روايات وقصص

قبل راس السنه حكايات صافي هاني

كريم خرج.

وأنا لأول مرة ما جريت وراه.

—

المشهد الرابع

مرت أسابيع.

وكل يوم كان كريم بيحاول يلاقي طريقة يرجع بيها حياتنا القديمة.

مرة يبعت ورد.

مرة يبعت اعتذار.

مرة يطلب من أمه تتوسط.

لكن أنا كنت خلصت.

كنت بروح للدكتور بانتظام.

بابا كان معايا في كل زيارة.

وفي يوم الدكتور قال لي:

“محتاجين ترتاحي أكتر الفترة الجاية.”

هزيت راسي.

وقلت:

“حاضر.”

خرجت من العيادة لقيت بابا مستنيني.

لكن كان ماسك ظرف.

قال:

“ده وصل النهارده.”

فتحته.

لقيت فيه ورقة من كريم.

كان كاتب:

“أنا عرفت متأخر إنتي كنتي بتعملي إيه عشاني.”

قرأت باقي الرسالة.

كان بيقول إنه اكتشف إن خلال السنين اللي فاتت نور كانت بتدفع جزء كبير من مصاريف عيلته من غير ما يعرفوا.

كانت بتساعد أمه في علاجها.

وبتدفع مصاريف دراسة ابن أخته.

وكانت حتى بتسدد أقساط داليا وقت ما كانت بتتعثر.

وفي آخر الرسالة كتب:

“أنا مش طالب ترجعي علشان الفلوس.”

وقفت عند الجملة دي.

وبعدين كملت.

“أنا طالب ترجعي علشان اكتشفت إني كنت عايش مع واحدة عمرها ما قصرت معايا وأنا قصرت معاها في أبسط حاجة.”

قفلت الورقة.

بابا سألني:

“هتردي؟”

قلت:

“لأ.”

وبعد أسبوعين

وصلني خبر إن كريم باع عربيته.

وبعدها شقته.

وبعدها بدأ يسدد كل المبالغ اللي كان أخذها من حساباتنا.

ما حاولش يهرب.

وما حاولش يثبت إنه مظلوم.

كان لأول مرة بيواجه نتيجة أفعاله.

وفي يوم كنت قاعدة في البيت وفجأة حسيت بألم شديد.

بابا اتصل بالإسعاف.

وفي الطريق للمستشفى كنت ماسكة إيده.

قلت:

“بابا.”

قال:

“نعم؟”

قلت:

“أنا خايفة.”

شد على إيدي.

وقال:

“أنا معاكي.”

وبعد ساعات طويلة

سمعت أول صوت لطفلي.

صوت بكاء صغير ملأ الأوضة.

غمضت عيني.

ونزلت دموعي.

الممرضة حطته جنبي.

بصيت لوشه الصغير.

وقلت:

“أهلاً يا حبيبي.”

وبعد دقائق دخل بابا.

وأول ما شاف حفيده ابتسم.

لكن بعدها سألني:

“كريم يعرف؟”

هزيت راسي.

“لأ.”

بابا سكت.

وبعدين قال:

“تحبي يعرف؟”

بصيت لابني.

وقلت:

“أيوه.”

بعد ساعة واحدة وصل كريم المستشفى.

وقف عند باب الأوضة.

كان شكله مختلف.

أول ما شافني دموعه نزلت.

قال:

“ممكن أشوفه؟”

بصيت له فترة طويلة.

وبعدين هزيت راسي.

دخل ببطء.

قرب من السرير.

وبص لابنه.

مد إيده ولمس صوابعه الصغيرة.

وانهار في البكاء.

قال:

“أنا آسف.”

ما قلتش حاجة.

فضل يبكي.

وبعدين قال:

“أنا ضيعت أغلى حاجة في حياتي.”

بصيت له.

وقلت:

“لأ يا كريم.”

رفع عينه لي.

قلت:

“إنت ما ضيعتنيش يوم القطر.”

سكت.

قلت:

“إنت ضيعتني كل مرة شفتني محتاجة احترام وما ادتنيش.”

نزل عينه.

وبعدها خرج من الأوضة من غير ما يطلب مني أرجعله.

—

المشهد الخامس

عدت البيت بعد الولادة بأيام.

الحياة بدأت تهدى.

ابني كان بياخد كل وقتي.

وبدأت أرجع لنفسي واحدة واحدة.

وفي صباح هادي

وصلني ظرف من المحكمة.

فتحت الورق.

كان حكم إنهاء الزواج.

قرأت الورقة بهدوء.

ما عيطتش.

ما فرحتش.

بس حسيت براحة.

بعدها بأيام وصلني ظرف تاني.

كان من كريم.

فتحت الرسالة.

كان مكتوب:

“نور

أنا مش هطلب منك ترجعي.

ومش هقولك إني اتغيرت في أسبوعين.

بس هقولك إني فهمت حاجة كنت غبي عنها سنين.

الراجل مش اللي يقعد في الدرجة الأولى ومراته واقفة.

والجواز مش إن طرف يضمن إن الطرف التاني مش هيقدر يمشي.

أنا كنت فاكر إنك محتاجاني.

وما فهمتش إن الحقيقة كانت العكس.

إنتي كنتي سند لناس كتير وأنا كنت أكتر واحد محتاج السند ده.

مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي.

ولا هضغط عليكي.

كل اللي هطلبه إنك تسمحيلي أكون أب كويس لابني.

ولو في يوم قدرتي تسامحيني كإنسانة مش كزوجة

يبقى ده كفاية.”

حطيت الرسالة جنب السرير.

وبصيت لابني وهو نايم.

بعدها دخل بابا.

قال:

“إيه الأخبار؟”

قلت:

“خلاص.”

ابتسم.

“خلاص إيه؟”

قلت:

“أنا بقيت حرة.”

قعد جنبي.

وبص للطفل.

وقال:

“وإنتي مبسوطة؟”

بصيت من الشباك.

كانت الشمس طالعة.

وقلت:

“أول مرة من زمان.”

مرت شهور.

كبر ابني.

وكريم فضل ييجي يشوفه في مواعيد محددة.

ما حاولش يدخل حياتي تاني بالقوة.

وبدأت العلاقة بينه وبين ابنه تبقى مستقرة.

أما أنا

فبدأت أشتغل من جديد.

مش علشان أثبت له حاجة.

ولا علشان أثبت لأهله حاجة.

كنت بشتغل علشان أرجع أفتكر أنا مين.

وبعد سنة

رجعت أطلق شركتي من جديد.

وفي أول اجتماع كبير

وقفت قدام فريق العمل.

بصيت للناس اللي قدامي.

وافتكرت الست اللي كانت واقفة في ممر القطر

مرهقة

حامل

ومكسورة من جوه.

ابتسمت.

لأنها رغم كل ده

كانت لسه قادرة تنزل من القطر.

كانت لسه قادرة تقول كفاية.

وكانت لسه قادرة تبدأ من جديد.

وفي آخر اليوم رجعت البيت.

دخلت أوضة ابني.

لقيته نايم.

قربت منه وبوسته في جبينه.

وقلت له:

“ماما وعدتك إنك عمرك ما هتشوفها بتقبل الإهانة.”

وبعدين طفيت النور.

وقبل ما أخرج من الأوضة

موبايلي رن.

رسالة من كريم.

“ابننا أول كلمة قالها النهارده كانت ماما.”

ابتسمت.

ورديت:

“خليه يتعلم يقول بابا كمان.”

لأول مرة

ما كانش بينا حب قديم

ولا جواز

ولا فلوس.

كان بينا طفل صغير

وبداية جديدة

وحدود واضحة.

وأنا

لأول مرة

كنت عارفة إن حياتي مش مرتبطة بحد.

لا كريم

ولا أهله

ولا أي حد تاني. لأن الست اللي نزلت من القطر في محطة كليفلاند

كانت راجعة لنفسها.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى