
جوزي حاول يتصرف وهو بيشد قميصه، بس الست، مرات سلفي الشرعية، وقفت على أول السلم وبصت لفوق. عينيها جت في عيني مباشرة، وأنا واقفة قدام شقتي في الدور التالت. شاورت عليا بإيدها المرتعشة، ووجهت كلامها لجوزي والناس: – الست اللي واقفة فوق دي… هي الست الوحيدة الشريفة في البيت ده. الكل سكت، وجوزي رفع عينه ليا باستغراب. الست كملت وصوتها بيتقطع بالدموع: – أنا كنت بموت من العطش والجوع أنا وابني فوق السطوح، والهانم دي كانت قافلة علينا وسايبانا للحر، لحد ما لقيت أختك داخلة عليا بطبق مكرونة بايت، كانت سرقاه من مطبخ مراتك فوق بعد ما منعتها تطعم بناتها! صفاء قالتلي كلي أنتي وابنك واخرسي، ده اللي طلعنا بيه من مرات أخويا اللي كانت فاكرة نفسها هتاكل من دبيحة الفرح! أنا سمعت كل كلمة، وعرفت إن الست دي وبناتها اتظلموا زيي بالظبط عشان يداروا على عمايلكم!
الكلام نزل زي مية النار على وش صفاء، اللي رفعت عينها ليا من تحت ودموعها مغرقة خدودها، عينها كانت مكسورة، ذليلة، مفهاش ذرة من الكبرياء الفارغ اللي وقفت بيه قدامي على السلم يوم الحنة وهي بتقولي: «مينفعش… وغيرك يبصلك».
أنا ما اتكلمتش. فضلت باصة لها من فوق، راسي مرفوعة، وإيدي ساندة على الدرابزين بثبات تام. كنت شايفة الكل حواليهم، والناس في الشارع واقفة تتفرج، والهمس بقى كلام وملاحظات مالية الحتة. الجيران اللي كانوا من يومين بيباركوا وبياكلوا من دبيحة العجل الجاموسي، دلوقتي واقفين يشاوروا عليهم بالشعور بالصدمة.
الساعة كانت داخلة على الفجر، والبيت بقى هادي هدوء غريب، زي ما تكون العاصفة عدت وراحت.
حمايا قفل باب شقته بالمفتاح، ودخل قعد في الضلمة ومرديش يكلم حد. وجوزي طلع السلم خطوة خطوة، رجليه بتسحب وراه بالعافية، كأنه شايل جبال الدنيا فوق كتافه. دخل شقتنا، كانت الصالة هادية، وبناتي ناموا من كتر التعب والخوف على الكنبة الصغيرة، متغطيين بكوبيرتا خفيفة.
جوزي قعد على الكرسي قصادي، حط إيده على وشه وقعد يعيط بكا مكتوم. – بيتنا اتخرب يا أم البنات… اتخرب واتفضحنا في المنطقة كلها. المقاول رفع قضايا ومطالب بتعويضات وشيكات كان محمود ماضي عليها للشقة والعيادة، ومحمود وصفاء وضعهم بقى في أسوأ حال، وأبويا ضغطه عالي ومش قادر ينطق.
قومت من مكاني براحة، دخلت المطبخ وعملتله كوباية شاي سخنة، وحطيتها قدامه على الترابيزة. قعدت قصاده بمنتهى الهدوء، وقولتله بصوت واطي بس حاسم: – الظلم يا أحمد… مفيش بيت بيتبنى على ظلم وينجو. رفع راسه وبصلي بعيون محمرة ومرهقة: – أنتي كنتي عارفة؟ – مكنتش عارفة كل حاجة، بس كنت حاسة إن في حاجة غلط بتترتب تحت رجلينا. أختك صفاء شافتني وأنا طالعة بالصينية لبناتي، وبدل ما تقول دي مرات أخويا وبنات أخويا من لحمنا ودمنا ودايمًا بيخدموا معانا، اعتبرتني غريبة، واستخسرت اللقمة في عيالي، عشان خاطر توفر وتداري وتأمن المصيبة اللي فوق راسي. أختك كانت شايفة نفسها فوق الكل، وربنا نزلها لتحت رجلين الكل في ليلة واحدة.
جوزي نزل راسه ودموعه نزلت على طرف الترابيزة: – أنا مكسوف منك، ومكسوف من بناتي. أنا لما طلعتلك بالأكل يوم الحنة مكنتش حاسس بوجع قلبك، كنت فاكرها خناقة حريم عادية… بس لما شوفت اللي حصل الليلة، وشوفت الست دي وابنها، حسيت إن ربنا عاقبنا بالعدل.
– ربنا مش بيظلم يا أحمد. أخوك استغل فقر بنت الناس وتجوزها في السر، ولما ربنا كرمه وعمل قرشين داس عليها وراح يبيع نفسه لبنت المقاول، وأختك ساعدته على الشر عشان منظرتها وفشخرتها الكدابة وسط العائلات. بناتي اللي باتوا واكلين مكرونة مسلوقة، ربنا عوضهم إنه حماهم من إنهم ياكلوا من لقمة جاية من مال حرام وظلم بين.
مرت الأيام تقيلة كأنها سنين على البيت ده. الجهات المعنية حققت، والموضوع مشي في الطرق القانونية، وصفاء ومحمود واجهوا عواقب تصرفاتهم قدام الكل، وطلعت صفاء من التجربة دي إنسانة منكسرة، شعرها شاب نصه، ووشها دبلان، ومبقتش قادرة ترفع عينها في وش حد من الشارع.
المقاول مسبش حقه، وجاب محامين ورفع قضايا لإلغاء كل العقود والشيكات، وأجبر حمايا إنه يتصرف في اللي وراه واللي قدامه عشان يسدد الالتزامات. سلفي محمود طلق بنت المقاول رسمي قبل ما يلمسها، وبقى ملزم بنفقة ومؤخر وشقة لمراته الأولى وابنه اللي ظهروا في الفرح، ورجع يشتغل في مكان صغير، مكسور الجناح والكرامة، مفيش حد من صحابه ولا قرايبه بيبص في وشه.
أما صفاء، فحبست نفسها جوة شقة أبوها، مخرجتش منها شهور، ومبقاش حد يسمع صوتها.
وفي يوم جمعة، بعد شهرين من المصيبة دي كلها، كنت نازلة السلم أنا وبناتي، لابسين نضيف وخارجين نروح نزور أهلي ونتفسح. كنت معدية من قدام شقة حمايا، ولقيت الباب موارب.
صفاء كانت واقفة في الصالة، شافتني ووقفت مكانها. بصيتلها، لقيتها لابسة جلابية قديمة ووشها باهت، وبترتعش. خرجت خطوة لحد عتبة الباب، وبصتلي بصوت واطي كأنه طالع من بير: – أم البنات… وقفت وبصيتلها من غير غل ومن غير كبر: – نعم يا صفاء؟ عينيها دمعت، وبصت للبنات اللي كانوا ماسكين في إيدي، وقالت بصوت مكسور: – حقك عليا… أنا عارفة إني ظلمتك، واستخسرت اللقمة في عيالك، بس ربنا خدلك حقك مني تالت ومتلت، ده أنا بقيت بتمنى الأيام الحلوة ترجع من كتر القرف اللي شوفته. بصيتلها وقلت بهدوء تام: – أنا مسامحة عشان خاطر حمايا وعشان خاطر بناتي ميعيشوش وسط كراهية، بس ربنا يا صفاء مبيسبش حق حد غلبان. اللقمة اللي كنتي بتمنعيها عن عيالي وقولتيلي عليها “مينفعش عشان غيرك يبصلك”، دارت الأيام والشارع كله بقى يبصلك أنتي وأخوكي نظرة مش هتمحوها طول عمركم. اللي بيزرع شوك مبيحصدش قمح، والبيت اللي يتبني على أسرار وظلم، بيهد على دماغ أصحابه في ليلة الفرح قبل ما يتهنوا بيه.
سيبتها ومشيت، نزلت السلم وبناتي بيضحكوا جنبي وواكلين وشاربين ومبسوطين، والشارع كله نور وهوا نضيف. خرجت للدنيا وأنا رافعة راسي، متأكدة إن حق المظلوم مبيضيعش أبدًا، وإن دبيحة الفرح الكدابة مبقتش غير عبرة لكل واحد فاكر إن الفلوس والمظاهر ممكن تداري على الظلم…
النهاية
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




