
خرجت من قاعة الاجتماعات من غير ما أبص ورايا.
شريكي لحقني لحد باب الأسانسير وهو بيقول:
— يوسف! استنى… الصفقة؟
بصيت له، وكنت حاسس إن صوتي نفسه مش طالع مني.
— الغي الاجتماع.
— إيه؟! إحنا مستنيين الإمضا بتاعتك من شهور!
— قول لهم عندي ظرف عائلي.
دخلت الأسانسير، وقبل ما الباب يقفل، شفت وشه وهو واقف مصدوم.
أنا نفسي كنت مصدوم أكتر منه.
وأنا في العربية، فتحت تليفوني وبدأت أدور على اسم مريم.
مفيش.
ولا مكالمة.
ولا رسالة.
ولا حتى إشعار قديم.
فتحت سجل المكالمات مرة واتنين وتلاتة.
آخر مكالمة بيني وبينها كانت قبل بأيام.
نفس اليوم اللي حصلت فيه أكبر بينا.
نفس اليوم اللي قالت فيه، حسب اللي كنت فاكره:
“أنا مش عايزاك.”
وقتها أنا صدقتها.
بل بالعكس… أنا اللي طلبت بعدها.
لكن دلوقتي، كلام الدكتورة كان بيرن في دماغي:
“ابنك اتولد النهاردة.”
ابني.
ابني اللي المفروض كان عمره ست شهور في اللحظة دي تقريبًا.
ابني اللي مريم كانت حامل فيه وأنا واقف قدام المأذون ومش عارف.
صرخت في السواق:
— أسرع!
وبعدين فجأة افتكرت حاجة.
يوم ، مريم كانت شاحبة جدًا.
كنت فاكر إنها من الانهيار.
لكنها يومها حطت إيدها على بطنها للحظة، ولما سألتها مالك، سحبت إيدها بسرعة وقالت:
— مفيش حاجة.
ليه افتكرت المشهد ده دلوقتي؟
فتحت موبايل تاني قديم كنت محتفظ بيه في العربية.
دخلت على النسخ الاحتياطية.
وبعد دقائق، ظهرت قدامي حاجة خلت قلبي يقف.
ست مكالمات فائتة من مريم… في نفس اليوم اللي طلبت فيه الطلاق.
بصيت للتاريخ.
المكالمة الأولى كانت الساعة 11:42 مساءً.
التانية 11:47.
التالتة 11:51.
والباقي بعدها بدقائق.
لكن الغريب…
أنا فاكر اليوم ده كويس.
فاكر إني نمت من غير ما مريم تحاول تكلمني.
فاكر إني قلت لنفسي:
“هي خلاص اختارت تسيبني.”
لكن سجل الهاتف كان بيقول حاجة تانية تمامًا.
كانت بتحاول توصل لي.
مرات ورا بعض.
فتحت المكالمات.
كل واحدة منهم ظهرت ثانيتين، وبعدها اختفت.
كأن حد دخل على هاتفي ومسحها.
وبينما أنا بحاول أفهم، ظهر إشعار قديم من تطبيق الرسائل.
رسالة صوتية محذوفة.
ضغطت عليها.
مفيش صوت.
لكن كان فيه ملف احتياطي محفوظ.
رجعت البيت بسرعة، وطلعت اللابتوب.
بدأت أفتش في النسخ القديمة.
لحد ما لقيت مجلد باسم مريم.
فتحت المجلد.
كان فيه تلات تسجيلات صوتية.
إيدي بدأت ترتعش.
ضغطت على الأول.
ثواني صمت…
وبعدين سمعت صوتها.
صوت مريم وهي بتعيط.
— يوسف… بالله عليك رد عليا… أنا محتاجة أقولك حاجة قبل ما تكرهني.
التسجيل اتقطع.
فتحت التاني.
كان صوتها أضعف.
— يوسف، أنا عمري ما كنت عايزة الطلاق… بس في ناس قالولي إنك خلاص قررت تمشي، وإنك مش عايز تشوفني…
التسجيل انتهى.
أما التالت…
فبدأ بجملة واحدة:
— لو سمعت الرسالة دي، يبقى هما نجحوا إنهم يبعدونا عن بعض.
وقفت التسجيل فورًا.
“هما؟”
مين هما؟
وليه مريم كانت بتتكلم كأن حد تاني كان بيتدخل بينا؟
وقبل ما ألحق أكمل، لقيت رسالة نصية ظهرت في نفس المجلد.
كانت آخر رسالة بعتها مريم قبل الطلاق.
قرأتها مرة.
مرتين.
وتلاتة.
“أنت اللي مشيت، أنا عمري ما كنت عايزة أسيبك… بس لو عرفت الحقيقة، هتندم إنك صدقتهم.”
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
مين “هم”؟
وإيه الحقيقة؟
وفجأة، افتكرت الشخص الوحيد اللي كان دايمًا موجود وقت خناقاتنا…
الشخص اللي كان بيقعد بيني وبين مريم، ويقول لي إنه بيحاول “يصلح بينا”.
أخويا… كريم.
لكن قبل ما أقدر أواجهه، جالي اتصال من رقم المستشفى.
رديت.
الدكتورة سارة قالت بصوت متردد:
— أستاذ يوسف، في حاجة لازم تعرفها قبل ما تيجي.
— إيه؟
سكتت لحظة.
— مريم طلبت مني ما أتصلش بيك.
اتجمدت.
— طلبت منك إيه؟
— قالت لو حصل لها أي حاجة، ما أقولكش غير لما تتأكد إن الطفل بخير.
بلعت ريقي.
— ليه؟
الدكتورة سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
— لأنها كانت خايفة منك… مش على نفسها.
— خايفة مني؟
— لا يا أستاذ يوسف…
صوتها اتغير.
— كانت خايفة إن حد في عيلتك يوصل للطفل قبلك.
قفلت المكالمة وأنا مش قادر أتحرك.
لأن في اللحظة دي فهمت إن الموضوع ما بقاش مجرد طلاق مخبي وطفل ظهر فجأة.
كان فيه حد تاني داخل في الحكاية.
ويمكن…
هو السبب الحقيقي في إن ابني اتولد قبل ميعاده.
لكن اللي شوفته في المستشفى بعد دقائق، خلاني أشك إن مريم نفسها كانت مخبية عني سر أخطر من الحمل.
… يتبع في الجزء الثالث.الجزء الثالث: السر اللي كانت مريم بتحميه
وصلت المستشفى وأنا حرفيًا مش شايف قدامي.
كنت سايق بسرعة، وكل كلمة قالتها الدكتورة سارة بتتكرر في دماغي:
“كانت خايفة إن حد من عيلتك يوصل للطفل قبلك.”
دخلت الاستقبال وقلت اسم مريم.
الممرضة رفعت عينيها للكمبيوتر، وبعدين بصت لي بتردد.
— حضرتك يوسف؟
— أيوه.
— ممكن البطاقة؟
طلعتها بسرعة، لكن قبل ما تاخدها، الدكتورة سارة ظهرت من آخر الممر.
— سيبيه يا منى، أنا عارفاه.
جريت ناحيتها.
— مريم فين؟
— في العناية، بس حالتها مستقرة.
— والبيبي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— ابنك مقاتل… بس لسه محتاج حضانة ورعاية.
حسيت لأول مرة من ساعات إني قادر أتنفس.
— عايز أشوفه.
الدكتورة هزت رأسها.
— ممكن من بعيد، بس لازم تعرف حاجة.
— إيه؟
— مريم لما فاقت، أول سؤال سألته كان: “يوسف عرف؟”
قلبي اتقبض.
— وإنتِ قلتي لها إيه؟
— قلت لها إنك جاي.
بصت لي شوية وبعدين قالت:
— أول ما سمعت كده، طلبت مني طلب غريب.
— إيه؟
— قالت لي: “خليه يدخل لوحده… ومن فضلك ما تخليش حد من أهله يدخل.”
سألتها:
— هي تقصد مين؟
الدكتورة اترددت.
— قالت اسم واحد.
— مين؟
بصت لي في عيني.
— كريم.
أخويا.
حسيت إن الأرض اتحركت تحت رجلي.
— هي قالت لك كريم؟
— أيوه.
ماقدرتش أتكلم.
كريم كان أقرب شخص ليا طول عمري.
بعد وفاة أبويا، هو اللي وقف جنبي.
وكان دايمًا يقول لي:
“مريم مش مناسبة ليك يا يوسف.”
“دي هتضيع مستقبلك.”
“دي بتستغل حبك.”
“سيبها قبل ما تخسرك كل حاجة.”
وأنا…
كنت بصدقه.
لأني كنت فاكر إنه بيخاف عليا.
طلعت من عند الدكتورة واتجهت ناحية غرفة مريم.
وقفت قدام الباب.
من وراه سمعت صوتها ضعيف:
— يوسف؟
فتحت الباب.
مريم كانت نايمة على السرير، وشها شاحب، وفي إيدها المحلول.
أول ما شافتني، عينيها اتمليت دموع.
ماقالتش “إنت جيت ليه؟”
ولا قالت “أنا مش عايزاك.”
بالعكس…
مدت إيدها ناحيتي.
— كنت عارفة إنك هتيجي.
قربت منها.
— ليه ماقولتيليش إنك حامل؟
دموعها نزلت.
— حاولت.
— حاولتي؟!
صوتي ارتفع من غير ما أقصد.
— ست مكالمات! تلات رسايل صوتية! ليه أنا ماوصلنيش منهم حاجة؟
مريم غمضت عينيها.
— لأنهم اتمسحوا.
— مين مسحهم؟
سكتت.
— مريم، أنا بسألك.
فتحت عينيها وبصت لي.
— كريم.
اتجمدت.
— إنتِ بتقولي إيه؟
— أخوك هو اللي مسح الرسائل.
— مستحيل.
ضحكت ضحكة موجوعة.
— كنت عارفة إنك مش هتصدقني.
— لأنه أخويا!
— وأنا كنت مراتك!
الجملة نزلت عليا كأنها صفعة.
سكتنا.
وبعدين قالت:
— يوسف، أنا عرفت إني حامل قبل الطلاق بأسبوعين.
قلبي دق بعنف.
— وكنتِ ناوية تقوليلي؟
— طبعًا.
— إمتى؟
— يوم ما حصلت الخناقة الأخيرة.
بصيت لها.
— اللي حصل فيها إيه؟
دموعها نزلت.
— كريم دخل علينا قبل ما تيجي، وقال لي إنك قررت تطلقني مهما حصل.
— ده مش صحيح.
— عارفة.
— طيب ليه صدقتيه؟
— ماصدقتوش.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— أنا كنت بحاول أكلمك عشان أقولك إني حامل.
اتنفست ببطء.
— ولما اتصلتِ؟
— كريم كان ماسك موبايلك.
— إيه؟
— شفته بعيني.
قلبي وقع.
— هو كان عنده موبايلي؟
هزت رأسها.
— يوم ما جيت البيت وطلبت الطلاق، كنت فاكرة إنك بتتكلم من قلبك. لكن بعد ما مشيت، كريم رجع لي وقال لي: “يوسف اختار حياته من غيرك، متحاوليش ترجعيه.”
بصيت لها وأنا مش قادر أستوعب.
— وإنتِ عملتي إيه؟
— حاولت أوصلك.
— وبعدين؟
— كريم هددني.
سكتُّ.
— هددك بإيه؟
مريم بصت للباب كأنها خايفة حد يسمع.
— قال لي لو قلت لك إني حامل، هيخلي الطفل يتسجل باسم شخص تاني… وهيبعده عني.
اتجمدت.
— مين الشخص التاني؟
مريم ما ردتش.
قربت منها.
— مين؟
مسكت إيدي بقوة.
— يوسف… ابنك مش مجرد طفل كريم كان عايز يخبيه عنك.
— أمال إيه؟
بصت لي وهي بتعيط.
— هو كان عايز يستخدم ابني عشان ياخد حاجة منك.
— إيه؟
فتحت درج صغير جنب ، وطلعت ظرف أبيض.
حطته في إيدي.
— ده كان في بيتنا.
فتحته.
لقيت صورًا من عقد الشركة.
وأوراق تحويل ملكية.
وتوقيع باسمي.
لكن التوقيع…
كان مزور.
رفعت عيني لها.
— إيه ده؟
قالت بصوت مكسور:
— كريم كان بيحاول يسيطر على أسهمك كلها.
— بس ليه؟
مريم سكتت.
وبعدين قالت:
— لأن أبوك قبل ما ، كتب شرط في وصيته.
— شرط إيه؟
مسكت إيدي وقالت:
— نص ثروته هيروح لابنك… بشرط إن ابنك يكون ابنك الشرعي وموجود على قيد الحياة.
حسيت إني مش قادر أتكلم.
كل حاجة بدأت تركب.
الطلاق.
الحمل.
المكالمات.
الرسائل المحذوفة.
خوف مريم.
كريم.
لكن كان فيه سؤال واحد أهم من كل ده.
— مريم… إنتِ كنتِ متأكدة إن الطفل ابني؟
وشها اتغير فجأة.
وبعد صمت طويل جدًا…
قالت:
— أيوه.
ثم بصت ناحية الباب وقالت:
— بس كريم حاول يخلي كل الناس تشك في ده.
وقبل ما أسألها إزاي…
اتفتح باب الغرفة فجأة.
دخل كريم.
وقف عند الباب وابتسم.
— مبروك يا أخويا…
بصيت له وأنا ماسك الأوراق.
— إنت كنت عارف؟
ابتسامته اختفت.
— عارف إيه؟
رفعت الظرف قدامه.
— عارف إن مريم كانت حامل؟
سكت.
وبعدين قال جملة واحدة قلبت الدنيا:
— أنا كنت عارف أكتر منك ومن مريم كمان.
مريم شهقت.
أما أنا…
فحسيت إن فيه سر أخير لسه محدش قاله.
لأن كريم قرب مني وهمس:
— بس لو عايز تعرف الحقيقة كاملة عن ابنك… اسأل مريم عن اللي حصل في الليلة اللي قبل .
بصيت لمريم.
وشها كان أبيض تمامًا.
ولأول مرة…
شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
لأن اللي حصل في الليلة دي ماكانش مجرد خناقة بين زوجين… كان السبب اللي خلّى مريم تخفي حملها ست شهور كاملة.
… يتبع في الجزء الرابع.



