
قال وهو متضايق:
إنتِ ما غلطتيش في حاجة. كلي وبلاش تزعلي نفسك.
بس أنا كنت خلاص، القهر واكل قلبي.
طول الليل وأنا بلف في السرير، مش عارفة أنام. كل ما أفتكر جملتها “وغيرك يبصلك… مينفعش”، أحس إن في حاجة غلط.
حتى الصبح، ماكانش ليا نفس أحط كحل في عيني.
لكن عشان خاطر جوزي، استعوضت ربنا وقلت:
هروح الفرح وخلاص.
لبست أحسن ما عندي، وظبطت بناتي، ونزلت القاعة وأنا رافعة راسي.
بس يا ريتني ما روحت…
مع أول دقيقة لدخول العريس والعروسة على الكوشة، النور طفى، والموسيقى بقت بترج القاعة.
وفجأة…
حركة غير متوقعة لفتت انتباه المكان كله!
ناس بدأت تتجمهر وتستفسر، والكل بيدور على سبب المفاجأة.
وفجأة النور رجع نور في نص الصالة.
وقفت متسمرة مكاني…
الدم نشف في عروقي من هول المنظر.
الأمور انكشفت قدام الكل في الفرح.
المعازيم بقوا يتابعوا اللي بيحصل بدهشة، والعروسة كانت مذهولة، وسِلْفي الصغير أول ما شاف اللي حصل…
وقع من طوله ومغمى عليه.
وأنا واقفة ماسكة إيد بناتي، مش قادرة أتحرك ولا أنطق.
لأن في اللحظة دي، افتكرت يوم الحنة…
وافتكرت أخت جوزي وهي بتمنعني أطلع الأكل فوق.
وساعتها فهمت إن اللي حصل يوم الحنة…
ماكانش مجرد موقف سخيف.
كان وراه سر… وسر كبير جدًا، ظهر قدام عيني في ليلة الفرح.
الفصل الثاني
النور اللي ظهر في نص الصالة كشف عن حضور غير متوقع؛ ست شايلة على إيدها عيل صغير ملفوف في بطانية بيضا، وجنبها أشخاص من أهالي البلد جايين يستفسروا عن الحقيقة بصوت حاسم.
الست كانت بتتكلم بوضوح، وواضح إن فيه موضوع مهم يخص العريس، ورفعت أوراق رسمية قدام الكل: “فين العريس؟ الجوازة دي مبنية على الصح، وده جوزي وابني على سنة الله ورسوله!”
المعازيم استغربوا الموقف في الأول، بس الست قربت من مكان الكوشة ووضحت الأمر، والكل لاحظ الشبه الكبير بين الطفل وسلفي الصغير.
سلفي كان مرمي على الأرض جنب الكوشة بعد ما أغمى عليه، والعروسة وأهلها كانوا في حالة صدمة كبيرة، وأبو العروسة بيسأل باهتمام وعتاب عن حقيقة اللي بيحصل.
أنا كنت واقفة متسمرة، كل عصب في جسمي مشدود، وإيدي بتعصر على إيدين بناتي لدرجة إن البنت الصغيرة دمعت وقالت لي بصوت واطي: “ماما، إيدك بتوجعني… في إيه يا ماما؟ مين دي؟”
نزلت على ركبي بالعافية وضميتهم لصدري، ورفعت عيني أدور على أخت جوزي، صفاء.
عيني جت في عينها بالصدفة. صفاء كانت واقفة ورا عمود من عواميد القاعة، ورا الكوشة بشوية. وشها ماكانش فيه صدمة عادية، كان وش واحدة اتكشفت! عينيها كانت بتتحرك بسرعة بين الست دي وبين العيل، وشفايفها بتترعش من غير ما تنطق ولا كلمة.
وساعتها، فلاش باك سريع ضرب في دماغي زي السكينة.
يوم الحنة… الصبح بدري… لما كنت شايلة الصينية وفيها العشر وجبات وطالعة بيهم السلم لبناتي، ووقفتني صفاء بمنتهى الحسم وقالت: “استني، ما تطلعيش حاجة فوق… ينزلوا ياكلوا تحت.” ولما عاندت معاها، بصت للصينية وقالت لي جملتها اللي حرقت دمي: “وغيرك يبصلك… مينفعش!”
ساعتها أنا افتكرت إنها بتقصد حماتي، أو سلايفي التانيين، أو المعازيم اللي قاعدين في الصالة تحت. افتكرت إنها بتستخسر اللقمة في بناتي أو بتتكبر عليا! لكن في اللحظة دي، وأنا باصة لوشها المرعوب في القاعة، افتكرت حاجة كانت تايهة عني خالص.
أنا لما جيت أنزل من شقتي الصبح يوم الحنة عشان أخدم في المطبخ، شفت باب السطوح موارب، وسمعت صوت عيل صغير بيعيط خفيف. ساعتها ما ركزتش، قولت يمكن ده صوت قطة على السطح، أو عيل من عيال الجيران اللي بيلعبوا. ولما كنت بحط الوجبات في الصينية، صفاء كانت طالعة نازلة من على السطوح ومعاها شنطة بلاستيك سودا كبيرة، وكل ما حد يقرب من بير السلم كانت بتتلفت بتوتر.
صفاء ماكانتش خايفة المعازيم يبصولي وأنا طالعة بالأكل لبناتي… صفاء كانت خايفة أطلع شقتي في الدور التالت، وأشوف اللي كان موجود فوق في أوضة السطوح! الوجبات اللي أنا كنت طالعاها ماكانتش هي المشكلة، المشكلة إن طلوعي السلم في التوقيت ده كان معناه إني هعدي على أوضة الغسيل اللي على السطوح.
الصوت رجع يدوي في القاعة وقطع حبل أفكاري: “متجوزني رسمي وقافل عليا في شقة تانية، ولما عرفت إنك بتعمل فرح وجيتلك يوم الحنة الصبح عشان أطلب حقوق ابني وأفهم الحكاية، أختك اتفقت معاك وطلبت مني أفضل فوق السطوح ووعدتني إن الموضوع هيتحل بعد الفرح!”
الكلمات نزلت زي المطرقة على دماغي. يعني صفاء كانت مخبية مرات أخوها الشرعية وعيلها فوق السطوح طول يوم الحنة! عشان كده لما مسكت الصينية، عينيها راحت لفوق، وكانت بتموت من الرعب إني أطلع أو أسمع صوت حركة. صفاء حرمت بناتي من اللقمة في فرح عمهم، وخلتني أطبخ مكرونة مسلوقة لعيالي، عشان تستر على أخوها وتأمن إن الفرح يعدي والصفقة تتم! أصل عروسة سلفي أبوها مقاول تقيل، والجوازة دي لو باظت، العيلة كلها هتتأثر.
القاعة بقت كلها نقاشات وحيرة وتوتر بين العائلتين، والناس بتتحرك بسرعة عشان تخرج وتفهم اللي بيحصل.
جوزي لمحني وأنا متكومة على بناتي في الزاوية، جه بيجري عليا، بدلة الفرح بتاعته مقطوعة من الكتف وعرقه نازل شلالات، وشه أحمر من الغضب والكسرة: “خدي البنات وامشي! خدي البنات واطلعي على البيت فورًا، متقفيش هنا ثانية واحدة!” بصيت في عينه وقولتله بصوت جامد ماعرفش طلع مني إزاي: “وأختك؟” بصلي بذهول وهو مش مستوعب سؤالي وسط الزحمة دي: “أختي إيه دلوقتي يا ولية؟ اطلعي برة القاعة المكان زحمة والوضع مأساوي!”
شدت بناتي وقومت، جريت وسط الزحام، وبنتي الصغيرة كوتشيها ضاع في السكة، بس ما وقفتش. عيني كانت على الباب، وطلعت للشارع والهوا البارد لطش في وشي، بس النار اللي جوايا كانت كفيلة تحرق بلد.
روحت البيت مشي، المسافة بين القاعة والبيت كانت ربع ساعة، مشيتها في خمس دقائق. طلعت السلم وبناتي بيترعشوا، دخلتهم الشقة وقفلت الباب، وقعدتهم في الصالة: “اقعدوا هنا، محدش يتحرك ولا يفتح الباب لحد.”



