روايات وقصص

مرات اخويا مني السيد

أمي الحاجة ماجدة قعدت على الكرسي وهي بتمسح دموعها بطرحتها، وصوتها بيقطع من الحزن:
— ليه يا بنتي كده؟ ده أنا كنت بديكي مفتاح أوضتي تدخلي ترتبيها وتجيبي اللي إنتي عايزاه… كنت بعاملك زي كاريمان بنتي، ولا عمري فرقت بينك وبين لبنى، ولا حسستك في يوم إنك غريبة عن البيت. تعملي فينا كده وتسرقي شقى راجلي اللي ضهره انحنى في الورشة عشانكم؟!
ولاء كانت واقفة بتتلفت يمين وشمال، مفيش مفر خلاص، الحصار اتقفل عليها من كل ح сторона. بس البجاحة لما بتتملك من البني آدم بتخليه يعمى عن كل ذرة خجل. بصت لأمي وقالت بصوت عالي وهي بتزعق:
— متمثليش عليا دور الضحية يا حاجة! إنتي من يوم ما دخلت البيت ده وإنتي عينك على كل حاجة بشتريها! عينك على لبسي وعلى خروجاتي، وبتفضلي لبنى عليا في كل حاجة عشان لبنى هادية ومبتتكلمش، إنما أنا عشان بطالب بحق جوزي وعيالي بقيت وحشة وحرامية؟!
هنا إسلام متمالكش نفسه. قرب منها ومسكها من دراعها بقوة خلتها تصرخ:
— اخرسي! متجيبيش سيرة أمي على لسانك الزفر ده! قوليلي الفلوس فين؟! مية وعشرين ألف جنيه اتسحبوا في تلات شهور راحوا فين؟! إحنا كنا بنقعد آخر الشهر نكحت عشان نجيب بامبرز للواد الصغير، وكنتي تقوليلي المرتب مش مكفي وأبوك مضيقها علينا، وإنتي واكلة فلوسي وشقايا ورايحة تحطيهم فين؟!
— سيب دراعي يا إسلام! سيبني بقولك متمدش إيدك عليا!
ولاء شدت دراعها منه بعنف ورجعت خطوتين لورا، وراحت مطلعها تليفونها من جيب العباية، وإيديها بترتعش بهستيريا:
— أنا هتصل بأخويا أشرف يجيلي دلوقتي! ييجي يشوف البهدلة وقلة القيمة اللي أنا فيها في بيتكم ده! ييجي يشوف الرجالة اللي مستقويين على واحدة ست وقافلين عليها الباب ونازلين فيها اتهامات وظلم!
أبويا ابتسم بمرارة، وشاورلها براسه:
— اتصلي بيه يا ولاء… اتصلي بـ أشرف خليه ييجي. ده هو بالذات اللي أنا مستنيه من الصبح، عشان في حساب قديم أوي بيني وبينه، ولازم يتصفى النهاردة قبل ما الشمس تغيب.
ولاء صوابعها وقفت على شاشة الموبايل، وبصت لأبويا برعب:
— حساب إيه؟! أشرف ماله بالموضوع ده؟!
أبويا سحب نفس طويل، وبصلي أنا وأحمد:
— كاريمان، ادخلي هاتيلي كوباية مية لأمك واقعدي جنبها.
مشيت على المطبخ ورجلي مش شيلاني من التوتر، قلبي كان بيدق في وداني. المطبخ كان لسه فيه ريحة الجمبري اللي اتعمل امبارح، الطبق اللي اتساب في التلاجة ومحدش داقه، واللي بسببه البيت كله اتفركش واتفتحت الدفاتر القديمة. مليت كوباية المية وطلعت بسرعة، لقيت الجو في الصالة متكهرب أكتر.
أبويا كان حاطط كشف تالت على الترابيزة، كشف تفصيلي بالتحويلات البنكية اللي طلعت من حساب إسلام.
— الفلوس اللي اتسحبت دي يا إسلام، مكنتش بتتصرف على لبس ولا مكياج زي ما هي بتقولكم. الفلوس دي كانت بتتحول على حساب أشرف أخوها، عشان يفتح بيه معرض الموتوسيكلات اللي في شبين القناطر… المعرض اللي بقاله شهرين عمال يتباها بيه قدام قرايبهم ويقول إنه عمله من عرق جبينه وشقاه في الغربة!
إسلام وشه بقى لونه رمادي، الصدمة كانت أكبر من طاقته. الراجل حس إن كرامته ورجولته اتداسوا تحت الرجلين، وإن الست اللي وثق فيها وشاركها بيته وسريره كانت بتسرقه في الضلمة عشان تبني عز لأخوها العاطل على قفاه.
— أشرف…؟ — إسلام قالها وهو بيبص لولاء كأنه أول مرة يشوفها في حياته — كنتي بتسرقيني عشان أشرف البلطجي اللي مبيشتغلش؟! وأنا اللي كنت بنزل أوفر تايم في المصنع وبطبق الشيفت عشان أرجعلك بالقرشين اللي يادوب يمشونا؟!
ولاء حست إن الأرض بتتسحب من تحتها بجد، الورق كاشف كل مليم، بالتواريخ وبالأرقام وبالحساب اللي استقبل الفلوس. بدأت ترجع لورا ناحية الممر المؤدي للأوض:
— أشرف كان مزنوق… كان محتاج يوقف نفسه على رجله، وكان هيرجعهم والله! كان هيرجعهم أول ما المعرض يشتغل ويدخل أرباح! أنا كنت هحطهم في الحساب تاني من غير ما حد يحس!
أحمد اتعصب وصرخ فيها:
— من غير ما حد يحس؟! إنتي فاكرة البنوك دي لعبة في إيدك؟! ده نصب وتزوير وسرقة علني! إنتي لو الحاج مكنش بيحب يستر كان رماكي في الحجز من أول ورقة طلعت من البنك!
لبنى، مرات أحمد، اللي دايماً كانت ماشية جنب الحيط ومبتدخلش في أي حوارات، مقدرتش تسكت، وقفت وقالت بصوت هادي بس مليان لوم:
— بقى كده يا ولاء؟ عشان كده لما كنت أقولك تعالي نجيب طلبات البيت سوا بالأسبوع، كنتي تقوليلي ممعاييش وأنا مزنوقة وخلي الحاج هو اللي يدفع؟ عشان كده كنتي دايماً تقومي إسلام على أبوه وتقوليله إحنا متهانين في البيت ده؟ كنتي بتعملي كل ده عشان تلهفي الفلوس وتداري على عملتك؟!
ولاء صرخت في وش لبنى بحقد:
— اخرسي إنتي يا بتاعة الجمعيات! ملكيش دعوة بيا ولا باللي بعمله! كلكم عليا؟! كلكم مستنيين ليا سقطة عشان تشمتوا فيا؟!
أبويا الحاج رجب خبط بإيده على الترابيزة خبطة واحدة قوية، هزت الفناجين والكشوفات، والصوت كان كفيل يخرس الصالة كلها في ثانية:
— خلص الكلام!
وقف على حيله، قامته الطويلة وهيبته كانت مسيطرة على المكان كله، وبص لـ إسلام بصرامة مفيهاش أي تردد:
— إسلام… قدامك حل من اتنين ملهومش تالت.
إسلام رفع راسه وبص لأبوه بعيون مكسورة ومليانة دموع:
— أمرك يا حاج… قول.
— الحل الأولاني: إنك تاخد مراتك دي من إيدها، وتلموا هدومكم من الأوضة دي دلوقتي حالا، وتروحوا تقعدوا في شقة الهرم، وتبعت تجيب أشرف أخوها، والمية وعشرين ألف جنيه يدخلوا حسابك اللي في البنك في ظرف شهر واحد بالتمام والكمال، ولو مدخلوش، أنا هرفع بالتوكيل اللي معايا وبكشوفات الحساب قض\ية خيانة أمانة وتزوير ضد أخوها وضدها، وساعتها مفيش حد هيرحمهم.
ولاء شهقت ولطمت على صدرها:
— قض\ية يا حاج؟! هتحبس أم عيالك؟!
أبويا متلفتش ليها أصلاً، وفضل باصص لـ إسلام ومكمل كلامه:
— والحل التاني: إنك تطلقها هنا قدامي دلوقتي، وتطردها بهدومها اللي عليها لبيت أهلها، والفلوس اللي اتسرقت دي أنا هعتبرها دين على أشرف ومش هسيبه إلا لما يرجعهالك مليم ينطح مليم بالقانون وبالأصول، وساعتها إنت تبدأ حياتك من جديد راجل حر ومحدش كاسر عينك.
الأوضة اتملت بسكون مرعب بعد الكلمتين دول. ولاء وشها بقى عامل زي الأموات، التهديد بالسجن وبخراب البيت وبقطع رجلها من العيلة نزل عليها زي الصاعقة. جريت على إسلام ومسكت في قميصه وهي بتعيط وتستعطفه:
— إسلام… عشان خاطر عيالك! عشان خاطر يوسف ومريم متعملش فيا كده! أنا غلطت، والله العظيم غلطت والشيطان عماني، بس متهدش بيتنا عشان قرشين، أنا هخلي أشرف يبيع الموتوسيكلات ويكتبلك شيكات بالمبلغ كله، بس متسبنيش في الشارع كده!
إسلام زق إيديها عنه بقرف، وبصلها بنظرة مفهاش غير الخيبة والوجع، وكأنه مش شايف الست اللي حبها وعاش معاها ست سنين:
— عيالي؟ إنتي افتكرتي عيالك دلوقتي؟! لما كنتي بتسرقي شقايا وتديه لأخوكي عشان يتمنظر بيه، مفتكرتيش عيالك وهم محتاجين الجنيه؟! لما كنتي بتبصي في لقمة أمي وتقولي عليها مبذرة عشان كيلو جمبري جايباه تفرحنا بيه، مفتكرتيش عيالك؟!
ولاء قعدت في الأرض عند رجليه وبقت بتعيط بهستيريا، بس مكنش عياط ندم، كان عياط الخوف من الفضيحة ومن العواقب اللي مستنياها بره البيت ده.
أمي ماجدة بصت لأبويا وقالت بصوت واطي ومبحوح:
— يا رجب… بلاش خراب بيوت عشان خاطر العيال الصغيرين، العيال ملهمش ذنب يتبهدلوا بين المحاكم والبيوت.
أبويا بص لأمي بحنية بس بحزم لا يلين:
— اللي يمد إيده على قرش مش بتاعه يا ماجدة ويسرق من ورا ضهرنا، ميستأمنش على بيت ولا على عيال. أنا مش هخرب بيته، أنا بحطه قدام الحقيقة عشان يعرف مين اللي بيصونه ومين اللي بياكل في لحمه وهو حي.
في اللحظة دي، جرس الباب رن.
رنة الجرس كانت طويلة ومستفزة، رنة حد جاي وعارف إنه داخل على خناقة ومستعد ليها.
كلنا بصينا ناحية الباب المقفول. ولاء وقفت بسرعة ومسحت دموعها بكم عبايتها، وعينيها لمعت ببريق أمل مسموم.
أبويا بص لـ أحمد وقال بهدوء غريب:
— افتح الباب يا أحمد… باين الضيف اللي مستنينه وصل في ميعاده بالظبط.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى