صحة و جمال

زهرة الربيع ١

أنا ما شفتش قدامي.. الشيطان عمى عيني، والخوف من إن سميرة تمشي وتسيبني طير عقلي وقبل ما بنتي تكمل كلامها، أيدي اترفعت وضربتها بالقلم على وشها!

أول قلم يلمس وش بنتي في حياتها..

البنت وقعت على الأرض من الصدمة. وانا صرخت فيها : “ادخلي أوضتك وما أشوفش وشك تاني يا قليلة الأدب!”.

سميرة وقتها هديت، وابتسمت ابتسامة نصر، وجات حضنتني وقالتلي: “كده انت راجلي وسندي”. ومامشيتش. بس أنا في اللحظة دي، ولما بنتي قامت من على الأرض وبصتلي.. شفت في عينيها كسرة.. كسرة عمري ما شفتها منها ومشيت ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح.

فضلت بنتي جوة الأوضة تلت أيام بلياليهم.

لا خرجت، ولا فتحت الباب، ولا قطمت لقمة، ولا راحت جامعتها. كنت أعدي أسمع صوت المية شغال في الحمام ويرجع يسكت، أقول في نفسي: “بكرة تروق، بكرة تتعدل، “.

في اليوم الرابع، ضميري تعبني وحسيت بتقل في صدري مش طبيعي. قلت خلاص لازم أدخل للبنت أطيب خاطرها بكلمتين وأجيب لها أكل.

سميرة كانت قاعدة تتفرج على التلفزيون ومقضياها ضحك، وأنا مشيت بخطوات تقيلة ناحية أوضتها. خبطت على الباب.. محدش رد.

“يا بنتي.. افتحي يا حبيبتي، أنا بابا”.

برضه مردتش.

حاولت ألف أكرة الباب فتفتح على طول دخلت الأوضة.. واللي شفته جوة كان مصيبه صدمة قسمت ضهري نصين !!!!

زهرة_الربيع

 

 

عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

الباب اتفتح بهدوء غريب، بهدوء يرعب، هدوء حسيت معاه إن روحي بتتسحب مني خطوة ورا خطوة. الأكرة لفت في إيدي ومقاومتش، مع إنها كانت قافلة بالمفتاح من تلت أيام.

دخلت رجلي الأوضة، والريحة كانت أول حاجة خبطت في نفوخي.. ريحة غريبة، مش ريحة الأوضة اللي متعود عليها، ريحة كأن المكان مهجور بقاله سنين، ريحة صمت بارد يجمّد الدم في العروق. النور كان مطفي، والستارة مسدولة على الآخر، بس ضوء النهار الضعيف اللي متسرب من الجنب كان كافي يخليني أشوف الكارثة اللي عمري ما تخيلت أعيشها ولا أشوفها.

السرير كان متساوي ومترتب بدقة توجع القلب، كأن محدش نام عليه من أيام. مفيش كرمشة في الملاية، مفيش مخدة مايلة، كل حاجة في مكانها بالمسطرة. بصيت حواليا بذهول، عيني بتلف الأوضة زي المجنون.. بنتي فين؟

ناديت بصوت واطي ومبحوح، صوت واحد مرعوب يصحى من كابوس: “يا حبيبتي؟ يا نور؟ إنتي فين يا بنتي؟”.

محدش رد. قربت من الدولاب، فتحت الدرفة بإيد بتترعش.. الهدوم كلها مش موجودة. رفوف كاملة فاضية، الشماعات اللي كانت متعلق عليها فساتينها وهدوم كليتها بتهتز في الفراغ وبتخبط في بعضها بصوت كئيب. الشنطة الكبيرة اللي كنا بنسافر بيها زمان على البحر مش موجودة فوق الدولاب.

رجعت خطوتين لورا، ورجلي خبطت في المكتب الصغير اللي كانت بتسهر عليه تذاكر. بصيت عليه.. لقيت كشاكيلها ملمومة ومرصوصة بنظام، والكتب مقفولة، وفي نص المكتب بالظبط، كان محطوط مفتاح الأوضة، وسلسلة دهب رفيعة كانت أمها الله يرحمها سيبهالها يوم ما ماتت، وتحت السلسلة.. ظرف أبيض مقفول.

جنب الظرف، كانت صورة أمها، الصورة اللي كانت دايمًا شايلاها في حضنها وبتعيط عليها. بس المرة دي، الصورة مكنتش لوحدها.. كان جنبها خاتم دهب صغير، أول هدية جبتها لـ نور لما نجحت في الإعدادية وطلعت من الأوائل.

إيدي اتمدت للظرف وهي بتترعش رعشة شلل، قلبي كان بيدق في وداني بصوت عالي كأنه طبلة، وكل دقة كانت بتقول: ضاعت.. بنتك ضاعت يا غبي. فتحت الظرف وأنا مش قادر أتنفس، لقيت ورقة مقطوعة من كشكول سلك، مكتوب فيها كلام بخط إيدها المهزوز، كلام حسيت إن كل حرف فيه سكين تلمة بتدبح في رقبتي على البطيء.

كانت كاتبة:

“يا بابا..

أنا مكنتش عايزة أمشي وأنا كسرالك كلمتك، بس إنت كسرتني لدرجة مبقاش فاضل فيا حتة سليمة تخليني أقدر أقف قدامك تاني.

القلم اللي نزل على وشي مكنش مجرد ضربة، ده كان الإعلان الرسمي إن بنتك ملهاش ضهر في الدنيا خلاص، وإن أمي لما ماتت أخدتك معاها، وسابتلي مكانك راجل غريب، راجل مستعد يهدني ويبيع لحمه عشان يرضي واحدة بتكرهني من غير سبب، غير إني حتة من ماضيك اللي هي عايزة تمسحه بأي تمن.

يا بابا، أنا عمري ما طلبت منك حاجة فوق طاقتك. لما أمي ماتت، قعدت معاك أربع سنين أخدمك برموش عيني، أعملك الأكل اللي بتحبه، أغسل هدومك، أستناك على الباب وأنا خايفة تتأخر، وكنت بقول مش مهم تعبي، المهم بابا ميبقاش حزين. ويوم ما قررت تتجوز، أنا مكنتش ضدك، والله ما زعلت، فرحت وقلت يمكن ربنا

استحملت طنط سميرة كتير. استحملت المعايرة، واستحملت الكلام اللي يسم البدن، واستحملت إني أشتغل خدامة في البيت اللي هو بيتي قبل ما يكون بيتها. كنت بذاكر في الضلمة لما تقفل الراوتر عشان مقصرش في حلم أمي، وكنت بسكت لما تقولي يا شحاتة ويا اللي جاية تضيقيني في عيشتي. كل ده كنت ببلعه وبقول: عشان خاطر بابا ميقعدش مهموم بين نارين.

بس إنت مكنتش بين نارين يا بابا.. إنت كنت في نارها وبتولع بيا.

لما اتهانت أمي قدامي وقدام أختها، مقدرتش أسكت.. أمي اللي عاشت معاك سنين الصبر وكانت ستك وتاج راس الكل تتهان في قبرها عشان واحدة لسه داخلة بيتنا إمبارح؟ ولما جيت أشرحلك، مدينتنيش حتى حق الكلام.. مسمعتنيش، ورفعت إيدك اللي مكنتش بتتمد عليا غير بالحنية، ونزلت عليا قدامها عشان تثبتلها إنك راجل وسند.. ليها هي بس.

أنا مش راجعة البيت ده تاني يا بابا. الهدوم اللي على ذمتك أخدت منها بس اللي يسترني، والدهب ده بتاع أمي وبتاع هديتك، سيبتهولك عشان مش عايزة أي حاجة تفكرني بالوجع. متدورش عليا، ومتسألش أعمامي ولا أخوالي، لأني مروحتش لحد فيهم.. أنا عارفة إنك كنت خايف أروح هناك عشان كلام الناس، فأنا ريحتك من كلام الناس ومني خالص.

أنا عايشة في مكان أمين، هشتغل وأصرف على كليتي وهكمل تعليمي زي ما أمي كانت بتحلم. ومن اللحظة دي، اعتبر بنتك ماتت.. زي ما إنت موت أبوك في قلبي بالقلم ده.

سامحني.. لأني مش قادرة أسامحك.”

الورقة وقعت من إيدي على الأرض.

الدنيا لفت بيا، الحيطان بدأت تقرب مني وتطبق على صدري، حسيت إن الأكسجين طار من الأوضة، النفس دخل في زوري زي جمر مولع ومخرجش. رجلي خاني، وركبي سابت، وقعت على ركبي في الأرض جنب المكتب، ومديت إيدي لمست الورقة كأني بستسمحها، بستسمح الحروف اللي كتبتها بنتي.

“نور؟ نور يا بنتي!”

صرخت.. صرخة طلعت من قاع روحي، صرخة شقت سكوت الشقة كله. مكنتش صرخة غضب، كانت صرخة راجل بيشوف بيته بيتهد فوق دماغه وهو عاجز يشيل طوبة واحدة. حطيت راسي بين إيديا وبقيت بضرب على راسي زي المجانين: “عملت إيه؟ أنا عملت إيه في ضنايا؟ ضيعتها.. ضيعت حتة من كبدي عشان إيه؟ عشان مين؟!”.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى