روايات وقصص

مرات اخويا مني السيد

شاور على الخانة التانية في الكشف.
كانت فيه مبالغ شهرية إخواتي بيدفعوها، مبالغ بسيطة كنت فاكرة إنهم بيساعدوا بيها في مصاريف البيت.
بس اتفاجئنا إن الفلوس دي كلها، أبويا كان بيرجع يحطها في حسابات بنكية مقفولة اتفتحت باسم كل واحد فيهم.
أبويا كمل:
— أمكم كانت بتشيلها من وراكم، عشان لما تقرروا تستقلوا تلاقوا قرشين يسندوكم وتبدأوا بيهم.
ولاء عينيها وسعت من الصدمة.
وإسلام أخويا بلم ومش مصدق اللي بيسمعه.
هنا بقى أبويا رمى كشف حساب رابع على الترابيزة:
— المصيبة الحقيقية هنا.
كان فيه عمليات سحب كتير حصلت قريب وبأرقام كبيرة من الحساب ده.
أمي قربت مفجوعة:
— يا رجب… في إيه؟ إيه اللي حصل؟
— ده اللي أنا عاوز أفهمه.
الحساب ده كان هو الحساب اللي متشال فيه فلوس إسلام.
وأكتر من نص المبلغ كان اتسحب وطار.
أخويا إسلام وشه بهت وعرّق:
— والله العظيم يا بابا أنا عمري ما سحبت ولا جنيه من الحساب ده، ولا كنت أعرف بيه أصلاً!
أبويا لف وشه وبص لـ ولاء مباشرة في عينيها.
نزلت راسها في الأرض وبصت في السيراميك.
إسلام بصلها وشك:
— إنتي كنتي عارفة إن في حساب مفتوح باسمي؟
ردت بسرعة وتلعثم:
— لأ طبعاً! هعرف منين؟
أبويا فتح الدوسيه وطلع طلب تحديث بيانات رسمي من البنك:
— أمال فهميني إيه دي؟
الورقة كانت طلب رسمي متقدم للبنك بتغيير رقم التليفون المربوط بالحساب ورسائل السحب.
ورقم الموبايل المسجل كان بينتهي بأربع أرقام مميزة.
عرفت الرقم في ثانية.
ده كان رقم خط ولاء الشخصي.
إسلام قام وقف على حيله وبصلها وهو بيغلي:
— إنتي عملتي إيه؟!
صرخت فيه:
— معملتش حاجة! أكيد مامتك هي اللي حطت نمرتي بالغلط!
أمي هزت راسها بالراحة وبحرقة:
— أنا عمري ما كان معايا رقمك ولا حطيته في بنك.
ولاء بصت ناحية باب الشقة وبقت بتتلفت زي الحرامي اللي اتقفش وعايز يهرب.
بس أبويا كان لسه في إيده ورقة تانية.
بصلها وقال:
— عشان كده امبارح، أنا مكنتش زعلان عشان اتكلمتي على الجمبري ولا على تمنه.
وراح رامي الورقة الأخيرة على الترابيزة:
— أنا كنت متغاظ من إنك بقالك أسابيع بتلفي وتدوري حوالين ماجدة وتسأليها هي معاها دهب وفلوس قد إيه، وناويين نكتبلكم إيه من البيوت وإمتى.
وش مرات أخويا جاب ألوان الطيف ومبقتش قادرة تنطق بحرف.
ساعتها بس فهمت إن أبويا مخدش قرار إنه يفركش القعدة دي عشان خناقة على أكلة جمبري في العشا.
الجمبري ده كان مجرد القشة اللي أكدتله إن الأوان آن، ولازم يفرش الملاية ويكشف مين اللي بقاله شهور بيمد إيده في الضلمة على القرشين اللي أهلي شقوا سنين عشان يحوشوهم ويسندونا بيهم.
الصمت اللي نزل على الصالة في اللحظة دي مكنش صمت عادي، كان عامل زي كتمة النفس اللي بتسبق العاصفة، صوت عقارب الساعة المعلقة فوق النيش كان طالع بدقة رنانة كأنها بتعد الثواني الأخيرة قبل الانفجار.
إسلام أخويا فضل واقف مكانه، مسمر في الأرض، عينه رايحة جاية بين الورقة اللي في إيد أبويا وبين وش ولاء اللي كان بيتقلب من الأصفر للأزرق. الهوا في الأوضة بقى تقيل، حتى أمي حطت إيدها على صدرها وبقت بتتنفس بصعوبة وصوت نهجانها مسموع، كأن السنين اللي شقيت فيها هي وأبويا بتمر قدام عينيها في شريط شريط.
— انطقي!
الصوت مطلعش من أبويا، طلع من إسلام. صوت كان مبحوح، مليان قهره وصدمة عمره ما طلعها في حياته. قرب خطوة واحدة من ولاء، ومد إيده المرتعشة وشاور على الورقة:
— الرقم ده رقمك إنتي… الخط اللي أنا مسجله باسمي وشاريهولك أول ما اتجوزنا، بتعملي إيه بحساب بنكي أنا نفسي مكنتش أعرف إنه مفتوح؟ والفلوس دي راحت فين؟ انطقي ساكتة ليه؟!
ولاء لفت وشها بسرعة، وبدأت ملامح التناكة والغرور اللي كانت دايماً راسماهم تدوب، بس بدل ما تعترف، النرجسية ركبتها، وبدل ما توطي راسها، عينيها احمرت وبدأت تهاجم عشان تدافع:
— إيه؟! إيه المحكمة اللي إنتوا ناصبينهالي دي؟! جايين كلكم تقفوا ضدي عشان ورقتين ملهومش أي تلاتين لازمة؟! أيوة… أيوة أنا روحت البنك، وعملت كده عشان أضمن حقنا! عشان إنت نايم في العسل، مأنتخ، فاكر أهلك بيعملوا لمصلحتك وهم شايلين كل حاجة عنك ومخبيين عننا كل مليم!
أحمد أخويا التاني كان قاعد على طرف الكنبة جنب مراته لبنى، قام وقف على حيله من الزعيق وبصلها بذهول:
— تضمني حقك من مين يا ولاء؟! من أبونا وأمنا؟! هو إنتي كنتي لاقية تاكلي ولا حد قصر معاكي في لقمة؟! إحنا عايشين في خيرهم بقالنا سنين، عيالك مدارسهم بتتدفع من جيب الحاج، وأكلك وشربك من تلاجتهم، جاية دلوقتي تتكلمي عن الحقوق؟!
ولاء بصت لـ أحمد باحتقار ولوت بوزها:
— إنت تسكت خالص يا أحمد! إنت عامل فيها المحترم البريء وإنت أول واحد عارف إن الشقة اللي في الهرم دي كانت المفروض تتكتب باسم إسلام عشان هو الكبير، مش تتقسم عليكم إنتوا الاتنين بالسوية! أنا مبخدش حاجة مش حقي، أنا باخد اللي كان المفروض يدخل بيتي وميدخلش في بطن غيري!
أبويا الحاج رجب كان قاعد حاطط رجل على رجل، مرفعش صوته ولا حتى رمش. بروده ده كان هو أكتر حاجة مرعبة في الأوضة. شاور بإيده لـ إسلام وأحمد عشان يسكتوا، ونفض طرف جلابيته بالراحة، وبص لـ ولاء في عينيها بنظرة مفهاش غضب، كان فيها استحقار كافي يهد جبل:
— إنتي فاكرة نفسك ذكية يا بنت الأصول؟ فاكرة إنك لما تروحي فرع البنك اللي في روض الفرج، وتاخدي بطاقة إسلام من غير ما يدري وهو نايم، وتعملي توكيل مزور أو تستغلي معرفة بنت خالتك اللي شغالة في خدمة العملاء عشان تعدلي بيانات الحساب، إن الحكاية هتعدي على رجب السوهاجي؟
الكلمة نزلت على دماغ ولاء زي المرزبة. وشها اتخطف تماماً، وعينيها اللي كانت بتبرق بالوقاحة انكسرت في ثانية.
— بنت خالتي…؟ — الكلمة طلعت منها بالعافية وهي بتبلع ريقها بصعوبة.
أبويا طلع ورقة تالتة من نفس الدوسيه البني، ورماها قدام إسلام:
— أنا عمري ما دخلت قرش حرام بيتي، وعمري ما سلمت رقبتي لغريب. لما مدير الفرع — اللي هو راجل معرفة عمر وصاحبي من أيام الجيش — رن عليا وقالي إن في حركات سحب مشبوهة بتتم بالـ ATM وبتتحول لحسابات تانية، وإن رقم التليفون اتغير بطلب فيه شبهة، مستعجلتش. سكت، وسبت الحبل يتكر عشان أشوف آخرتك إيه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى