وأنا كنت أفهم نظرتها
كانت بتفتكر اليوم اللي كانت خايفة فيه تخسر ابنها
وما كانتش تعرف إنها كانت ممكن تكسب بنت كمان
وفي عيد ميلادها
عملنا لها مفاجأة
دخلت عليها وأنا شايلة تورتة
وكان أحمد وولادي وعم حسن واقفين
ليلى أول ما شافت التورتة
ضحكت
وقالت
“هو أنا كده بقيت كبيرة للدرجة دي؟”
قلت
“إنتِ بقيتي كبيرة في قلوبنا”
ضحكت
ولما طفت الشموع
طلبت منها أمنية
قالت
“أنا عندي أمنية واحدة”
سألتها
“إيه؟”
قالت
“إنكم تفضلوا حواليا”
بصيت لأحمد
وبعدين ليها
وقلت
“دي مش أمنية”
“دي وعد”
حضنتني
وقالت
“ربنا يخليكي ليا يا بنتي”
وساعتها افتكرت أول مرة قالتلي فيها
“إنتِ لسه مش من العيلة”
وقد إيه الجملة دي كانت وجعتني
لكن دلوقتي
بعد كل السنين دي
أنا بقيت عارفة إن بعض الناس محتاجين وقت علشان يفهموا معنى العيلة
ومش كل قلب مقفول بيكون قلب شرير
أحيانًا بيكون قلب خايف
والخوف لما يتحول لتحكم
بيجرح الناس اللي بنحبهم
لكن الاعتراف بالغلط
ممكن يفتح باب كان مقفول سنين.
رجعت البيت في آخر اليوم
فتحت درج مكتبي
طلعت الفاتورة القديمة
بصيت لها
وقعدت أفكر
زمان كانت الورقة دي بتقول إن كل لقمة ليها تمن
دلوقتي أنا شايفاها بشكل مختلف
كل لقمة أكلتها في بيت ليلى كان تمنها دمعة
وكل دمعة كانت تمنها درس
وكل درس خلاني أفهم إن الكرامة عمرها ما كانت في إنك ترد الإهانة بإهانة
لكن في إنك تقدر تخرج من الموقف من غير ما تتحول للشخص اللي أذاك.
حطيت الفاتورة في صندوق الذكريات
وفوقها حطيت الورقة اللي ليلى كتبتها
“إلى رانيا بنتي”
وقبل ما أقفل الصندوق
لقيت أحمد واقف عند الباب
قال
“بتعملي إيه؟”
قلت
“بقفل صفحة قديمة”
قرب
“للأبد؟”
ابتسمت
“للأبد”
مسك إيدي
وقال
“تعالي”
“رايحين فين؟”
قال
“ماما عاملة أكل”
ضحكت
“ومين دفع؟”
قال
“محدش”
وبعدين ابتسم
“ماما قالت النهارده الأكل على حساب الحب.”
قفلت الصندوق
وقمت معاه
وأنا لأول مرة في حياتي
كنت داخلة بيت حماتي
من غير ما أحس إني ضيفة
ولا غريبة
ولا مطالبة أثبت أي حاجة
كنت داخلة وأنا متأكدة
إن مكاني موجود
وإن طبقي على السفرة
وإن الكرسي مستنيني
وإن مفيش فاتورة.
ومن يومها
كل ما حد يسألني عن الحكاية
أقول له
“أصعب حاجة مش إن حد يحاسبك على لقمة”
“أصعب حاجة إنك تصدق إنك فعلًا لازم تدفع علشان تستحق مكانك.”
لكن الحقيقة إن الإنسان مش بيستحق الحب بالفلوس
ولا بالخدمات
ولا بالتضحيات
الحب الحقيقي بيتاخد بالقلوب
ويترد بالقلوب
ويتثبت بالمواقف.
أما ليلى
فبقت كل ما تشوفني داخلة بيتها
تفتح الباب بنفسها
وتقول نفس الجملة
اللي زمان كانت مستحيلة أصدقها منها
“اتفضلي يا بنتي”
“البيت بيتك”
وأنا كل مرة كنت بابتسم
وأدخل
وأقول لنفسي
“أهو ده البيت اللي مفيهوش فواتير.”
وفي النهاية
أنا دفعت فاتورة ليلى فعلًا
لكن مش بالفلوس
دفعتها بصبري
وبكرامتي
وبإني اخترت أسامح
وهي دفعت تمن غلطتها
باعتذارها
وبالندم
وبإنها اتعلمت تحب من غير ما تملك
ويمكن دي كانت أغلى فاتورة في حياتنا كلنا
فاتورة بدأت بإهانة
وانتهت بعيلة.
لأن أحيانًا
ربنا بيحط قدامنا موقف يوجعنا جدًا
إحنا وقتها بنفتكره عقاب
وبعد سنين نكتشف إنه كان درس
وإن الشخص اللي وجعنا
كان سبب إننا نفهم نفسنا أكتر
وإن الباب اللي اتقفل في وشنا
كان بيقودنا لباب أكبر
باب فيه رحمة
وفيه غفران
وفيه ناس بتقول لنا من قلبها
“إنتِ مش ضيفة”
“إنتِ من أهل البيت.”
وساعتها بس
بتعرفي إن فيه فواتير في الدنيا
مهما كانت قيمتها كبيرة
ممكن تتدفع
لكن فيه حاجة واحدة
لو راحت
مفيش فلوس ترجعها
وهي
الكرامة.
علشان كده
من يوم ما حصلت الحكاية دي
وأنا عمري ما بصيت للطبق اللي قدامي وسألت
“بكام؟”
بقيت بس أسأل
“مين اللي حطّه قدامي؟”
ولو كان شخص بيحبني
بمد إيدي
وأقول
“بسم الله”
وأكل وأنا مطمنة
لأن أجمل نعمة في الدنيا
إنك تلاقي مكان
تقدر تكون فيه على طبيعتك
من غير حساب
ومن غير خوف
ومن غير ما حد يفكرك كل شوية
إنك غريب.
وفي آخر كل يوم
كان عندي يقين واحد
إن ربنا بيعوض الإنسان
مش دايمًا بنفس الأشخاص
لكن أحيانًا
بنفس القلوب بعد ما تتغير.
وليلى اتغيرت
وأنا اتغيرت
وأحمد اتعلم
وكل واحد فينا دفع تمن غلطته
لكن الحمد لله
التمن كان يستاهل
لأن في النهاية
الفاتورة اتقفلت
والحساب انتهى
واللي فضل
كان بيت مليان ناس
بيحبوا بعض
وسُفرة عليها أكل كتير
وضِحكة عالية
وكرسي فاضي مستني أي حد يدخل
علشان يسمع الجملة اللي ليلى نفسها كانت محتاجة تتعلمها
“اقعد يا حبيبي… كُل.
مفيش حساب.
إنت من العيلة.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


