عام

اماني السيد

وبعدين دخلت أوضتها وقفلت الباب

المرة دي ما قفلتوش بالمفتاح

وقعدت على طرف السرير وبصت للحيطة قدامها وقت طويل

كانت حاسة إن عمرها كله بيتجمع قدام عينيها

كل مرة كانت أمها بتقول لها

«أنتي الكبيرة وعاقلة»

كانت فاكرة إن ده مدح

لكنها فجأة فهمت إن معنى الكلام كان مختلف

أنتي الكبيرة يعني شيلي

أنتي الكبيرة يعني استحملي

أنتي الكبيرة يعني أختك صغيرة

أنتي الكبيرة يعني مش مهم لو زعلتي

أما أختها الصغيرة فكانت دايمًا «حبيبتي» و«قمر» و«لسه صغيرة»

دخلت سمر إيدها تحت المخدة وطلعت صورة قديمة لأبوها

فضلت تبص لها وهي بتعيط

وقالت بصوت مكسور

«كنت عارف يا بابا؟»

وسكتت لحظة

«كنت عارف إن ماما بتحبها أكتر مني؟»

وبعدين ابتسمت ابتسامة موجوعة

«أنا كنت بقول لنفسي يمكن أنا اللي حساسة زيادة»

في اللحظة دي سمعت خبط على الباب

كان صوت أمها

«سمر؟»

سمر مسحت وشها بسرعة

«أيوه»

«انزلي شوفي العشا»

سمر بصت للصورة في إيدها

وبعدين ردت

«حاضر»

نزلت

لكن حاجة واحدة كانت اتغيرت

لأول مرة في حياتها وهي داخلة المطبخ ما كانتش حاسة إنها بنت البيت

كانت حاسة إنها واحدة غريبة بتشتغل فيه

أما الأم فكانت لسه مش عارفة إن بنتها سمعت كل حاجة

كانت فرحانة

لأن عمتهم كانت وافقت إنها تيجي تشوف الصغيرة بدل سمر

وفي اليوم التالي وصلت مكالمة قلبت البيت كله

عمتهم قالت

«أنا فكرت في كلامك يا أم البنات وعايزة أشوف الصغيرة»

الأم ابتسمت

«من عنيا»

لكنها ما كانتش عارفة إن عمتهم بعد ما قفلت معاها ما اقتنعتش

بالعكس

كانت حاسة إن في حاجة غلط

لأنها كانت تعرف سمر من وهي صغيرة

وكانت عارفة إنها بنت هادية ومحترمة

فقالت لابنها كريم

«أنا عايزة أفهم منك حاجة»

«خير يا ماما؟»

«أنت متأكد إنك كنت عايز سمر؟»

كريم استغرب

«طبعًا»

«حتى بعد كلام خالتك؟»

«إيه اللي قالته؟»

سكتت لحظة

وبعدين قالت

«قالتلي إن سمر مش مناسبة ليك وإن أختها الصغيرة أنسب»

كريم سكت

«بس أنا ما شوفتش الصغيرة أصلًا»

أمه ردت

«عشان كده أنا مش هاخد قرار من كلام حد»

وفي اليوم اللي بعده طلبت تقابل البنتين بنفسها

لكن قبل ما توصل كانت سمر قد أخذت قرارها

مش هتجري ورا جواز

ومش هتطلب من أمها تحبها

ومش هتدخل في منافسة مع أختها

هي بس لأول مرة قررت تحب نفسها.

أما الصغيرة فكانت شايفة إن كل حاجة ماشية زي ما هي عايزة

كانت قاعدة قدام المراية بتجرب هدومها الجديدة

وقالت لأمها

«أنا متأكدة إنه هيختارني»

الأم ابتسمت

«طبعًا يا حبيبتي»

وفي اللحظة دي دخلت سمر الصالة

كانت هادية بشكل غريب

بصت لأختها

وبعدين لأمها

وقالت

«ماما»

«نعم؟»

«عمتنا جاية بكرة؟»

الأم اتوترت

«أيوه»

«كويس»

«كويس ليه؟»

سمر ابتسمت ابتسامة صغيرة

«عشان أنا عايزة أقابلها»

الأم عقدت حاجبيها

«وإنتي ليه؟»

ردت سمر بمنتهى الهدوء

«عشان عندي كلام كتير نفسي أقوله لها»

الصغيرة قامت بسرعة

«إنتي هتتكلمي عن الجواز؟»

سمر بصتلها

«لا»

«أمال عن إيه؟»

سمر سكتت ثواني

وبعدين قالت

«عن الحقيقة»

وسابتهم ودخلت أوضتها

الأم بصت للصغيرة

والصغيرة بصت لأمها

ولأول مرة الاتنين حسوا بالخوف من سمر

لأن البنت اللي طول عمرها ساكتة

لما تقرر تتكلم

محدش كان عارف هتقول إيه.تاني يوم الساعة عشرة الصبح بالضبط وصلت عمتهم

اسمها الحاجة فاطمة

دخلت وهي مبتسمة لكن عنيها كانت بتراقب كل حاجة

بصت للصالة

وبعدين للمطبخ

وبعدين شافت سمر خارجة منه وهي شايلة صينية الشاي

سمر حطت الصينية على الترابيزة وقالت

«أهلًا يا عمتي»

الحاجة فاطمة بصتلها بحنان

«تعالي يا سمر اقعدي جنبي»

الأم تدخلت بسرعة

«سيبيها بس تقدم لنا الشاي الأول»

فاطمة بصتلها

«ما هي قعدت خلاص»

سمر قعدت

والصغيرة دخلت بعدها بدقايق وهي متأنقة جدًا

الأم قامت لها كأنها بتقدم عروسة في فرح

«بصي يا فاطمة الصغيرة عاملة إيه»

فاطمة ابتسمت

لكنها ما علقتش

كريم كان واقف برة مع خاله

والحاجة فاطمة طلبت إن ابنها يدخل

دخل كريم

بص لسمر الأول

وسمر وطت عينيها

وبعدين بص للصغيرة

ورجع بص لسمر

كأن عينه كانت بتدور على إجابة لحاجة هو نفسه مش فاهمها

قعدوا شوية

وبعدها فاطمة قالت

«أنا عايزة أتكلم مع سمر لوحدنا»

الأم اتوترت

«لوحدكم ليه؟»

«عشان أفهمها وأفهم منها»

سمر قامت

«اتفضلي يا عمتي»

دخلوا البلكونة

وفاطمة قفلت الباب وراها

وقالت

«يا سمر أنا هسألك سؤال ومش عايزاكي تجملي الإجابة»

سمر بصتلها

«اتفضلي»

«أنتي عايزة كريم؟»

سمر سكتت

وبعدين قالت

«كنت عايزاه»

فاطمة استغربت

«كنت؟»

«أيوه»

«ليه؟»

سمر ابتسمت بحزن

«لأني لما عرفت إنه سأل عليا حسيت لأول مرة إن في حد شايف فيا حاجة كويسة»

فاطمة قربت منها

«وإيه اللي غير رأيك؟»

سمر بصت ناحية باب الصالة

«سمعت ماما وهي بتتكلم معاكي»

فاطمة اتجمدت

«سمعتي؟»

«آه»

«كل الكلام؟»

«كل كلمة»

سكتت فاطمة

سمر كملت

«سمعت إنها شايفاني ناشفة ومعقدة ونكد وإن أختي هي اللي تستاهله»

«وأنتي مصدقة الكلام ده؟»

سمر هزت راسها

«زمان كنت ممكن أصدقه»

«ودلوقتي؟»

سمر مسحت دمعة نزلت من عينها

«دلوقتي عرفت إن المشكلة مش فيا»

فاطمة حضنتها

وسمر لأول مرة من سنين سمحت لنفسها تعيط قدام حد

قالت

«أنا مش زعلانة عشان الجواز»

«أمال زعلانة عشان إيه؟»

«عشان أمي نفسها كانت شايفاني قليلة»

فاطمة قالت

«أنا هقولك حاجة»

سمر بصتلها

«ابني من أول مرة شافك في مناسبة عائلية قاللي أنا عايز سمر»

«بس هو ما اتكلمش معايا»

«عشان كان مستني رأي أهله الأول»

سمر هزت راسها

«أنا مش عايزة أكون سبب مشكلة بينكم»

فاطمة قالت بحزم

«إنتي مش سبب أي مشكلة»

وبعدين سألتها

«لو كريم لسه عايزك بعد كل اللي حصل هتوافقي؟»

سمر أخدت نفس طويل

«مش دلوقتي»

«ليه؟»

«لأني محتاجة أعرف أنا عايزة إيه الأول»

فاطمة ابتسمت

«وده أول قرار صح سمعته منك»

رجعوا للصالة

الأم كانت قاعدة متوترة

والصغيرة كانت بتبص على كريم وتحاول تلفت نظره

لكن كريم كان ساكت

الحاجة فاطمة قالت

«أنا هاخد وقتي وأرد عليكم»

الأم حاولت تستوقفها

«يعني إيه؟»

«يعني مش هينفع نقرر حياة ابني بناء على كلام اتقال في التليفون»

الأم وشها اصفر

«هو أنا قلت حاجة غلط؟»

فاطمة بصتلها نظرة طويلة

«أنتي عارفة»

وسابت البيت

بعد ما خرجت

الأم انفجرت في سمر

«إنتي قلتي لها إيه؟»

سمر ردت بهدوء

«الحقيقة»

«حقيقة إيه؟»

«إنك قلتي عليها إني نكد ومعقدة»

الصغيرة شهقت

الأم سكتت

سمر كملت

«وإنك قلتي لها إن أختي الصغيرة أولى مني»

الأم قربت منها

«إنتي بتفضحيني؟»

سمر لأول مرة رفعت صوتها

«أنا؟!»

سكتت لحظة

وبعدين قالت

«أنا اللي فضحتك؟ ولا أنتي اللي ظلمتيني؟»

الصغيرة تدخلت

«ماما هي أكيد قالتلك كلام يخليكي تقفي جنبها»

سمر بصتلها

«لا يا منى»

الصغيرة اتوترت

سمر قالت

«أنا مش هحاربك»

«ولا هطلب منك تحسي بالذنب»

«بس من النهاردة كل واحدة فينا هتشيل نتيجة أفعالها»

دخلت أوضتها

الأم فضلت واقفة مكانها

ولأول مرة بدأ الخوف الحقيقي يدخل قلبها

لأن سمر ما كانتش بتزعق

ولا بتعيط

ولا بتترجى

كانت هادية

والهدوء ده كان أخطر من أي خناقة.عدت أيام والبيت اتغير

سمر بطلت تعمل كل حاجة

مش لأنها بقت مهملة

لكن لأنها فهمت إن اللي كانت بتعمله عمره ما كان واجبها لوحدها

في أول يوم حطت أمها هدوم الغسيل قدامها

«سمر انزلي انشري الغسيل»

سمر قالت

«منى موجودة»

الأم بصتلها باستغراب

«إنتي بتردي عليا؟»

«لا»

«أمال؟»

«بقول إن منى تقدر تساعد»

الصغيرة قالت بسرعة

«أنا عندي مذاكرة»

سمر ردت

«وأنا كمان عندي مذاكرة»

الأم اتعصبت

«بقى كده؟»

سمر سكتت

وفي الآخر نشرت الغسيل بنفسها

لكنها بدأت تفهم معنى التعب

بدأت تفهم إن السنين اللي فاتت كانت ماشية لأن سمر كانت بتسكت

في نفس الوقت كريم كان بيسأل أمه كل يوم

«ردت عليك؟»

فاطمة قالت

«لسه»

«ليه؟»

«لأنها محتاجة وقت»

كريم ابتسم

«يبقى نستناها»

الأم كانت مصرة إنها تقنعه بالصغيرة

لكن كريم قال لها

«يا ماما أنا قابلت الاتنين»

«طيب؟»

«منى جميلة وخفيفة»

الأم ابتسمت

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى