روايات وقصص

جوزي سابني وانا بولد حكايات صافي هاني

 

— عارف.

 

— لا. أنت عارف الاسم بس.

 

وسكت لحظة.

 

— أنت متعرفش إن الشركة اللي أنت شغال فيها واحدة من الشركات التابعة لمجموعة الشامي للاستثمار.

 

ياسين فتح عينه.

 

— إيه؟

 

أنا بصيت له بهدوء.

 

— شركتك يا ياسين مملوكة لشركة تابعة لأبويا.

 

سكت.

 

— وإنتي كنتي عارفة؟

 

— أيوه.

 

قام واقف.

 

— من إمتى؟

 

— من قبل ما أتجوزك.

 

— وسبتيني أشتغل هناك وأنا مش عارف؟

 

— لأنك كنت هتفتكر إني اخترتك عشان فلوس أبويا.

 

— وأنا فعلًا كنت هفكر كده.

 

ابتسمت بحزن.

 

— عشان كده ما قلتلكش.

 

ياسين بدأ يمشي في الصالة.

 

— يعني كل الفترة دي…

 

أبويا قال:

 

— أنا وافقت على جوازكم لأن فريدة كانت بتحبك.

 

ياسين وقف.

 

— وأنا كنت عايز أتجوزها عشان هي.

 

أبويا بص له بثبات.

 

— وأنا كنت مستني الأيام تثبت الكلام ده.

 

ياسين بص لي.

 

— وأنتي دلوقتي عايزة تطلقي مني؟

 

— أيوه.

 

— بسبب موقف واحد؟

 

هنا ضحكت.

 

— لأ.

 

قربت منه.

 

— بسبب ألف موقف.

 

وبدأت أعد على صوابعي.

 

— كل مرة كنت بتختار رضا أمك على راحتي.

 

— كل مرة كانت تقلل مني وأنت تسكت.

 

— كل مرة كانت تتدخل في حياتنا وأنت تقول لي معلش دي أمي.

 

— كل مرة كنت بتطلب مني أتنازل عشان البيت يمشي.

 

— كل مرة كنت بتخليني أحس إني ضيفة في بيتي.

 

— ولما ابني قرر ييجي للدنيا وأحتاجك أكتر من أي وقت… اخترت حفلة.

 

ياسين ما ردش.

 

قلت:

 

— المشكلة مش إنك روحت عيد ميلاد أمك.

 

— المشكلة إنك شفت مراتي بتولد وابني بييجي للدنيا كأنها حاجة ممكن تتأجل.

 

سكت ياسين طويلًا.

 

وبعدين قال:

 

— أنا مش هطلقك.

 

أبويا رفع حاجبه.

 

— دي مش رغبتك لوحدك.

 

ياسين بص له.

 

— وأنا هصلح.

 

أبويا قال:

 

— أصلح نفسك الأول.

 

ومشي.

 

بعد ما خرج أبويا من الصالة فضلت أنا وياسين لوحدنا.

 

قال:

 

— فريدة أنا بحبك.

 

بصيت له.

 

— يمكن.

 

— يعني إيه يمكن؟

 

— يمكن كنت بتحبني بطريقتك. بس طريقتك كانت بتوجعني.

 

— هتديني فرصة؟

 

— لأ.

 

اتنهد.

 

— طيب أقدر أشوف ابني؟

 

بصيت لسليم.

 

— هو ابنك.

 

— يعني؟

 

— هتشوفه. لكن من النهارده كل حاجة هتبقى رسمي.

 

كلمة “رسمي” كانت تقيلة عليه.

 

لكنها كانت أول كلمة حسيت إنها بتحميني.

 

في اليوم التالي المحامي جه البيت.

 

بدأنا إجراءات الطلاق.

 

وياسين رفض في البداية.

 

دخلنا في مفاوضات طويلة.

 

هو كان عايز يرجعني بأي طريقة.

 

وأمه نوال بدأت تتصل بيا عشرات المرات.

 

في الأول ما رديتش.

 

لكن في يوم رديت.

 

سمعت صوتها وهي بتقول:

 

— إنتي عايزة تخربي بيت ابني عشان عيد ميلادي؟

 

ضحكت من الصدمة.

 

— حضرتك شايفة إن المشكلة عيد ميلادك؟

 

— ابني بيحبك.

 

— لو بيحبني كان جه المستشفى.

 

— هو كان مضغوط.

 

— وأنا كنت بولد.

 

— يا فريدة بلاش تكبري الموضوع.

 

قلت بهدوء:

 

— حضرتك كنتي موجودة في المكالمة.

 

سكتت.

 

— حضرتك سمعتيه وهو بيقول لي اتصرفي لوحدك.

 

— هو كان بيتكلم بعصبية.

 

— وأنا كنت بين الحياة والموت من شدة الألم.

 

— ما كانش قصده.

 

— حتى لو ما كانش قصده فهو عمله.

 

سكتت.

 

وبعدين قالت:

 

— أبوكي دخل بينكم.

 

قلت:

 

— أبويا جه لما جوزي غاب.

 

— هو أبوكي أصلًا مين عشان يدخل؟

 

ابتسمت.

 

— اسألي ابنك.

 

وقبل ما أقفل سمعتها بتقول:

 

— فريدة!

 

قفلت.

 

بعدها بيومين نوال جت البيت.

 

كانت واقفة قدام الباب ومتوقعة إني هضعف.

 

دخلت وهي بتبص حوالين المكان.

 

وبعدين شافت سليم.

 

قالت:

 

— ده حفيدي.

 

مدت إيدها تشيله.

 

لكن أنا وقفت بينها وبينه.

 

— استني.

 

بصت لي باستغراب.

 

— ده حفيدي يا فريدة.

 

— وأنا أمه.

 

— يعني إيه؟

 

— يعني مفيش حد ياخده مني من غير ما أكون موافقة.

 

— أنا جدته.

 

— وأنا مش مانعة إنك تشوفيه.

 

— يبقى اديني الولد.

 

— مش دلوقتي.

 

اتعصبت.

 

— إنتي اتغيرتي.

 

رديت بهدوء:

 

— أيوه.

 

— ياسين كان بيقول إنك هادية وبتسمعي الكلام.

 

— كنت.

 

— وإيه اللي حصل؟

 

بصيت لسليم.

 

— ابني اتولد وعلمني إني لازم أبقى قوية.

 

نوال سكتت.

 

وبعدين قالت:

 

— ياسين عمره ما هيطلقك.

 

قلت:

 

— ده قراره.

 

— وأنا مش هسمح.

 

— حضرتك مش صاحبة القرار.

 

— أنا أمه.

 

— وأنا مراته.

 

اتوترت.

 

— هتندمي.

 

قلت:

 

— يمكن.

 

وبعدين فتحت لها الباب.

 

— بس الندم أهون من إني أعيش باقي عمري وأنا بسمح لحد يهينني.

 

خرجت.

 

وفي نفس الأسبوع حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.

 

المحامي بتاع أبويا اكتشف مستندات مالية غريبة في الشركة اللي ياسين شغال فيها.

 

في البداية افتكرنا إنها أخطاء محاسبية.

 

لكن لما بدأت أراجع المستندات بنفسي اكتشفت حاجة أخطر.

 

كان فيه تحويلات مالية صغيرة جدًا.

 

مبالغ من خمسة آلاف لعشرة آلاف.

 

متوزعة على شهور.

 

والغريب إنها كلها مرتبطة بحسابات لأشخاص قريبين من ياسين.

 

راجعت أكتر.

 

لقيت اسم نوال.

 

مش مرة.

 

ولا مرتين.

 

عشرات المرات.

 

واجهت ياسين.

 

حطيت الملفات قدامه.

 

— إيه ده؟

 

بص للورق.

 

وشه اتغير.

 

— أنا معرفش.

 

— الحساب ده باسم مين؟

 

— ماما.

 

— والفلوس دي بتروح لها ليه؟

 

— معرفش.

 

— متأكد؟

 

— أيوه.

 

بدأت أقلب في الأوراق.

 

— فيه تحويلات كمان باسم شركة صغيرة باسم ابن خالتك.

 

سكت.

 

— وياسين؟

 

— أيوه؟

 

— فيه توقيع إلكتروني باستخدام بياناتك.

 

وشه اصفر.

 

— مستحيل.

 

— وأنا كنت بقول نفس الكلام.

 

قعد.

 

— فريدة أنا والله ما عملت حاجة.

 

— أنا مصدقاك.

 

رفع عينه لي.

 

— بجد؟

 

— أيوه.

 

سكت لحظة.

 

— بس لازم نعرف مين اللي عملها.

 

بدأ التحقيق.

 

واكتشفنا إن نوال كانت بتسحب فلوس من حسابات الشركة بحجة إنها مصاريف اجتماعات ومناسبات عائلية.

 

لكن الجزء الأخطر إن فيه حساب تاني كانت بتحول له مبالغ أكبر.

 

الحساب كان باسم شريف.

 

شريف أخو ياسين.

 

ولما واجهنا شريف أنكر.

 

لكن المستندات كانت واضحة.

 

بعد أيام اتكشف إن شريف كان داخل في ديون كبيرة.

 

ونوال كانت بتغطي عليه من فلوس الشركة.

 

لكن ليه؟

 

لأنها كانت خايفة ابنها ياسين يعرف.

 

والأخطر من كده إن ياسين نفسه كان بيوقع على أوراق من غير ما يقرأها.

 

وده خلى موقفه القانوني معقد جدًا.

 

أبويا قال له:

 

— أنت كنت بتثق في أمك زيادة عن اللزوم.

 

ياسين رد:

 

— أنا كنت فاكر إنها بتحبني.

 

أبويا قال:

 

— الحب مش معناه إنك تسلم عقلك لحد.

 

الكلام أثر فيه.

 

وبعد أيام اعترف شريف بالحقيقة.

 

نوال كانت عارفة.

 

والاتنين حاولوا يخفوا الموضوع.

 

ياسين وقف قدام أمه لأول مرة في حياته وقال:

 

— ليه عملتي كده؟

 

قالت:

 

— عشان أخوك.

 

— وخليتيني أمضي على حاجات أنا معرفهاش؟

 

— كنت هقولك.

 

— إمتى؟

 

سكتت.

 

— لما أدخل السجن؟

 

بدأت تعيط.

 

— أنا أمك.

 

— وأنا ابنك.

 

— عشان كده عملت كده.

 

— لا يا أمي.

 

دموعه نزلت.

 

— عشان كده كان المفروض تحميني مش تورطيني.

 

أنا كنت واقفة بعيد.

 

ولأول مرة شفت ياسين بيحط حدود لأمه.

 

لكن الغريب إن ده ما فرحنيش.

 

لأن بعض التغييرات بتيجي بعد ما يكون الوقت فات.

 

بعد شهر تقريبًا تم الاتفاق على الطلاق.

 

ياسين وقع.

 

أنا وقعت.

 

وخرجنا من مكتب المحامي كل واحد في طريق.

 

قبل ما أمشي ناداني.

 

— فريدة.

 

وقفت.

 

— ممكن أشيل سليم؟

 

بصيت له.

 

كان واقف لوحده.

 

مش الراجل اللي دخل البيت واثق من نفسه.

 

ولا الراجل اللي كان بيضحك في عيد ميلاد أمه وأنا في المستشفى.

 

كان إنسان مكسور.

 

قلت:

 

— خمس دقايق.

 

شال سليم.

 

الطفل فتح عينه وبص له.

 

ياسين دموعه نزلت.

 

— هو شبهك.

 

قلت:

 

— لا. شبهك.

 

ابتسم لأول مرة.

 

وبعدين قال:

 

— أنا ضيعتك.

 

— أيوه.

 

— ومفيش فرصة؟

 

هزيت راسي.

 

— لأ.

 

سكت.

 

وبعدين رجع لي سليم.

 

— خلي بالك منه.

 

قلت:

 

— هخلي بالي منه.

 

ومشيت.

 

مرت سنة.

 

وسليم كبر.

 

وأنا رجعت لشغلي.

 

أبويا عرض عليا منصب في واحدة من شركاته.

 

وافقت.

 

وبدأت أشتغل على تطوير الإدارة المالية.

 

كنت كل يوم بتعلم حاجة جديدة.

 

وأهم حاجة اتعلمتها إن الاستقلال مش إنك تكرهي الناس.

 

الاستقلال إنك متخليش وجود حد هو اللي يحدد قيمتك.

 

ياسين كان بيشوف سليم بانتظام.

 

ومع الوقت بدأ يتغير فعلًا.

 

بقى ييجي في مواعيده.

 

بقى يهتم بدراسته وصحته.

 

وبقى يسمع أكتر ما بيتكلم.

 

لكن علاقتنا فضلت حدودها واضحة.

 

وفي يوم عيد ميلاد نوال بعد سنتين من اللي حصل رجعت نفس الجملة القديمة.

 

“عيد ميلادي الستين مش هيتكرر.”

 

لكن المرة دي ياسين رد عليها:

 

— كل سنة وإنتي طيبة يا أمي.

 

— هتيجي؟

 

— بعد ما أخلص مع سليم.

 

نوال اتضايقت.

 

— يعني حفيدك أهم مني؟

 

رد ياسين بهدوء:

 

— ابني مش منافس ليكي.

 

وسكت.

 

— لكن أنا مش هضحي بحد عشان أرضي حد تاني تاني.

 

أنا سمعت الجملة منه بعدين.

 

ولأول مرة ابتسمت.

 

مش لأنه رجع لي.

 

لكن لأنه أخيرًا فهم.

 

بعد أربع سنين كنت قاعدة في حديقة البيت وسليم بيلعب قدامي.

 

كان عنده أربع سنين.

 

سمعت جرس الباب.

 

فتحت.

 

كان ياسين.

 

واقف ومعاه هدية صغيرة.

 

قال:

 

— ممكن أدخل؟

 

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى