. ومن بكرة اللي يفتح بقه بكلمة في الحارة دي لسانه هيتقطع، وسارة شقتها ملكها محدش يطلب منها قرش ولا خدمة، ومن النهاردة خزين شقتك يجيلك لغاية عندك من تحت إيدي أنا شخصياً.. امسحيها في وشي يا بنتي.
أبويا بص لحمايا وقال بنخوة: — إحنا مش بتوع خزين ولا بتوع سكر يا حاج إبراهيم، إحنا اللي يهمنا الستر والكرامة، واللقمة الحاف بعزة نفس تدفن في التراب كنوز مال الأرض لو وراها مذلة. بنتي هتروح معايا تقعد في بيت أبوها أسبوعين تشم نفسها وترتاح نفسيتها، ومحمد جوزها يجي ياخدها لما النفوس تهدى والكل يعرف مقامه.
جوزي مقالش لأ، هز راسه بالموافقة وهو باصص لي بعين كلها رجاء واعتذار: — خدي راحتك يا سارة.. اللي أنتي عايزاه هيتعمل، وبيت أبوكي على راسي من فوق.
سلفتي هبة وقفت على جنب، وكانت بتبص لي وعينيها فيها دمعة ندم، بس في نفس الوقت ارتاحت إنها نطقت بالحق. عديت جنبها وطبطبت على كتفها بالراحة، ومقلتش حاجة، نظرة عيني كانت كفاية إنها تفهم إني عرفت إنها مكنتش وحشة من جواها، لكن الخوف والفقر وسيطرة حماتي هما اللي كانوا كاسرين عينها.
طلعت شقتي، لميت هدومي وهدوم عيالي في شنطة سفر صغيرة. وجوزي جه ورايا، مسك إيدي وقعد على السرير ودموعه نزلت.. أول مرة أشوف دموع راجل في عمري، دموع قهر من أمه ومن الدنيا: — حقك عليا يا سارة.. متزعليش مني، أنا والله كنت بتعصر من جوة، بس مكنتش متخيل إن البجاحة توصل بيها لكده. رديت عليه وأنا بربط الطرحة: — أنا مش زعلانة منك يا محمد، أنا زعلانة من النفوس اللي مفيهاش رحمة.. وعشان خاطرك وعشان إنت وقفت وقفة رجالة ومرضيتش بالباطل، أنا مش هخرب بيتي، ولا هسمح لحد يشمت فينا.. هروح مع أمي وأبويا كام يوم أرد اعتباري قدام أهلي، وهرجع لبيتي ولعيالي، بس بحدود مفيش حد يتخطاها بعد كده.
نزلت السلم، وأنا شايلة ابني الصغير وأمي شايلة الشنطة، وأبويا ماشي قدامي بعكازه رافع راسه في وسط الشارع. كانوا الجيران كلهم واقفين في البلكونات ومستنيين يشوفوا إيه اللي هيحصل، لأن حس الصريخ كان طالع، لكن شافوا أبويا خارج بابتسامة هادية وحمايا بيوصلنا لغاية تاكسي أول الشارع وهو ماسك في إيد أبويا وبيعتذر له قدام كل الناس في وضح النهار.
ركبت التاكسي، وسندت راسي على الإزاز، وبصيت على العمارة اللي عشت فيها سنين من عمري.. حسيت بحمل تقيل أوي اتشال من على صدري. أمي حطت إيدها على ركبتي وقالت لي: — شفتي يا بنتي؟ الحق لما بيتحط على الطربيزة، الباطل مبيلاقيش مطرح يقعد فيه.. السكر رخيص، بس الأصول غالية أوي، ومحدش بيشتريها بالفلوس.
ضحكت بمرارة وقولت: — ياما بهدلتنا الأيام، بس والله يا أمي ما يصح إلا الصحيح.. وربنا لما بيكتب لواحد براءة، بيبعت له الشاهد من قلب بيت الظالم نفسه.
مرت الأيام، ورجعت شقتي بعد أسبوعين، بس رجعت واحدة تانية.. واحدة ليها باب مقفول عليها بالمفتاح، محدش يقدر يفتحه ولا حد يقدر يمد عينه على لقمة عيالها. وحماتي، قعدت في شقتها لوحدها، حمايا مابقاش يديها مصروف البيت زي الأول وخلاه في إيده هو، وهبة سلفتي خدت جنب ومبقتش تسمع كلامها زي زمان، وبقى البيت كله عارف مين اللي كلمته تتقاس ومين اللي عينه فارغة ويدور على خراب البيوت.
والسكر اللي كانت عايزه تبلعه وتاكل تمنه، بقى غصة في حلقها كل ما تفتكره، تفهم إن شقى الناس الحلال لو دخل بيت بظلم، بيولع في أصحابه ويفضحهم قدام القريب والبعيد.
النهاية
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




