منوعات

حكايات زهره

جرب يقرب مني وهو مذهول ومخضوض: “في إيه يا هدى؟! إيه الدم ده؟! وإيه الشنط دي كلها؟!”
صرخت فيه بصوت طالع بالعافية ومخنوع بالدموع: “مرتك كانت هتقتل بنتك! خديجة طلعت منى فوق وحطتها على حافة السطح يا سامح! كانت عايزه ترميها عشان تنتقم مني!”
سامح اتصدم، خطواته اتجمدت وعينيه اتوسعت بنظرة مش مصدقة: “أنتي بتقولي إيه؟! خديجة تنزل تعمل كده؟! أنتي اتجننتي يا هدى ولا عقلك جرى له حاجة؟!”
“والله العظيم ما بتبلى عليها! طلعت البنت وقالتلي أما نشوف الفوبيا بتاعتك هتخليكي تطلعي تنقذيها ولا لأ! زحفت على بطني يا سامح.. زحفت وضوافري اتكسرت على الإسمنت لحد ما لحقت بنتك من على الطرف قبل ما تقع بثانية!”
قبل ما سامح يلحق يرد أو يفهم، الباب المفتوح دخلت منه خديجة. كانت ماشية ببطء، ودموع هادية نازلة على خدها بتصنع يقطع القلب. وقفت ورا سامح، وحطت إيدها على وشها وبدأت تطلع صويت مكتوم ونبرة مكسورة: “شفت يا سامح؟ شفت ظنونها وصلت لحد فين؟ هي من ساعة ما آدم ابني مات وهي حاسة بالذنب لأنها سابته يقع، ودلوقتي عايزة تلزق فيا تهمة بشعة عشان تطلع نفسها بريئة قدامك وتغطّي على تقصيرها!”

بصيتلها بذهول، الدم غلى في عروقي وصرخت فيها: “أنتي كذابة وممثلة! أنتي قولتيلها بلسانك فوق السطح! قولتلي زحفتي لمنى ومزحفتيش لآدم ليه!”
خديجة ركعت على الأرض عند رجلي سامح وبقت تبكي بحرقة وسيناريو مسبوك: “أنا أعمل كدة في حتة طفلة يا سامح؟! أنا أم محروق قلبها، طلعت أدور على البنت فوق لقيتها واقفة قريبة من السلم، جريت وراها وهديت هدى وقولتلها البنت فوق.. قامت هي طلعت تجري زي المجنونة ودلوقتي بتتهمتي بالتهمة دي عشان تطلعني مجنونة قدامكوا!”
سامح بص بيني وبينها، النظرة اللي في عينيه كانت أصعب عليا من الفوبيا ومن الموت نفسه. كان فيه نظرة شك.. نظرة ترادد بين كلامي وكلامها، كأنه بيسأل نفسه: هل هدى فعلاً اتجننت من حسرتها وخوفها؟

ولا خديجة ؟
وقفت في نص الشقة، مسكت الشنطة بأيدي اللي بتنزف، وشلت منى وضمتها لصدري بقوة، وقربت من سامح، ونظرتي كانت صافية وحاسمة ومفيهاش أي تردد: “الشك اللي في عينك ده هو اللي هيقتلنا كلنا يا سامح.. أنا مش هقعد في البيت ده ولا دقيقة واحدة كمان. يا إما تيجي معايا وتجيب حق بنتك من الست دي، يا إما الباب ده لو اتفلّت ورايا وأنا ماشية.. تنسى إن كان ليك زوجة وبنت للأبد.”
سامح كان واقف بينّا زي المحتار، بصت عينه كانت بتتردد بين دموعي المكسورة وضوافري اللي بتنزف، وبين خديجة اللي كانت بتعيط وبتمثل دور الضحية بإتقان يرعب. خد خطوة ناحيتي ومد إيده يحاول يمسك الشنطة من إيدي بصوت محتار وعالي: “اهدي يا هدى، ما تتجننيش! تنزلي فين بالمنظر ده وبنتك في حضنك في نص النهار؟! خلينا نعدي اللحظة دي والبيت يهدى ونشوف مين الظالم ومين المظلوم!”
سحبت إيدي منه بمنتهى القوة، وعيني كانت بتطق شرار: “نعدي اللحظة؟! أنت شايف إن ده موقف يعدي يا سامح؟! بقولك كانت بتموتها! كانت بتاخد تار ابنها من بنتك وأنت واقف تتفاوض وتاخد وتدي في الكلام! أنت اتعميت للدرجادي؟!”
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح على آخره، ودخلت حماتي وهي شايلة أكياس خضار في إيدها، اتسمرت مكانها لما شافت المنظر: الشنط، والدم، وصريخي، وخديجة اللي قاعدة على ركبها في الأرض وبتعيط.

رمت الأكياس من إيدها وزعقت بصوت  : “إيه المولد ده؟! فيه إيه يا ولد أنت وهي؟! حسكوا جايب آخر الشارع ليه?!”
جريت خديجة عليها، اترمت في  وهي  بالدموع: “الحقيني يا ماما.. هدى طلعت السطح ونازلة تتهمني إني كنت هرمي بنتها من فوق! بتقول للناس إني   عشان تبرأ نفسها من  آدم!”
حماتي بصتلي بنظرة كلها كره وغل قديم، ونفخت بصوت عالي وهي بتقرب مني: “أنتي يا بتاعة الفوبيا أنتي! جاية بعد ما موتّي الولد تتبلي على أمه؟! عايزة تخربي البيت وتقطعي خلفة ابني عشان غيرة ستات؟! ما ترزعي الشنطة دي مكانها وبلاش شو وسينما!”

شفت في عينيها وفي عين خديجة الجدار الأسود اللي عمال بيتسد في وشي. بصيت لسامح.. منتظرة منه كلمة واحدة، موقف واحد يثبتلي إن ليا راجل يحميني ويحمي بنته. بس سامح وّطى راسه في الأرض، وقال بصوت خافت: “يا هدى استهدي بالله وادخلي شقتك دلوقتي لما نفهم…”
السكوت بتاعه ده كان رصاصة في قلبي. عرفت إن المكان ده خلاص مابقاش أمان، وإن العيلة دي كلها باعتني من زمان.
مردتش عليه بكلمة. شديت شنطتي بإيدي اللي بتنزف، ومسكت منى وحطيت راسها في رقبتي عشان مشوفش الوشوش دي تاني، وطلعت أجر الشنطة ناحية باب .
سامح جرى ورايا ومسك دراعي بقوة: “أنا مش هسيبك تخرجي ببنتي من الباب ده يا هدى!”
تفت في وش الخوف، وبصيتله في عينه بنظرة عمري ما بصيتهاله قبل كده، بصوت كان أهدى وأخطر من كل الصريخ اللي صرخته: “لو لمستني تاني يا سامح، أو حاولت تمنعني.. هطلع في الشارع دلوقتي وهصرخ وألم الناس والشرطة، وهقول إن مرتك حاولت تقتل بنتي وأنت بتستر عليها.. سيب إيدي.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى