تقنية

بعد ماخسرت شغلي حكايات صافي هاني

“ليه؟”

 

ماركوس فتح ورقة تانية.

 

وكان عليها توقيع زوجي.

 

وتوقيع المدير العام.

 

وتحتهم جملة واحدة.

 

“مقابل الصمت.”

 

سكتنا.

 

أنا حسيت إن قلبي وقع.

 

“صمت عن إيه؟”

 

ماركوس قلب الصفحة.

 

ماكانش فيه جواب.

 

بس كان فيه رقم مكتوب بالقلم الأحمر.

 

17.

 

نفس رقم المخزن.

 

في اللحظة دي سمعنا صوت الباب بيتقفل.

 

اتجمدنا.

 

ماركوس جري ناحية الباب.

 

جرب المقبض.

 

مقفول.

 

صرخ

 

“مين بره؟”

 

مفيش رد.

 

حاول يفتح.

 

مفيش فايدة.

 

وبعدين بدأ دخان خفيف يدخل من تحت الباب.

 

بصيت له بخوف.

 

“ماركوس…”

 

قال

 

“لازم نطلع.”

 

“إزاي؟”

 

بص حوالينا.

 

وفجأة لمح نافذة صغيرة في آخر المخزن.

 

جري ناحيتها.

 

“دي مخرج طوارئ.”

 

حاول يفتحها.

 

كانت مقفولة.

 

الدخان زاد.

 

بدأت أكح.

 

ماركوس ضرب الزجاج بطفاية الحريق.

 

اتكسر.

 

دخل هوا.

 

ساعدني أطلع.

 

ولما خرجت وقفت على الأرض وأنا بسعل.

 

بعد ثواني خرج هو.

 

بصينا ناحية المخزن.

 

النار بدأت تمسك في الصناديق.

 

الأوراق اللي تثبت الحقيقة كانت بتتحرق قدامنا.

 

ماركوس قال

 

“حد كان مستنينا.”

 

بصيت له.

 

“يعني كانوا عارفين إننا جينا.”

 

قال

 

“أيوه.”

 

رجعت البيت بالليل وأنا مش قادرة أفكر.

 

أول ما فتحت الباب لقيت أولادي نايمين.

 

وقفت عندهم.

 

بصيت لوشوشهم.

 

وقلت لنفسي

 

“مش هسمح لحد يقرب منكم.”

 

دخلت أوضتي.

 

قفلت الباب.

 

طلعت الصورة القديمة.

 

وقعدت أبص فيها.

 

جوزي كان واقف جنب الراجل الغريب.

 

وفجأة لاحظت حاجة ماخدتش بالي منها قبل كده.

 

في الخلفية كان فيه لافتة.

 

قربت الصورة من عيني.

 

كان مكتوب اسم مستشفى.

 

المستشفى اللي جوزي اتعالج فيها.

 

قلبي دق بسرعة.

 

مسكت تليفوني ودورت على اسم المستشفى.

 

وبعدين افتكرت حاجة.

 

في آخر شهور مرضه كان دايمًا بيرفض إني أروح معاه لبعض المواعيد.

 

كان يقول

 

“الدكتور طلب مني أروح لوحدي.”

 

وأنا صدقته.

 

لكن دلوقتي بدأت أشك.

 

طلعت كل أوراق مرضه القديمة.

 

بدأت أقلب فيها.

 

تحليل.

 

أشعة.

 

روشتات.

 

فواتير.

 

وفجأة لقيت ورقة صغيرة مستخبية بين ورقتين.

 

كانت إيصال دفع.

 

التاريخ قبل وفاة جوزي بأسبوع.

 

والاسم مش اسمه.

 

كان اسم الست صاحبة الخاتم.

 

اتجمدت.

 

هي كانت موجودة في المستشفى.

 

قبل وفاة جوزي بأسبوع.

 

يعني كانت تعرفه.

 

ويمكن تعرفني من قبله.

 

وفي اللحظة دي تليفوني رن.

 

رقم غريب.

 

رديت.

 

مافيش صوت.

 

قلت

 

“ألو؟”

 

سكت.

 

وبعدين سمعت صوت ست.

 

صوتها كان هادي جدًا.

 

قالت

 

“منى.”

 

قلت

 

“مين؟”

 

قالت

 

“لو عايزة أولادك يفضلوا بخير…”

 

سكتت.

 

“ما تدوريش في اللي جوزك سابه.”

 

قلبي اتقبض.

 

قلت

 

“إنتِ مين؟”

 

قالت

 

“إنتِ عارفة.”

 

وقبل ما أتكلم قفلت.

 

بصيت للتليفون.

 

وبعدين للصورة.

 

وفجأة سمعت صوت ابني الكبير من ورا الباب.

 

“ماما.”

 

اتلفت بسرعة.

 

كان واقف على الباب.

 

وشه متوتر.

 

قال

 

“في راجل كان واقف تحت البيت.”

 

قلبي وقع.

 

“قال لك إيه؟”

 

“ولا حاجة.”

 

“إنت شوفته؟”

 

“أيوه.”

 

“شكله إيه؟”

 

سكت.

 

وبعدين قال

 

“كان هو نفس الراجل اللي في الصورة.”

 

جريت على الشباك.

 

بصيت لتحت.

 

لكن الشارع كان فاضي.

 

بس كان فيه ظرف أبيض محطوط قدام باب العمارة.

 

نزلت بسرعة.

 

خدته.

 

طلعت.

فتحته.

 

فضلت واقفة مكاني مش قادرة أتحرك.

 

الراجل كان واقف قدام باب الشقة وكأنه دخل بيته مش شقتي.

 

وأنا أول حاجة عملتها إني بصيت ناحية أوضة أولادي.

 

الباب كان مقفول.

 

الحمد لله إنهم كانوا نايمين.

 

رجعت بصيت له وقلت بصوت مخنوق

 

“إنت دخلت بيتي إزاي؟”

 

قال بهدوء

 

“الباب كان مفتوح.”

 

صرخت فيه

 

“أنا قفلته!”

 

رفع إيده بسرعة وقال

 

“وطي صوتك.”

 

“إنت بتدخل بيتي وتهددني وبتقولي أوطي صوتي؟!”

 

بص ناحية أوضة الأولاد.

 

“لو عايزة أولادك يفضلوا نايمين ومش عايزة يحصل لهم حاجة لازم تسمعيني للآخر.”

 

حسيت إن الدم بيغلي في عروقي.

 

قربت من الباب وأنا بحاول أكون شجاعة.

 

“مين إنت؟”

 

قال

 

“اسمي حسام.”

 

مجرد ما قال الاسم حسيت إن الاسم مألوف.

 

“حسام إيه؟”

 

“حسام البدري.”

 

فضلت باصة له.

 

“إنت كنت مع جوزي.”

 

قال

 

“أيوه.”

 

“كنت بتشتغل معاه؟”

 

“أكتر من كده.”

 

“يعني إيه؟”

 

سكت لحظة وبعدين قال

 

“كنت صاحبه.”

 

ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.

 

“صاحبه؟”

 

هز راسه.

 

“أيوه.”

 

“صاحبه اللي اختفى بعد ما مرض؟”

 

وشه اتغير.

 

“أنا ما اختفيتش.”

 

“أمال كنت فين؟”

 

“بحاول أحميه.”

 

“تحميه من مين؟”

 

بصلي في عيني.

 

“من الناس اللي قتلوه.”

 

حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.

 

قلت

 

“جوزي مات بالسرطان.”

 

قال

 

“جوزك كان عنده سرطان فعلًا.”

 

سكت.

 

“بس ده مش سبب موته.”

 

اتسعت عيني.

 

“إنت بتقول إيه؟”

 

قرب مني وقال

 

“مرضه اتساب يتطور من غير العلاج اللي كان ممكن يطول عمره.”

 

“يعني إيه؟”

 

“يعني كان فيه علاج.”

 

“إنت مجنون؟”

 

“لأ.”

 

“الدكاترة قالوا إن حالته متأخرة.”

 

“كانت متأخرة.”

 

“وقالوا إن مفيش أمل.”

 

“كان فيه أمل.”

 

صرخت

 

“طب ليه ما قلتليش؟!”

 

سكت.

 

صرخت تاني

 

“ليه؟!”

 

قال بصوت منخفض

 

“لأن جوزك هو اللي طلب مني ما أقولكيش.”

 

اتجمدت.

 

“هو؟”

 

“أيوه.”

 

“ليه؟”

 

“عشان كان خايف عليك.”

 

ضحكت وأنا دموعي نزلت.

 

“خايف عليا؟ هو سابني لوحدي مع تلات أطفال وديون فوق دماغي!”

 

قال

 

“هو ما سابكيش.”

 

“أمال إيه؟”

 

“هو كان بيحاول يضمن إنك تفضلي بعيدة عنهم.”

 

“مين هم؟”

 

سكت.

 

“قول!”

 

قال

 

“الشركة.”

 

“شركة الفندق؟”

 

“أيوه.”

 

“بس جوزي كان ملوش علاقة بالفندق.”

 

بصلي نظرة طويلة.

 

“كان ليه.”

 

“أنا شفت الورق.”

 

“عرفتي؟”

 

“أيوه.”

 

“يبقى لازم تفهمي باقي الحقيقة.”

 

دخل خطوة.

 

أنا رجعت للخلف.

 

قال

 

“قبل ما جوزك يموت بشهور كان اكتشف إن الشركة بتزوّر حسابات وبتحوّل فلوس لحسابات خارجية.”

 

“طيب.”

 

“وكان هو واحد من الناس اللي عندها مستندات تثبت ده.”

 

قلت

 

“يعني كان بيهددهم؟”

 

“لأ.”

 

“أمال؟”

 

“كان ناوي يبلغ.”

 

سكت.

 

“ولما عرفوا إنه ناوي يتكلم بدأوا يضغطوا عليه.”

 

“ضغطوا عليه إزاي؟”

 

“شغله.”

 

“فلوسه.”

 

“وبعدين مرضه.”

 

حسيت بقلبي بيتقبض.

 

“مرضه كان حقيقي.”

 

“أيوه.”

 

“بس…”

 

“بس العلاج اتعطل.”

 

“إزاي؟”

 

حسام مد إيده في جيبه وطلع فلاشة صغيرة.

 

“دي فيها كل حاجة.”

 

بصيت للفلاشة.

 

“إيه اللي فيها؟”

 

“تقارير طبية.”

 

“تحويلات.”

 

“مكالمات.”

 

“وأسماء.”

 

سكت.

 

“وأسماء مين؟”

 

قال

 

“أسماء ناس كانوا جزء من اللي حصل.”

 

مديت إيدي أخدتها.

 

لكن قبل ما ألمسها سألته

 

“إنت كنت فين وقت ما جوزي مات؟”

 

بص للأرض.

 

“في المستشفى.”

 

“إنت؟”

 

“أيوه.”

 

“ليه ما شوفتكش؟”

 

“لأني كنت مستخبي.”

 

“من مين؟”

 

قال

 

“منهم.”

 

وبعدين بصلي.

 

“أنا كنت متأكد إنهم بيراقبوا كل حد قريب من جوزك.”

 

“وإنت سبتني؟”

 

“كنت بحاول أحميكي.”

 

صرخت

 

“أنتوا كلكم بتقولوا نفس الجملة!”

 

سكت.

 

“واحد مات وسابني لوحدي.”

 

“والتاني اختفى.”

 

“وبعدين لقيت نفسي متهمة بسرقة خاتم.”

 

“ودلوقتي داخل بيتي وتقولي كل ده عشان تحميني؟”

 

دموعي نزلت.

 

“أنا مش عايزة حماية.”

 

“أنا عايزة الحقيقة.”

 

قال

 

“وده اللي جاي أقولهولك.”

 

سكت لحظة.

 

“الست اللي اتهمتك بسرقة الخاتم اسمها داليا.”

 

قلت

 

“عارفة.”

 

“هي مش مجرد نزيل.”

 

“أمال إيه؟”

 

“هي أخت واحد من أهم رجال الشركة.”

 

“مين؟”

 

قال اسم رجل.

 

أول ما سمعته افتكرت إني شفته في جرايد قديمة.

 

كان رجل أعمال معروف.

 

اسمه ظهر في قضايا كتير قبل كده لكن دايمًا كان بيخرج منها.

 

قلت

 

“إنت تقصد إن داليا أخته؟”

 

“أيوه.”

 

“طب ليه استهدفتني أنا؟”

 

قال

 

“لأنهم كانوا فاكرين إن جوزك سلّمك نسخة من الملفات.”

 

ضحكت بمرارة.

 

“أنا؟”

 

“أيوه.”

 

“أنا عمري ما شفت أي ملفات.”

 

“هما ما يعرفوش.”

 

“يعني الخاتم كان عشان يدوروا على حاجة؟”

 

“بالضبط.”

 

“إزاي؟”

 

“الخاتم نفسه كان فيه شريحة تخزين صغيرة.”

 

اتسعت عيني.

 

“إيه؟”

 

“الخاتم اللي قالت إنه ضاع.”

 

“كان فيه شريحة؟”

 

“أيوه.”

 

“طب فين الخاتم؟”

 

“معاها.”

 

“يعني هي ما ضاعتش أصلًا.”

 

“لأ.”

 

“هي خبته.”

 

“وكانت عايزة تخلي الشرطة تفتش الفندق كله.”

 

بدأت أفهم.

 

“ولما اتهمتني…”

 

“كانت متأكدة إن الإدارة هتفتش حاجتك.”

 

“وتفتش البيت كمان؟”

 

هز راسه.

 

“لو الشرطة دخلت على الخط كان ممكن الموضوع يوصل لأولادك.”

 

حسيت بقلبي بيتقبض.

 

“يعني أنا كنت مجرد طُعم.”

 

“أيوه.”

 

“طب ليه كانت بتسأل عني قبلها بشهر؟”

 

حسام سكت.

 

قلت

 

“جاوبني.”

 

قال

 

“لأن جوزك كان كاتب اسمك في وصيته.”

 

اتسمرت.

 

“إيه؟”

 

“كان كاتب إن لو حصل له أي حاجة كل المستندات والمعلومات تنتقل ليكي.”

 

“بس أنا ما استلمتش حاجة.”

 

“لأن المستندات ما كانتش معاه.”

 

“فين كانت؟”

 

بصلي.

 

“إنتِ عندك.”

 

سكت.

 

“إيه؟”

 

“جوزك خبّى أهم حاجة في البيت.”

 

بدأت أبص حواليا.

 

“فين؟”

 

قال

 

“ده السؤال اللي هما مش عارفين إجابته.”

 

“وأنا؟”

 

“إنتِ أكيد شوفتيها.”

 

هزيت راسي.

 

“أنا مش فاهمة.”

 

“فكري في آخر حاجة جوزك قالهالك قبل ما يموت.”

 

حاولت أفتكر.

 

ليلة وفاته.

 

كان تعبان جدًا.

 

كان ماسك إيدي.

 

وقال لي

 

“منى لو حصل لي حاجة ما تبيعيش البيت.”

 

أنا وقتها قلت له

 

“هو إحنا هنبيع البيت ليه؟”

 

قال

 

“وعديني.”

 

ووعدته.

 

حسام قال

 

“غير كده؟”

 

غمضت عيني.

 

افتكرت.

 

كان قال جملة غريبة.

 

“الحاجة اللي في البيت أهم من البيت نفسه.”

 

فتحت عيني.

 

“قالها.”

 

حسام قرب.

 

“إمتى؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى