
قلت:
— كنتي عارفة إني أقدر.
هزت راسها.
— أيوه.
— فاخترتي تضحي بيا.
قالت بصوت ضعيف:
— اخترت زياد.
الكلمة كانت صريحة لأول مرة.
من غير تبرير.
من غير لف.
اختارت.
وبس.
بصيت لزياد.
— وإنت؟
قال:
— أنا كنت أناني.
— كنت عارف الفلوس دي بتاعتي؟
هز راسه.
— آه.
— ورضيت؟
قال:
— كنت خايف.
— وأنا ما كنتش خايفة؟
سكت.
وقفت.
قلت:
— عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني؟
محدش رد.
— مش الفلوس.
بصيت لأمي.
— مش الجامعة.
وبصيت لبابا.
— مش حتى إنكم خبّيتوا عليا.
رجعت أبص لأمي.
— أكتر حاجة وجعتني إنك بعد كل السنين دي قدرتي تقوليلي محدش محتاجك.
أمي بدأت تعيط.
قالت:
— كنت غضبانة.
— وأنا كنت محتاجاكي.
سكتت.
— كل عيد كنت أجيلك بدري.
— عارفة.
— كنت بشتغل عشان كل حاجة تبقى جاهزة.
— عارفة.
— كنت بلم العيلة عشانك.
— عارفة.
— طب ليه ما قلتيليش مرة واحدة إنك محتاجاني؟
بصتلي.
— عشان كنت باعتبر ده واجبك.
الكلمة خبطتني.
قلت:
— أهو ده الفرق بيننا.
— إيه؟
— إنتي كنتي شايفة وجودي واجب.
— وأنا كنت شايفة وجودي حب.
سكت البيت كله.
مسحت دموعي.
قلت:
— أنا مش هقطعكم.
أمي رفعت عينها.
— بس؟
— بس مش هرجع أكون الشخص اللي كل حاجة واقفة عليه.
— يعني إيه؟
— يعني العيد الجاي مش هرتب. مش هحجز. مش هعمل جروبات. مش هشتري. مش هحل مشاكل. ومش هاجي إلا لو أنا عايزة.
أمي قالت:
— ده تهديد؟
قلت:
— لأ.
ابتسمت.
— دي أول مرة أحط حدود.
بابا هز راسه.
زياد قال:
— وأنا هبدأ أسدد المبلغ.
بصيت له.
— براحتك.
— لأ. لازم.
— المهم يكون قرارك.
بصيت لأمي.
— وأنا هقبل إنك تكوني أمي.
سكت.
— بس مش هقبل أكون موظفة عندك.
دموعها نزلت تاني.
قالت:
— ممكن تحاولي تسامحيني؟
وقفت عند الباب.
قلت:
— هحاول.
— يعني فيه أمل؟
بصيت لها.
— الأمل موجود.
وسكت شوية.
— بس الثقة مش بترجع بكلمتين.
خرجت.
المرة دي ما كنتش خارجة مطرودة.
كنت خارجة بإرادتي.
المشهد الخامس والأخير
عدى العيد.
وبعده شهر.
وبعدين شهرين.
الحياة رجعت هادية.
لكن مش زي الأول.
الجروب القديم اتقفل تقريبًا.
وبقى فيه جروب جديد للعيلة.
مش أنا اللي عملته.
خالو أحمد عمله.
وكان أول قانون فيه:
“اللي عايز يعمل حاجة يعملها بنفسه.”
ضحكت لما شفت الرسالة.
أمي في البداية حاولت ترجعني لنفس الدور.
“علياء فاكرة إننا محتاجين نطلب…”
كنت أرد:
“مش هقدر.”
“علياء مين يعرف الحجز؟”
“مش عارفة.”
“علياء ممكن تبعتي للناس؟”
“اسأليهم بنفسك.”
في الأول كانت بتزعل.
وبعدين اتعلمت.
زياد بدأ يسدد الفلوس.
مش مرة واحدة.
لكن كل شهر مبلغ ثابت.
وفي مرة بعتلي رسالة:
“أنا عارف إن اللي بسدده مش بيرجعلك السنين اللي ضاعت.”
رديت:
“عارفة.”
قال:
“بس عايز أبدأ.”
قلت:
“ابدأ.”
أما بابا، فكان أكتر واحد اتغير.
بقى يتصل بيا مش عشان يطلب حاجة.
بس عشان يسأل:
“عاملة إيه؟”
وفي مرة قال:
— أنا فخور بيكي.
سكت.
قال:
— ليه سكتي؟
قلت:
— عشان أول مرة أسمعها من غير ما بعدها طلب.
ضحك.
وقال:
— عندك حق.
أما أمي…
فكانت أصعب حكاية.
فضلت شهور متحفظة.
لكن في يوم عادي جدًا، من غير عيد ولا مناسبة، جت شقتي.
خبطت.
فتحت لها.
كانت ماسكة كيس أكل.
قالت:
— عملتلك مكرونة بالبشاميل.
ابتسمت.
— اتفضلي.
دخلت.
قعدنا.
وأكلنا في هدوء.
بعد شوية قالت:
— فاكرة أول مرة قولتلك محدش محتاجك؟
بصيت لها.
— آه.
قالت:
— أنا كل يوم من ساعتها بفتكرها.
سكت.
— وندمت.
قلت:
— عارفة.
— لأ. مش عارفة.
بصتلي.
— أنا كنت فاكرة إنك لما تبعدي هتجري ترجعي.
ضحكت.
— وأنا كنت فاكرة إني لما أبعد هرتاح.
— وارتاحتي؟
فكرت شوية.
— آه.
قالت:
— وده وجعني.
سكت.
قالت:
— بس علمني حاجة.
— إيه؟
— إن وجودك مش حق مكتسب لحد.
بصيت لها.
كانت أول مرة أسمع منها الجملة دي.
قالت:
— إنتي بنتي.
وسكتت.
— بس ليكي حياتك.
حسيت دموعي بتنزل.
قالت:
— وأنا آسفة.
المرة دي ما كانش فيه جروب.
ولا شهود.
ولا مستند.
ولا فضيحة.
كانت أنا وهي بس.
قلت:
— وأنا مسامحاكي.
بصتلي.
— بجد؟
هزيت راسي.
— آه.
وبعدين قلت:
— بس لو قلتيلي تاني محدش محتاجك تيجي…
ضحكت وهي بتعيط.
— مش هقول.
قلت:
— عشان المرة الجاية هصدقك.
ضحكت أكتر.
وحضنتني.
وأنا حضنتها.
مش لأن كل حاجة اتصلحت.
لكن لأننا أخيرًا وقفنا قدام الحقيقة من غير ما نهرب.
بعدها بأيام، فتحت الملف البنكي تاني.
بصيت على الرقم اللي كان ناقص.
وكتبت في ورقة جديدة:
“مدخرات علياء.”
لكن المرة دي ما كانتش فلوس بس.
بدأت أحط جزء من مرتبي كل شهر.
وعملت حساب جديد.
باسمي.
ولحياتي أنا.
وبعد فترة، رجعت أدرس.
مش في نفس الجامعة.
ومش عشان أثبت حاجة لحد.
درست حاجة كنت بحبها.
وأول يوم دخلت فيه المحاضرة، وقفت قدام باب الجامعة شوية.
افتكرت البنت الصغيرة اللي خرجت من الجامعة من سنين وهي مقتنعة إن حلمها أكبر من قدرة أهلها.
وهمست:
— آسفة إني صدقت إنك ما تستاهليش.
ودخلت.
وفي العيد اللي بعده، العيلة كلها اتجمعت.
أمي سألتني:
— هتيجي بدري؟
قلت:
— لأ.
سكتت.
وبعدين ضحكت.
— طيب هتيجي الساعة كام؟
قلت:
— لما أحب.
قالت:
— ماشي.
وصلت متأخرة شوية.
لقيت السفرة مش كاملة.
والزينة مش متظبطة قوي.
وفيه طبق اتحرق.
وزياد بيحاول يصلح حاجة في المطبخ.
وخالو أحمد ناسي نص المشتريات.
وتيتا بتضحك عليهم.
أمي أول ما شافتني قالت:
— إلحقينا!
وقفت عند الباب.
وبصيت لها.
قالت بسرعة:
— لو عايزة طبعًا.
ضحكت.
وقلت:
— حاضر.
مشيت ناحية المطبخ.
مش عشان ده واجبي.
ولا عشان لو ما عملتش كده العيد هيبوظ.
لكن عشان أنا عايزة.
وبينما أنا بساعدهم، سمعت أمي بتقول لتيتا:
— علياء هي اللي لمّت العيلة السنة اللي فاتت.
تيتا ضحكت.
وقالت:
— لأ يا منى.
أمي بصتلها.
— أمال مين؟
تيتا قالت:
— السنة اللي فاتت علياء عملت حاجة أهم.
— إيه؟
تيتا ابتسمت.
— لمّت نفسها.
بصيت لهم.
وسكت.
لأنها كانت أول مرة أحس إن حد فهم الحكاية كلها.
أنا ما كنتش بحاول أكسب معركة ضد أمي.
ولا أثبت إني أقوى من زياد.
ولا أفضح حد.
أنا كنت بس بحاول أرجع لنفسي الحاجة اللي ضاعت مني سنين.
صوتي.
اختياري.
وإحساسي إني أستحق.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن العيد اللي أمي قالت فيه:
“محدش محتاجك تيجي.”
بضحك وأقول:
“أيوه… هو ده العيد اللي فهمت فيه إني مش لازم أكون محتاجة حد عشان يكون ليا قيمة.”
لأن أوقات كلمة واحدة من أقرب الناس ليكي بتكسر حاجة جواكي.
لكن أوقات…
نفس الكلمة بتفتحلك باب.
باب تخرجي منه من دور اتفرض عليكي سنين.
وتدخلي حياة جديدة.
حياة مش مطلوب منك فيها تثبتي إنك مفيدة عشان تتحبي.
ولا تشتغلي عشان تتقدري.
ولا تسكتي عشان البيت يفضل هادي.
ومن ساعتها، لما كنت أسمع جملة:
“محدش محتاجك.”
ما بقيتش أخاف منها.
كنت أبتسم.
لأني عرفت أخيرًا إن قيمتي عمرها ما كانت في احتياج الناس ليا.
قيمتي كانت موجودة من الأول.
حتى في اليوم اللي محدش شافها فيه.
ويمكن ده كان أحسن عيد حصل في حياتي.
لأن في اليوم ده…
أنا ما خسرتش عيلتي.
أنا بس بطلت أخسر نفسي عشانهم.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




