صحة و جمال

زهرة الربيع ١

وسميرة دخلت. كانت ماسكة في إيدها فنجان قهوة وبتتفرج على ضوافرها ببرود، دخلت وبصت على الدولاب المفتوح والشنطة اللي مش موجودة، وبصت عليا وأنا منهار على الأرض.

بدل ما تتخض، بدل ما تقولي مالك، لقيتها بتمط شفايفها وبتضحك ضحكة استهزاء توجع: “إيه ده؟ هي الهانم سابت البيت ومشيت ولا إيه؟ شوفت بقى؟ مش قولتلك بنتك دي بتلوي دراعك؟ رايحة تعمل نمرة وتمثيلية عشان تكسر كلمتك وتخليك تجري وراها تبوس رجلها! سيبها.. سيبها تتربى، يومين وهيقرصها الجوع وهترجع تجرجر في ديول الخيبة، ده دلع بنات ملوش تلاتين لازمة!”.

الكلمات نزلت على وداني، بس المرة دي مكنتش بتخدّرني زي كل مرة.. المرة دي الكلمات كانت زي ماية بتغلي ادلقت على عيني ففتحتها بالعافية.

رفعت راسي وبصيت لسميرة.

لأول مرة من يوم ما اتجوزتها، مشوفش فيها البنت اللي حبيتها في الجامعة.. مشوفتش الملاك اللي فضلت سنين بتمنى ألمس إيدها. شوفت وشها الحقيقي.. وش مليان غل، وحقد، وقسوة ميعرفهاش حجر صوان. شوفت الست اللي هدت كرامة بنتي، اللي جوعتها وحبستها وشحنتني عليها بالكذب، الست اللي خلتني أمد إيدي على لحمي ودمي عشان أرضي غرورها.

قمت وقفت، والوقفة كانت صعبة كأني شايل جبل على ضهري. قربت منها، وعيني كانت جاحظة وحمرا زي الدم. سميرة اتراجعت خطوة لورا، وفنجان القهوة اتهز في إيدها وبدأ يقع منه نقط على السجادة: “إنت.. إنت بتبصلي كده ليه يا مجدي؟ مالك؟ إنت اتجننت؟”.

“اخرسي..”

الكلمة طلعت مني بصوت واطي بس كان بيزلزل، صوت مليان كره أنا نفسي استغربت إزاي طلع مني لواحدة كنت لحد إمبارح ببيع الدنيا عشانها.

قالت وهي بتزعق بصوتها العالي اللي كانت بتخوفني بيه: “إنت بتخرسني أنا؟! عشان بت قليلة الحيا مشيت وكسرت كلامك وسابتلك البيت بتعلي صوتك عليا؟! إنت نسيت أنا مين؟ أنا سميرة! اللي كنت بتجري وراها سنين، تبيعني عشان بت متسواش؟!”.

“البت دي تسواكي وتسوى أهلك كلهم وتسوّى التراب اللي بتمشي عليه!”

صرخت فيها بأعلى صوت عندي، ومديت إيدي وشديت الفنجان من إيدها رزعته في الحيطة وراها، الفنجان اتكسر لميت حتة والقهوة طرطشت على وشها وعلى هدومها. سميرة شهقت ورجعت لورا وهي مرعوبة، حاطة إيدها على وشها ومش مصدقة إن ده مجدي اللي كان بيطاطي ويقول حاضر ونعم.

مسكت الورقة من على الأرض ورفعتها في وشها: “شايفة دي؟ بنتي مشيت.. بنتي اللي أمها استأمنتني عليها في قبرها هجت وسابتلي الدنيا كلها عشان حضرتك ترتاحي! عشان قعدتك في الصالة تبقى على هواكي! بنتي اللي ربيتها ١٨ سنة بستر ربنا عمري ما مديت إيدي عليها، ضربتها بالقلم عشان واحدة حرباية دخلت بيتي عشان تخربه!”.

سميرة عنيها برقت بالشر وبدأت تصرخ: “طب طلقني بقى! طالما مش طايقني كده طلقني! ودور عليها وروح عيش تحت رجليها، وشوف مين اللي هيقعد معاك! إنت أصلاً ملكش قيمة، وأنا اللي عملتلك قيمة يوم ما رضيت بيك بعد ما كنت عايش زي الأرمل الكئيب!”.

الكلام كان بيكشف الستار عن كل حاجة كانت مستخبية. الحقيقة ظهرت عريانة وبشعة.. سميرة مكنتش راجعالي عشان حب قديم ولا نيلة، سميرة كانت مطلقة، ومعهاش قرش، وأهلها كانوا قالقين عيشتها، ولقت فيا الراجل الطيب الهادي اللي عنده شقة ملك ومرتب كويس وهيصرف عليها ويبقى خاتم في صباعها. وأول حاجة فكرت فيها إنها تشيل أي حاجة تفكرها بإن كان ليا حياة تانية، وحاولت تطرد بنتي من الصورة عشان تسيطر على كل حاجة.

بصيتلها بقرف، قرف حقيقي حسسني إني عايز أرجع: “الطلاق ده أمر مفروغ منه.. إنتي مش هتقعدي في بيتي ثانية واحدة، بس مش هتمشي قبل ما تعرفي حقيقتك يا سميرة.. إنتي أرخص بكتير من إني أزعل عليكي.. إنتي كنتي وهم، وأنا اللي كنت أعمى وحمار!”.

سبتها في الصالة بتصرخ وتولول وبتتوعدني إنها هتاخد كل مليم ورايا وقدامي، ودخلت أوضتي أخدت مفاتيح العربية ومحفظتي وتليفوني، وخرجت من الشقة ورزعت الباب ورايا بكل قوتي، مكنتش شايف قدامي غير حاجة واحدة بس: نور.

نزلت السلالم بجري، كنت بنزل درجتين تلاتة مع بعض، البواب شافني طالع ملهوف قالي: “صباح الخير يا حاج مجدي، في حاجة؟”.

وقفت قدامه ونهجتي طالعة: “عم إبراهيم.. نور نزلت إمتى؟ شفتها؟ خرجت بالشنطة إمتى؟! انطق يا راجل!”.

الراجل اتخض من شكلي، ورجع خطوة: “يا ساتر يا رب، في إيه يا حاج؟ الست هانم الصغيرة؟ دي نزلت.. نزلت أول إمبارح الفجرية! الفجر بالظبط، الدنيا كانت لسه كحل، لقيتها نازلة وشايلة شنطتها على ضهرها وبتمشي براحة، سألتها رايحة فين يا بنتي في البرد ده قالتلي رايحة رحلة تبع الجامعة عشان متقلقنيش.. مالها يا حاج؟ حصلها حاجة؟”.

 

 

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى