روايات وقصص

فرح سلفي مني السيد

ما دخلتش مطبخي، ولا غيرت فستاني المتبهدل. طلعت مفتاح كان جوزي ناسيه على الجزامة، مفتاح السطوح اللي كان مع صفاء دايمًا. رجليا قادتني لوحدها، طلعت السلم بخطوات تقيلة، كل درجة بطلعها كانت بتفكرني بذلي الصبح وأنا شايلة الصينية وبترجاها عشان أطعم عيالي من دبيحة بيت حمايا. وصلت لباب السطوح، كان موارب، وباين إن الست لما مشيت سابت الباب مفتوح.
دخلت أوضة الغسيل. ريحة المكان كانت قديمة. بطانية مفروشة على الأرض، وقزازة مية بلاستيك فاضية، وعليها بقايا عيش ناشف… وجنبها طبق مكرونة متغطي بكيس! قربت من الطبق، وشيلت الكيس ببطء. المكرونة اللي أنا عملتها لبناتي لما نزلت لقيت التلاجة فاضية! صفاء ما اكتفتش بإنها منعتني من أكل الدبيحة، دي طلعت بعد ما دخلت شقتي، خدت حلة المكرونة اللي فضلت مني وطلعتها للمسكينة دي عشان تسكت عيلها!
دموعي نزلت في اللحظة دي، بس ماكانتش دموع حزن، كانت دموع قهر بيتحول لبركان. الست الغلبانة دي وعيلها قضوا الوقت ده هنا وهي مراته في السر على سنة الله ورسوله، وبناتي اتجوعوا عشان المظاهر، وأنا اتهنت واتقالي مينفعش عشان أخت جوزي تدير تصرف غير مناسب لأخوها وتخليه يغش بنت تانية.
سمعت صوت عربيات بتقف تحت البيت وصوت دخول ناس بعنف. نزلت بسرعة لشقتي ووقفت ورا باب الشباك اللي بيبص على الشارع. كانت عربية جوزي، ومعاه سلفي وشه متبهدل والبدلة مليانة تراب، ومعاهم حمايا اللي كان ساند على عكازه وهو زعلان جدًا، راجل كبير بيشوف الأمور بتتأزم قدامه. وراهم على طول، نزلت صفاء من تاكسي لوحدها، بتتلفت حواليها بتوتر، ولابسة عبايتها فوق فستان الفرح.
طلعوا كلهم على شقة حمايا في الدور الأول. خلال دقايق، صوت النقاش العالي كان بيسمع في الشارع. وأبوهم بيصرخ بحسرة: “ضيعتونا! الوضع بقى سيء قدام الناس!” المقاول وأهل العروسة متضايقين جداً وبيضغطوا عشان يفهموا إزاي ده يحصل، وصوت سلفي وهو بيرد برعب وعياط: “كنت هصرف نفسي يا بابا! الجوازة كانت رسمي ومحدش يعرفها غير صفاء، وكنت ناوي أطلقها وأديها حقوقها بس هي مسكت في خناقي وجاتلي يوم الحنة، وصفاء قالتلي سيبيها عليا أهديها وأحطها فوق السطوح لحد ما الفرح يخلص!” وهنا طلع صوت صفاء، صوتها اللي كان من ساعات بيكسر فيا: “وأنا عملت إيه يعني؟ أنا كنت بحاول أحل المشكلة! قعدتها فوق ووعدتها إنك بعد الفرح هتسجل الواد رسمي وتديلها قرشين وشقة باسمها عشان تسكت!”
الكلام كان واضح. صفاء وسلفي الصغير كانوا متفقين على الموضوع ده من أوله، وكانوا بيتعاملوا مع البيت كأنه ملكهم وأسرارهم هي اللي تتحكم في مصير الكل.
الباب عندي خبط. فتحت، لقيت جوزي واقف في وشي. عينيه كانت حمرا من كتر الغيظ والعجز، بصلي وقال: “سامعة المهزلة اللي تحت؟” ما رديتش، بصيتله ببرود وسبت الباب مفتوح ودخلت قعدت. دخل ورايا وقفل الباب وقعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه: “فضيحة… فضيحة هتوصل للجهات المعنية، أهل مراته الأولى جايبين إثباتات وقسيمة الجواز، والمقاول غضبان جداً، وإحنا مش عارفين نعمل إيه.” قولتله بهدوء غريب: “وأختك صفاء عملت إيه في الوعد اللي وعدته لمرات أخوك؟” رفع راسه وبصلي بصدمة: “إنتِ عرفتي منين حكاية مرات أخويا؟” ابتسمت ابتسامة صفرا، نفس الابتسامة اللي ابتسمتها لأخته يوم الحنة: “عرفت لما شفت بقايا الأكل فوق السطوح، ولما فهمت ليه بناتي باتوا جعانين، وليه اتقالي مينفعش تاخدي أكل لعيالك… أصل أختك كانت بتوفر أكل الفرح للناس اللي مخبياهم فوق وأنا مش دريانة!”
جوزي بلع ريقه، ملامحه اتغيرت وبدأ يحس بحجم المصيبة اللي دخلت بيتنا: “أنتي قصدك إن صفاء كانت مخبية الست وابنها فوق السطوح؟ في بيتي أنا؟” “أيوة، في بيتك، فوق شقة مراتك وعيالك، عشان تداري على جوازة أخوك في السر. ودلوقتي أهل العروسة التانية مش هيسيبوا حقهم، ومراته الشرعية معاها ورق رسمي.”
وقبل ما جوزي يلحق ينطق، صوت نقاش تاني رنت في عمارة البيت، بس المرة دي كانت أصوات الناس اللي جاية تطلب بحقوق الست دي من تحت! جرينا أنا وجوزي على الباب وبصينا من بير السلم. كان فيه ناس كثيرة وأهل مراته اللي في السر، وصوت راجل منهم كان بيهدر: “الوضع ده ما ينفعش يسكت عليه! حق أختنا وابنها لازم يرجع بالطرق الرسمية والقرارات القانونية المناسبة!”
صفاء كانت مستخبية ورا أبوها، بس النظرة اللي كانت في عيون الناس كانت بتولع الدنيا، والفضيحة كانت بداية لحساب كبير لكل واحد تسبب في المشكلة دي.
جوزي نزل يجري على السلم، وأنا وقفت على أول الدرج من فوق شقتي، باصة من بين درابزين الحديد، شايفة كل تفصيلة بتتسجل قدام عيني، وكأن الدنيا بتدور عشان تردلي حقي وحق كسرة بناتي تالت ومتلت.
شقة حمايا كانت مفتوحة، وظهر حمايا راجل عجوز مكسور الظهر، عينه مطفية وعكازه بيخبط في البلاط برعشة واضحة. وراه كان سلفي الصغير مستخبي، وصفاء واقفة في الصالة تلطم على خدودها وهي بتصوت بصوتها المشروخ: – يا ناس يا عالم، إحنا بيت محترم! عايزين مننا إيه؟ هو في إيه؟
الناس دخلت وتكلمت بجدية وحزم: – الكلام ده ملهوش مبرر. الموضوع هيتحل بالطرق الرسمية والشرعية، وحق الناس دي مش هيضيع. الباشا الصغير مطلوب، وأنتي مسئولة كمان يا صفاء عبد المجيد عن كل التصرفات دي!
صفاء رجعت لورا خطوتين ورجلها اتخبطت في الترابيزة، وشها غير ملامحه: – أنا؟ أنا اللي أتحبس؟ أنا كنت بصلح ما بينهم! دي هي اللي جات البيت، قولت أهديها وأقعدها تستريح فوق لحد ما نخلص الفرح ونتفاهم!
أخو الست، راجل أسمر وطويل، صوته جهور، طلع قدامها وشاور عليها بصابعه: – تستريح؟ تقفلي على أختي وابنها في مكان حار وترميلها كسرة عيش ومكرونة مسلوقة زي الكلاب عشان تداري على وساخة أخوكي؟ لولا إنها قدرت تفتح الباب وتنزل تطلب حقها، كان حصل اللي ما يتحمد عقباها! أنتي لازم تتحاسبي على اللي عملتيه!
سلفي كان واقف يبكي زي الأطفال، مسك إيد حمايا وقال برعشة: – يا بابا، متخليش الأمور توصل لكده، أنا معرفش حاجة! صفاء هي اللي قالتلي متقلقش، صفاء هي اللي قالتلي البت لو نزلت الفرح هتبوظ الصفقة والمقاول هيلغي المؤخر والشقة! أنا اسمع كلامها بس!
محمود باع أخته في ثانية عشان ينجي نفسه. صفاء بصتله بنظرة مذهولة، الفك بتاعها سقط لتحت، دموعها نشفت فجأة من كتر الصدمة: – أنا يا محمود؟ أنا اللي كنت بفرشلك الأرض ورد وبدور على مصلحتك عشان تتجوز بنت المقاول ويبقى لك شأن وقيمة في وسط الناس؟ أنا اللي نزلت أخدم معاك من الفجر وأشيل الهم وأتحمل قرف البيت كله عشانك، تبيعني وتقول صفاء هي السبب؟
جوزي نزل وقف بينهم وحاول يهدي الدنيا، صوته كان بيرتعش من الحرج والخزي قدام أهل الحتة اللي بدأوا يتجمعوا على السلم ويتفرجوا من الشبابيك: – يا جماعة استهدوا بالله، كل حاجة هتتحل بالود، إحنا ولاد أصول والصلح خير، اقعدوا ونتفاهم في أي حق تطلبوه.
أخو الست بص لجوزي من فوق لتحت باحتقار: – ولاد أصول؟ فين الأصول دي يا بشمهندس؟ الأصول إن أخوك يكتب على أختنا رسمي في السر ويقعدها في شقة متسواش تلاتة جنيه، ولما ربنا يرزقه منها بعيل يرميها وينكر نسبه، ويروح يدور على بنت مقاول عشان قرشين وسخة؟ ولما تيجي تطلب ستر ابنها، أختك تحبسها فوق السطوح وسط الكراكيب؟ الأصول مش في لسانك، الأصول في الجهات الرسمية. يلا يا جماعة، كل واحد هياخد حقه بالعدل!
الموقف كان صعب على صفاء، والكل كان بيبص لها نظرة عتاب شديدة.
صفاء صرخت صرخة مكتومة ووقعت على ركبها في أرض الصالة، وفستان الفرح اللي كانت قالعاه ومرمي على الكنبة كان باين تحت رجليها: – يا بابا! يا أحمد! الحقوني! الناس تقول عليا إيه؟
حمايا ما نطقش ولا كلمة. الراجل كان واقف باصص في الأرض، دموعه نازلة على لحيته البيضا، مسك عكازه وضهره محني للأرض أكتر، كأنه عجز عشرين سنة فوق عمره في ليلة واحدة. شاور بإيده بضعف، إشارة معناها: «اللي غلط يتحاسب، وخلصوني من العار ده».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى