Uncategorized

حطوني قدام امر واقع حكايات صافي هاني

افتكرت أول مرة قبضت منها مبلغ صغير جدًا.

وافتكرت الليلة اللي افتكرت فيها إن كل ده انتهى.

لكن الحقيقة إن اللي انتهى ماكانش مشروعي.

اللي انتهى كان وهم إني لازم أضحي بنفسي عشان أرضي الناس.

في افتتاح الفرع الجديد كان كل الموظفين موجودين.

ومنال قربت مني وقالت:

— فاكرة أول يوم؟

ضحكت.

— فاكرة.

— كنتي بتقولي إنك عايزة يكون عندنا مكان كبير.

قلت:

— ولسه.

قالت:

— دلوقتي عندنا اتنين.

ضحكت.

— يبقى لازم نفتح التالت.

وفجأة سمعت صوت من ورايا.

— وأنا هساعدك.

لفيت.

كانت ماديسون.

واقفة لوحدها.

مفيش شنط ماركات.

مفيش عربيات فخمة.

مفيش غرور.

بس أختي.

بصيت لها.

قالت:

— لو مش عايزة وجودي أمشي.

ابتسمت.

— لأ.

قربت.

— خليكي.

عيونها دمعت.

حضنتني.

الحضن ده كان غريب.

لأنه ما رجعش كل حاجة زي الأول.

لكن يمكن ماكانش لازم يرجعها.

يمكن بعض العلاقات لازم تتبني من جديد.

حبة حبة.

وبحدود.

بعدها بشهور أبويا وأمي جم العزومة اللي عملناها للفرع الجديد.

أبويا وقف قدام اللافتة.

وقال:

— أنا فخور بيكي.

بصيت له.

وقلت:

— شكرًا.

أمي حضنتني.

وقالت:

— سامحيني.

قلت:

— سامحتكم من زمان.

وبعدين بصيت لهم.

— بس مش عايزة حد فيكم ينسى اللي حصل.

أبويا هز راسه.

— مش هننسى.

قلت:

— ولا أنا.

مش عشان أفضل زعلانة.

لكن عشان أفتكر إني لازم أحافظ على نفسي.

بعد ما مشيوا رجعت للمطبخ.

لقيت واحدة من الموظفات الجديدة بتجهز طلب كبير.

سألتني:

— هو صحيح حضرتك بدأتي من مطبخ صغير جدًا؟

ضحكت.

— أصغر مما تتخيلي.

قالت:

— وإزاي وصلتي لكل ده؟

بصيت حواليّ.

وقلت:

— كل مرة الدنيا كانت بتقوللي استسلمي كنت بعمل حاجة واحدة.

— إيه؟

ابتسمت.

— كنت بكمل.

لأن أوقات كتير الإنسان بيفتكر إن أكبر انتصار في حياته إنه ينتقم من اللي ظلمه.

لكن أنا اتعلمت إن أكبر انتصار هو إنك ما تسمحش لظلمهم يغيرك.

أنا ما بعتش مشروعي.

وما دفعتش ديون أختي.

وما دمرتش حياتي عشان أرضي عيلتي.

وفي نفس الوقت ما دمرتش أختي.

سيبت كل واحد يتحمل نتيجة اختياراته.

واتعلمت إن صلة الرحم مش معناها إنك تسمح لحد يظلمك.

وإن بر الوالدين مش معناه إنك تلغي نفسك.

وإن التسامح مش معناه إنك ترجع تدي نفس الشخص فرصة يأذيك بنفس الطريقة.

أنا سامحت.

لكن حطيت حدود.

ووقفت على رجلي.

وبنيت من جديد.

وفي آخر ليلة من أول أسبوع في الفرع الجديد قفلت باب المطبخ بنفسي.

وقفت لحظة وبصيت للمكان.

افتكرت كل حاجة.

المطبخ القديم.

الأفران.

الخدوش.

الليلة السودا.

التسجيلات.

الشرطة.

المحكمة.

الدموع.

والصباح اللي قررت فيه إني مش هبيع.

حطيت إيدي على اللافتة الجديدة.

وقلت لنفسي:

— الحمد لله.

مش عشان أنا انتصرت على أهلي.

لكن عشان ربنا علمني إن رزقي مش مربوط برضا حد.

وإن الحاجة اللي بتتبني بالحلال والتعب ربنا قادر يحفظها بطرق ما تخطرش على بالك.

قفلت النور.

وخرجت.

وفي اللحظة اللي قفلت فيها الباب ورايا عرفت إن الحكاية الحقيقية ماكانتوش عن مطبخ اتخرب.

ولا عن أخت غرقت في الديون.

ولا حتى عن أب وأم غلطوا في حق بنتهم.

الحكاية كانت عن ست صدقت في لحظة إنها لو خسرت كل اللي بنته هتنهار.

لكنها اكتشفت إن الإنسان أحيانًا ما يعرفش قوته غير لما كل حاجة حواليه تقع.

أنا خسرت المكان.

لكن ماخسرتش نفسي.

وخسرت ثقتي في ناس كنت فاكرة إنهم عمرهم ما هيخذلوني.

لكن ربنا عوضني بناس وقفوا جنبي من غير ما يطلبوا مني أي حاجة.

وخسرت سنين وأنا بحاول أثبت لأهلي إني ناجحة.

وبعدين فهمت إن نجاحي مش محتاج إثبات.

أنا كنت ناجحة يوم ما كنت بشتغل في مطبخ صغير.

وكنت ناجحة يوم ما بقى عندي مشروع كبير.

وكنت ناجحة حتى في اليوم اللي وقفت فيه وسط الخراب وقلت:

“أنا مش هبيع.”

لأن القيمة الحقيقية مش في حجم المشروع.

القيمة في إنك تعرف إمتى تتمسك بحقك.

وإمتى تسامح.

وإمتى تبعد.

وإمتى تقول لأ حتى لو كل اللي حواليك بيقولولك إنك أنانية.

وفي النهاية

المكان اللي خربوه اتبنى.

الشركة كبرت.

الموظفين فضلوا شغالين.

أختي بدأت حياة جديدة.

وأبويا وأمي اتعلموا إن البنت اللي كانوا فاكرين إنها قوية ومش محتاجة حد كانت في الحقيقة محتاجة منهم حاجة واحدة بس.

إنهم يصدقوا فيها.

أما أنا

فكل ما أفتكر اللي حصل

مش بفتكر الخراب.

بفتكر اللحظة اللي وقفت فيها وسط المطبخ المدمر

وكنت فاكرة إن حياتي انتهت.

وبعدين رفعت عيني وقلت:

“طالما أنا لسه واقفة

يبقى لسه عندي فرصة أبني كل حاجة من جديد.”

وده بالضبط اللي حصل.

لأن أحيانًا ربنا يسمح إن باب يتقفل قدامك بالطريقة اللي توجعك

عشان يفتح لك باب أكبر

بس المرة دي

محدش يقدر ياخد مفتاحه منك.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى