
آخر مشوار ليا في وردية الليل كان ماشي عادي جداً، لحد ما لقيت خطيبي بيسند واحدة حامل وبيركبها العربية معايا.
حبيبي، أنت تعرف السواقة دي؟ سألته البنت ووشه خطڤ لونه وبقى أصفر.
رديت ببرود تام لا.
كنا مع بعض بقالنا خمس سنين، وبنزل أشتغل أوفر تايم في أوبر بالليل عشان مصاريف فرحنا وجهازنا، لكن نظرة واحدة للدبلتين اللي في إيدينا واللي شبه بعض بالمللي، خلتني أفهم إن فيه حد عايش حياتين متجوز بيهم من شهور… وكل ده بفلوسي أنا وشقايا.
الجزء الأول
يا أسطى، معلش ممكن تمشي بالراحة شوية؟ أصل أنا حامل.
حسيت بدمي اتجمد وإيديا نشفت على الدركسيون.
البنت اللي لسه راكبة ورا كانت بتبتسم في المراية، وجنبها ساندها من وسطها طارق، خطيبي اللي بقالنا داخلين على سنة لابسين دبل بعض، وخمس سنين مرتبطين.
كنت بنزل أسوق في السر بعد ما
بخلص شغلي الأساسي في شركة تأمين في مدينة نصر، بهلك نفسي عشان نجمع قرشين للفرح ونفرش شقتنا.
وقبلها بساعة واحدة بس، كان باعتلي رسالة حبيبتي، الشغل طالع عيني ومزنوق في أوفر تايم، متستنينيش ونامي انتي، وبكرة نفطر سوا.
طارق رفع عينه في المراية وشافني.
دمه نشف بصيت على اللوكيشن اللي في الأبلكيشن… فندق فخم في الزمالك. حصري على صفحة روايات و اقتباسات.
دوست بنزين واتحركت.
حبيبي البنت سألته وهي ماسكة دراعه باستغراب هو أنتوا تعرفوا بعض؟
رديت أنا قبله في ثانية
لا، منعرفش بعض.
طارق اتنفس الصعداء كأنه كان بيغرق وطلع.
البنت كان اسمها فريدة، عرفت ده لما مامتها اتصلت بيها تطمن عليها. مكملتش خمسة وعشرين سنة، وبتتكلم براحة وهدوء واحدة متخيلة إن حياتها ماشية في السليم وأحسن ما يكون. طلعت تليفونها وفضلت تفرج طارق
بص يا روحي، هنا السونار باين أوضح، الدكتور قاللي نبض البيبي زي الفل، وبدأ يتقل أهو في شهري السادس.
طارق رد بصوت واطي ومخڼوق بالعافية
اه.. تمام، الحمد لله.
خمس سنين من أعياد ميلاد، وجمعات مع عيلته في بيت أهله، ووعود وتضحيات وأحلام بنيناها سوا… اتهدوا كلهم واتلخصوا في اه تمام، الحمد لله.
ملقتش نفسي غير وأنا بسألها ببرود
هو أنتوا متجوزين من زمان؟
فريدة ابتسمت بفرحة
بقالنا ست شهور. عملنا كتب كتاب ولمة صغيرة على قد العيلة عشان ظروف الشغل وحملي اللي جه على طول. أنا أصلاً من طنطا وهو شغله هنا في القاهرة، فمستقرين هناك وهو بيسافرلي، وأنا جيتله كام يوم أغير جو عشان أخيرًا خد إجازة.
بطني اتقطعت وحسيت بغثيان.افتكرت الشهور اللي فاتت لما كان بيقولي إنه بيسافر بلد أهله عشان يساعد أبوه، وكنت أنا اللي بشيل إيجار شقتنا ومصاريف الحجز بحجة إنه بيزنق نفسه عشان يوضب بيت والده.
فريدة عينيها جت فجأة على إيدي اللي ماسكة الدركسيون
ما شاء الله، خاتمك وخاتم خطوبتك حلوين أوي.. شبه خاتمي بالظبط، كأنهم من نفس الصايغ!
بصيت على الدبلة اللي في إيدي… نفس الدبلة اللي هو نقاها بنفسه.
وانتي فرحك امتى إن شاء الله؟
بصيت في المراية، كان طارق منزل راسه في الأرض زي العيل المزنوق.
مفيش فرح… مش هتجوز خلاص.
فريدة اتخضت وملامحها اتغيرت
لا حول ولا قوة إلا بالله، معلش حقك عليا.
ولا يهمك، أنا بس نسيت أقلع الدبلة من إيدي مش أكتر.
وصلنا الفندق، نزلت وهي ساندة عليه، وطارق منزلش عينه في عيني ولا بص وراه أصلًا.
استنيت لحد ما دخلوا من البوابة، وفتحت الشات بتاعه.
كتبت كلام كتير… كلام عتاب، وصدمة، وۏجع.
مسحته كله.
وفي الآخر بعتت جملة واحدة
كل حاجة بينا انتهت. رجلك متبقاشتخطي عتبة الشقة تاني.
قلعت الدبلة من إيدى ورزعتها على التابلوه.
طارق يكتب الآن…
اختفت.
رجعت ظهرت تاني.
مفيش حاجة اتبعّتت.
دورت العربية وجيت أتحرك، لقيته بيجري زي المچنون من مدخل الفندق.
خبط على الإزاز ولحق يفتح باب الكرسي اللي جنبي قبل ما أدوس على زرار السنتر لوك.
سلمى استني! والله العظيم هفهمك كل حاجة، اديني فرصة!
هتفهمني ايه؟ هتفهمني إزاي سوء تفاهم خلاك متجوز بقالك ست شهور وهتولد خلاص؟!
حط إيده على وشه بعجز
كانت غلطة ولحظة شيطان وكنت شارب! وعمها هو اللي وقف جنب أبويا في مصاريف عمليته وعلاجه، ولما عرفوا إنها حامل أهلي حطوا السکينة على رقبتي وضغطوا عليا واتجوزتها من ست شهور في السر عشان أستر الموضوع!
وأنا كنت بنزل أسوق في الشوارع لحد وش الفجر عشان ألم قرشين أفرش بيهم الشقة اللي المفروض نعيش فيها سوا؟!
كنت هخلص الموضوع وأطلقها بعد ما تولد البيبي ونحل الحوار في هدوء!
رميت الدبلة في وشه بكل قوتيرميت الدبلة في وشه بكل قوتي
انزل يا طارق، انزل غور من وشي.
تاني يوم الصبح، أول حاجة عملتها غيرت كالون باب الشقة، وفتحت الحساب البنكي المشترك اللي كنا بنحوش فيه فلوس الجهاز والفرح عشان أطمن على شقايا.
وهناك كانت الصدمة اللي كسرت ضهري بجد.
طارق بقاله سبع شهور كاملة محطش في الحساب جنيه واحد.
ولما نزلت كشف الحساب بالتفصيل، لقيت تلت تحويلات كبار مسحوبين من رصيدي أنا مكنتش مضيت ولا وافقت على مليم فيهم.
مكنتش مستوعبة ولا مصدقة البلاوي اللي كنت داخلة اكتشفها وراه…
الجزء الثاني
قعدت على كرسي الصالون، والتليفون في إيدي بيترعش لدرجة إن الشاشة كانت بتهتز قدام عيني. كشف الحساب البنكي كان واضح زي عين الشمس تلات عمليات تحويل بنكي على فترات متقاربة خلال الست شهور اللي فاتوا. الأولى بمية وعشرين ألف جنيه، والتانية بتمانين ألف، والتالتة بمية وخمسين ألف جنيه.
الحساب اللي طفحت فيه الډم خمس سنين، واللي كنت بحط فيه كل قرش يطلع من مرتبي ومن شغل التوصيل بالليل، اتصفى تقريباً. متبقاش فيه غير ملاليم متكملش تمن إيجار شهرين.
غمضت عيني وحسيت بضربات قلبي بتدق في نافوخي. طارق كان معاه توكيل بنكي بالإدارة والسحب كنت عملتهوله من سنتين لما قررنا نحط الفلوس في شهادات ونجمع عليها عشان إجراءات شقة الإسكان وحجز العفش. كنت واثقة فيه لدرجة العمى، واثقة فيه لدرجة إني مكنتش بفتح الأبلكيشن بتاع البنك غير كل كام شهر مرة، معتمدة على رسايل الإيداع اللي بتجيلي لما بنزل أحط الجمعية أو مرتبي.
بصيت على تفاصيل التحويلات. الفلوس مكنتش رايحة لحساب باسمه، دي كانت بتتحول لحساب في فرع طنطا باسم واحدة اسمها سامية عبد الحميد، وواحدة تانية لحساب شركة لتجهيز العيادات والمستشفيات، وتحويل أخير لحساب معرض سيارات.
قمت وقفت في نص الصالة. الشقة اللي أجرناها في الهرم بقالنا سنة، وكل ركن فيها بيشهد على تعبي الستائر اللي نقيتها، السجاد اللي شيلت تمنه من جمعية قبضوها لي متأخر، المطبخ الخشب اللي دفعت مقدمه من مكافأة نهاية السنة في شركة التأمين. كل ده كان مبني على وهم، وكل ده كان هو بيبيعه وبيشتري بيه حياة تانية كاملة على الجاهز في بلد تانية.
الباب خبط.
خبطة كانت مترددة في الأول، وبعدين بقت ورا بعض، خبط خفيف بس متواصل.
مشيت بالراحة وبصيت من العين السحرية. كان طارق. لابس نفس القميص المكرمش بتاع امبارح، شعره منكوش، ووشه شاحب وتحت عينيه سواد كأنه منمش بقاله سنة.
حطيت السلسلة في الباب ومفتحتش.
رجع خبط تاني، وبعدها رن الجرس رنة طويلة.
سلمى… افتحي بالله
عليكي، عارف إنك جوة وشايف نور الصالة. متعمليش فينا كده، اسمعيني بس لخمس دقايق وبعدها احكمي!
وقفت ورا الباب مباشرة، وحطيت إيدي على الخشب الساقع، واتكلمت بصوت واطي بس حاد ومسموع
الكالون اتغير يا طارق. ومفيش كلام يتقال خلاص. امشي من هنا بدل ما أطلب أمن العمارة وأعملك ڤضيحة يصحى عليها الشارع كله.
سلمى متظلمنيش! أنتي متعرفيش الڼار اللي أنا عايش فيها بقالي ست شهور! والله العظيم كنت بنام وأنا حاسس إن روحي بتتسحب مني! فريدة دي مكنتش في حساباتي، ولا كنت عايزها، أنتي عارفة إني بحبك أنتي وشايلك في عيني!
ضحكت بسخرية مسموعة من ورا الباب
بتحبني؟ بتحبني فبتسحب تحويشة عمري وتحولها لحسابات في طنطا؟ بتحبني وأنت واخد دبلتي اللي نقيتها ورايح تلبسها لواحدة تانية وتعيش معاها في الحلال وتستنى منها عيل؟!
طارق سكت فجأة. الصمت بتاعه كان اعتراف أوضح من أي كلام.
أنتي… أنتي شفتي الحساب؟ سأل بصوت مړعوپ ومخڼوق.
شفت الحساب وشفت القرف اللي أنت عملته كله. التوكيل اللي اتعمل بحسن نية هيتلغي بعد نص ساعة في الشهر العقاري، والفلوس اللي اتسحبت دي دين في رقبتك بالقانون وهترجعها مليم مليم، وإلا البلاغ اللي هيتقدم فيك بخېانة الأمانة هيلبسك بدلة زرقا يا طارق.
سمعته بيتنفس بسرعة ورا الباب، وبدأ يترجى بنبرة فيها عياط هستيري
سلمى متودينيش في داهية! الفلوس دي اتصرفت على تجهيز البيت عندهم وعلى الدكتورة والمستشفى عشان حملها كان فيه خطړ وكان لازم عملية ربط عنق رحم، وأبوها كان هيحبسني لو مكنتش جهزت الشقة اللي هناك على أعلى مستوى! عمها واصل في الغربية ومكنش هيرحمني! والله العظيم كنت هرجع كل قرش أول ما أبيع حتة الأرض بتاعة أبويا في البلد!
رجعت خطوة لورا. مكنتش قادرة أسمع صوته أكتر من كده. كل كلمة كانت بتبين قد إيه الشخص ده رخيص، جبان، ومستعد يدوس على أي حد عشان ينقذ نفسه بس.
امشي يا طارق. المحامي بتاعي هيكلمك.
سلمى! سلمى متقفليش!
سبته واقف ع السلم ودخلت الأوضة، مسكت تليفوني وقفلته تماماً.
الساعة كانت تمانية الصبح. دخلت الحمام، غسلت وشي بمية ساقعة عشان أطرد أثر الدموع والحړقة اللي في عيني، ولبست هدومي الرسمية بتاعة الشغل، بس وجهتي الأولى مكنتش شركة التأمين.
أول مشوار كان مكتب الشهر العقاري في الجيزة. لغيت التوكيل الإداري والبنكي فوراً، وطلبت شهادة رسمية بالإلغاء وسحبت كل الصور والبيانات اللي تثبت إني المالكة الوحيدة للحساب الأصلي.
المشوار التاني كان لمكتب أستاذ مجدي عبد الغفار، المحامي اللي كان جارنا في بيت أهلي القديم في شبرا وراجل كبير وخبير في قضايا الڼصب والأحوال المدنية.
قعدت قدامه في المكتب، وحطيت كل الورق على التربيزة كشف الحساب المفصل، صور وصولات التحويلات، عقد إيجار شقة الزوجية باسمي، وفويساته اللي كان باعتها على مدار الشهور اللي فاتت وهو بيطلب مني أسدد الإيجار ومصاريف العفش عشان هو مزنوق في علاج والده.
أستاذ مجدي بص في الورق بنظارته، وهز راسه بأسف وهو بيعدل نضارته
يا بنتي، الموقف معقد من ناحية وسهل من ناحية تانية. التوكيل كان عام في الإدارة والسحب، وده بيديله ثغرة إنه كان بيتحرك بتفويض منك، لكن حتة إن الفلوس دي كانت مخصصة لغرض معين وفيه محادثات وإثباتات مادية ورسايل بتثبت الغش والتدليس واستيلاء على مال الغير لإتمام زيجة تانية بغير علمك، نقدر نرفع بيها جنحة خېانة أمانة واستيلاء على أموال. بس الأهم من ده كله… إنتي ناوية على إيه بالظبط؟ عايزة فلوسك بس
وتنسحبي، ولا ناوية تفضحي الحكاية؟
بصيت للمحامي، وحسيت بڼار باردة بتسري في عروقي. الۏجع اللي كان كاسرني امبارح بالليل اتحول لحاجة تانية خالص؛ اتحول لرغبة صلبة في إني أسترد كرامتي وكل قرش شقيت فيه، ومش بس كده… فريدة دي، البنت اللي قاعدة في الفندق في الزمالك ومصدقة إنها متجوزة راجل محترم، لازم تعرف الحقيقة، مش عشان أأذيها، بس عشان كدبة طارق متكملش على قفا اتنين مغفلين.
أنا عايزة حقي بالقانون يا متر، مليم مليم. ومش هسيب طارق يخرج من اللعبة دي كسبان كل حاجة وأنا اللي خسرانة تحويشة عمري وشبابي.
أستاذ مجدي كتب كام ملاحظة في الأجندة بتاعته ورفع راسه
تمام. إحنا هنبدأ بإنذار رسمي على يد محضر يطالبه برد المبالغ المستولى عليها خلال 48 ساعة، ولو مردش هنتحرك في بلاغ رسمي للنائب العام ومباحث الأموال العامة. بس خدي بالك… لما تفتحي الباب ده، هو وعيلته مش هيسكتوا، وهيحاولوا يلعبوا على كل الحبال.
خرجت من مكتب المحامي وركبت عربيتي. روحي كانت مشتتة، بس كان فيه حاجة ملحة بتناديني الفندق.
فتحت تليفوني التاني اللي بشتغل بيه في الأوبر. اللوكيشن بتاع امبارح لسه محفوظ في سجل المشاوير فندق معروف على النيل في الزمالك.
سقت العربية واتجهت لهناك. الساعة كانت داخلة على اتناشر الضهر. ركنت العربية في الشارع اللي ورا الفندق، ودخلت اللوبي.
المكان كان هادي، مزيكا كلاسيكية شغالة بصوت واطي، والناس بتتحرك بروقان. قعدت على كرسي بعيد في كافيه اللوبي، طلبت فنجان قهوة سادة، وعيني مسبتش مدخل المصاعد ولا الاستقبال.
بعد حوالي نص ساعة، شفت طارق نازل من الأسانسير. كان لابس قميص تاني نضيف، بس وشه باين عليه التوتر، وماسك الفون على ودنه وعمال يتكلم بعصبية ويشوح بإيده. نزل وراه فريدة، كانت لابسة فستان حمل خفيف ولابسة صندل واطي وماشية براحة وساندة ضهرها.
طارق قفل المكالمة أول ما شافها وقرب منها وحاول يبتسم ابتسامة باهتة، مسك إيدها وراحوا ناحية بوفيه الفطار الملحق باللوبي.
قلبي دق بسرعة. كنت قادرة أقوم دلوقتي، أقف قدام الترابيزة بتاعتهم، أرمي كشف الحساب في وشهم وأقولها الفطار اللي بتاكلوه والفندق اللي حاجزينه ده مدفوع من عرق سواقتي في أنصاف الليالي وشقايا في شركة التأمين.
لكن مسكت نفسي. الڠضب اللحظي كان هيضيع عليا الخطة كلها. طارق كان خاېف، وكان بيحاول يداري، وعشان آخد حقي كامل لازم كل حركة تكون بحساب.
طلعت تليفوني وصورتهم صورة واحدة واضحة وهما قاعدين سوا في اللوبي، صورة كان باين فيها وشه المذعور وهو بيبص حواليه كأنه مچرم خاېف البوليس يطب عليه، وهي جنبهالبرد، وكل خصم اتخصم مني في شغلي عشان كنت بصحى مش شايفة من قلة النوم… كان بيروح عشان طارق يتباشا قدام عيلة غنية في طنطا ويعمل لنفسه هيبة ومكانة على قفايا!
ركبت عربيتي، وركنت على جنب، وطلعت تليفوني.
كان فيه أكتر من 25 مكالمة فائتة من طارق، و مكالمات من أمه، ورسايل واتساب مش بتنتهي.
فتحت رسايل طارق
سلمى ردي عليا أرجوكي!
سلمى أنتي فين؟ زمايلك في الشغل قالوا إنك مجيتيش النهاردة!
سلمى بلاش تهدمي كل حاجة، أنا مستعد أكتبلك وصولات أمانة بالفلوس كلها، بس متعمليش حاجة ندمنا عليها إحنا الاتنين!
سلمى… فريدة اتصلت بيا ومړعوپة، في حد راح سأل عليها في المستشفى باسمك؟ أنتي روحتي طنطا؟!
قريت الرسالة الأخيرة وابتسمت ابتسامة باردة كلها سم.
طارق عرف إني في طنطا. والړعب بدأ ياكل في قلبه، لإن الكدبة الكبيرة اللي بناها خلاص على وشك تتهد فوق دماغه وتدفنه حي.
كتبتله رسالة واحدة
أنا في طنطا يا باشمهندس. والحاج كمال المنشاوي لازم يقعد مع خطيبتك القديمة عشان يبارك لجوازتك اللي على مية بيضا.
قفلت التليفون على طول قبل ما يلحق يرن.
دلوقتي، مكنش ينفع أرجع القاهرة قبل ما أقابل الطرف الأهم في الحكاية دي كلها. الطرف اللي طارق كان بيتحامى فيه وبيخوفني بيه الحاج كمال المنشاوي، أو الست سامية عبد الحميد.
سألت في منطقة الغورية في طنطا عن محلات الحاجة سامية عبد الحميد للأقمشة. كانت محلات مشهورة وكبيرة، واجهات ضخمة بتبيع أقمشة ستائر ومفروشات وملايات سرير فاخرة.
وقفت قدام المحل الرئيسي، وخدت نفس عميق، وعدلت طرحتي وجاكتتي، ودخلت بخطوات ثابتة وراس مرفوعة.
السلام عليكم.
طلعلي شاب من العمال
وعليكم السلام يا آنسة، أهلاً بيكي، بتدوري على قماش صالون ولا تجهيز عرايس؟
لا، أنا عايزة أقابل الحاجة سامية شخصياً في موضوع يخص بنتها فريدة وباشمهندس طارق.
الشاب بصلي باستغراب، وسابني وطلع على سلم داخلي في المحل يودي للمكتب الإداري فوق.
بعد دقيقتين، نزل وقالي
اتفضلي يا فندم، الحاجة سامية مستنياكي فوق.
طلعت السلم، ودخلت مكتب واسع مفروش كلاسيك، قاعدة وراه ست خمسينية شكلها وقور، لابسة عباية سودا شيك ودهب كتير في إيديها، وبتبصلي بنظرات فاحصة وفيها علامة استفهام كبيرة.
أهلاً يا بنتي.. خير؟ قالولي إنك جاية في موضوع يخص فريدة وطارق؟ أنتي زميلته في الشركة في القاهرة ولا إيه؟
قربت من المكتب، سحبت الكرسي اللي قدامها وقعدت من غير ما أستنى إذن، وطلعت من شنطتي تلت حاجات وحطيتهم قدامها على المكتب بالترتيب
كشف الحساب البنكي باسمي وفيه التحويلات الثلاثة الموجهة لاسمها وللمركز الطبي ولمعرض العربيات.
عقد إيجار شقة الزوجية في القاهرة باسمي أنا وطارق كخاطب ومخطوبة من خمس سنين.
صورة السونار وإيصال سداد مصاريف ولادة فريدة من حسابي أنا الشخصي.
الحاجة سامية بصت للورق بحيرة، رفعت نضارة القراءة وبدأت تقرأ بتركيز. مع كل سطر كانت بتقراه، كانت عينيها بتوسع أكتر، ولونها بيخطف، وإيديها بدأت تترعش وهي بتمسك كشف الحساب.
إيه… إيه الورق ده يا بنتي؟ يعني إيه سلمى محمود التهامي؟ وأنتي مين أصلاً؟
بصيت في عينيها مباشرة، وبنبرة هادية بس تقطع زي السکينة، قولت
أنا سلمى يا حاجة سامية. أنا البنت اللي شقيت خمس سنين وسوقت تاكسي وأوبر في نص الليل عشان طارق يجي يتقدملكم لابس بدلة شيك ويقولكم إنه باشمهندس ورجل أعمال، ويدفع مقدم عربية بنتك ويحجز جناح ولادتها بفلوس عرق شقايا وتأمين مستقبلي.
الحاجة سامية اتصلبت في مكانها، النفس انقطع من صدرها، وقامت وقفت وهي بتسند على المكتب پصدمة هستيرية
أنتي… أنتي بتقولي إيه؟!
طارق قايلنا إنه شريك في شركة استيراد وتصدير وإن الفلوس دي أرباح عملياته في الجمارك! طارق جاي متقدملنا من سنة وشاريلنا هدايا ودهب ومعاه أمه وأبوه وشاهدين على كتب الكتاب!
ضحكت بمرارة
طارق موظف خدمة عملاء بسيط بياخد ملاليم، والفلوس اللي دخل بيها بيتكم دي فلوس جمعياتي وشغلي وعرقي اللي سرقه بتوكيل بنكي عملتهوله بحسن نية عشان نجهز شقتنا في الهرم.
الست سامية مسكت تليفونها بإيد مړعوپة عشان تتصل، لكن في اللحظة دي بالظبط… باب المكتب اتفتح برزعة قوية.
طارق كان واقف على الباب، وشه غرقان عرق، بینهج كأنه كان بيجري ورا عربية، وعينيه لما شافتني قاعدة قدام حماته والورق مفروش على المكتب… حسيته ماټ في جلده من الړعب!
سلمى!… ماما سامية، متسمعيش منها حاجة، الست دي مچنونة وجاية تبتزنا وتخرب بيتي!
وقفت، ولفيت وبصيتله من فوق لتحت باحتقار، وقولت بأعلى صوت
الباشمهندس وصل أهو يا حاجة سامية… اسمعي بقى منه كدبة تانية يمكن تعجبك!
الفصل الأخير
طارق كان واقف على باب المكتب، صدره بيعلى ويهبط پهستيريا، عروق رقبته ناطرة، والقميص الأبيض اللي كان لابسه لاصق في ضهره من العرق. عينيه كانت رايحة جاية بيني وبين حماته سامية، زي الحرامي اللي اتقفش متلبس وفي إيده كيس الخزنة.
ماما سامية! متسمعيش منها حرف! الست دي مريضة، كانت زميلتي في الشغل وعايزة ټبتزني وتخرب بيتي عشان رفضت أتجوزها زمان! الورق ده كله مزور وفوتوشوب!
الحاجة سامية موطتش عينها ولا اتحركت من مكانها. مسكت كشف الحساب البنكي الممهور بختم البنك الحي، ورفعت إيصال مستشفى النساء والتوليد اللي مدفوع فيه تمانين ألف جنيه باسم سلمى محمود، ورزعته فوق المكتب بصوت رج أركان الأوضة.
مزور يا ابن الرفاعي؟! ختم البنك الأهلي فرع الدقي مزور؟! ختم مستشفى الشروق التخصصي اللي متابعة فيها بنتي وحاجزلها الجناح باسم الست دي مزور؟! التحويل اللي دخل حسابي الشخصي باسمها هي مية وعشرين ألف جنيه عشان تشطيبات شقة طنطا مزور؟!
طارق لسانه اتعقد، شفايفه نشفت، وحاول يقرب من المكتب وهو بيمد إيده يترجى
يا ماما سامية اسمعيني بس، دي مؤامرة عشان…
اخرس واقطع لسانك! صوت راجل جه من ورا ضهر طارق زي الرعد.
لف طارق وهو بيتنفض، وكان اللي داخل الحاج كمال المنشاوي بنفسه، راجل ستيني هيبته تملى المكان، ووراه اتنين من رجالة العيلة ومعاهم فريدة.
فريدة كانت ماسكة في دراع أبوها، وشها مخطۏف، شفايفها بترتعش، وعينيها متثبتة عليا. كانت لا


