منوعات

حكايات زهره

إيده اترخت ببطء من على دراعي كأنه اتكهرب. وش خديجة أصفرّ، وحماتي وقفت مذهولة من جراءتي اللي عمرها ما شافتها.
نزلت السلم ببطء، خطوة خطوة، بس المرة دي مكنتش خايفة من الارتفاع ولا كنت شايفة السلم بيلف بيا.. الخوف على بنتي قتل الفوبيا جوايا ومحاها. الدم كان بيسيب علامات على كبشة الشنطة وعلى الدربزين، بس كنت ماشية وراسي مرفوعة.
أول ما فتحت باب العمارة وخرجت للشارع، الهوا النقي خبط في وشي. وقفت تاكسي وركبت، وحضنت منى بأعلى قوة عندي وهي بدأت تهدي في حضني. بصيت من شباك التاكسي ورايا، لقيت سامح واقف على باب العمارة مصدوم، وفوق في البلكونة كانت خديجة وافقة ورا الستاير.. بتبصلي بنظرة توعد جديدة.

اتنهدت بوجع، ودموعي نزلت مغرقة وشي وأنا ببتسم لبنتي وبقولها بصوت بيترعش: “خلاص يا قلب أمك.. مش هترجعي هناك تاني، وحقنا والله ما هيضيع.”
وصلت بيت أبويا وأنا منهارة تماماً، أول ما أمي فتحت الباب وشافت منظري والدم المتبصم على هدومي وإيديا، صرخت وأبويا قام من مكانه مرعوب. رتميت في حضنهم وأنا بصرخ وبحكي كل حاجة.. من أول نظرات الغل لخديجة لحد لحظة زحفي على إسمنت السلم عشان أنقذ منى.
أبويا ما ترددش ثانية، أخدني فوراً على المستشفى نعمل إثبات حالة بالجروح والقطوع اللي في إيدي وركبتي، ومن هناك طلعنا على قسم الشرطة. عملت محضر رسمي اتهام مباشر لخديجة بتعريض حياة طفلة للخطر، وحكيت للظابط كل التفاصيل، ومع علامات الجروح اللي في جسمي وششهادة سواق التاكسي اللي نزلني، المحضر خد مجرى جدي جداً والنيابة استدعتهم جميعاً.
في خلال أيام، الدنيا اتقلبت في بيت عيلة سامح. الرعب دخل قلوبهم لما لقوا الشرطة بتخبط على الباب ومأخوذين للتحقيق. سامح جالي بيت أبويا يتأسف ويتحايل ويدور على أي طريقة يحل بيها الموضوع ودي عشان خديجة متتحبسش وعشان سمعة العيلة، وكان بيعيط ويقولي: “ارجعي يا هدى وأنا هعزلك في  بعيد عنهم كلهم!”.
بس أنا بصيت في عينه وما شفتش فيه الراجل اللي ينفع يكون أمان ليا ولابنتي. قولتله بمنتهى الهدوء: “الأمان اللي مبيجيش في وقته، ملوش لازمة بعد ما الخطر يعدي.”

رفعت قضية طلاق وضمت حضانة منى ليا بحكم القانون، وأخدت كل حقوقي بالقوة، وخديجة القضية فضلت تطاردها والقلق نهك حياتها، والبيت بتاعهم بقى عبارة عن جحيم.. سامح مابقاش قادر يطالع في وشها ولا يثق فيها، وكل ما كان يبص لها كان بيفتكر إنه كان هيخسر بنته بسببها، والبيت اللي اتفنى على الغل والشك انهار على دماغ أصحابه.
مرت السنين، وبدأت حياة جديدة تماماً. اشتغلت وكبرت بنتي، وبقت هي كل دنيتي. وكل ما يجي يوم وأبص على صوابعي وأشوف أثر العلامات القديمة بتاعة الجروح على العقل وضوافري، ببتسم.. العلامات دي مكنتش مجرد ذكريات وجع، دي كانت شهادة ميلادي الجديدة.

اليوم ده علمني إن الأمومة مش مجرد مشاعر، الأمومة قوة جبارة بتقفز فوق الطبيعة.. يومها الفوبيا محبستنيش، لأن حبي لبنتي كان أعظم من أي ارتفاع، وأقوى من أي خوف في الدنيا.
تمت

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى