روايات وقصص

شروق خالد

والد سلمى قال:

“في المكان اللي بدأ منه كل شيء.”

سليم همس:

“المنجم.”

هز رأسه.

في تلك اللحظة، وصل ضابط شرطة وأخذ جمال بعيدًا.

جمال كان بيقاوم ويصرخ:

“لو دخلتوا المنجم، هتعرفوا إنكم ما تعرفوش حاجة!”

لكن سليم رد:

“هنعرف.”

ثم التفت لسلمى.

“والمرة دي، هنروح كلنا.”

—

بعد ساعات، وصلت المجموعة إلى المنجم القديم.

المكان كان مهجورًا من سنين.

لكن بمجرد دخولهم، اكتشفوا آثار حياة حديثة.

أكل.

بطاطين.

مصباح.

وسرير.

سلمى وقفت.

“حد عايش هنا.”

سمعوا صوت خطوات.

سليم رفع مصباحه.

رجل عجوز خرج من الظلام.

كان نحيفًا جدًا.

شعره أبيض.

وفي وجهه ندبة طويلة.

لكن عينيه…

كانت نفس عيون سليم.

سليم لم يستطع الكلام.

الرجل بص له طويلًا.

ثم قال:

“كبرت يا ابني.”

سليم شهق.

“بابا؟”

الرجل ابتسم.

“كنت مستنيك.”

سليم مشى نحوه ببطء.

“أنا فاكر إنك مت.”

“كنت لازم تموت في نظرهم.”

“ليه؟”

الرجل بص ناحية والد سلمى.

“عشان جمال كان بيدور عليا.”

ثم أضاف:

“ولو عرف إني عايش، كان هيقتل سلمى.”

سلمى بدأت تبكي.

يوسف قرب منها.

“تعالي.”

سلمى جريت عليه.

احتضنته.

ولأول مرة، اكتملت العيلة التي ظلت مكسورة لعقود.

لكن يوسف لم يتركها طويلًا.

قال:

“في حاجة لازم تعرفيها.”

سلمى رفعت رأسها.

“إيه؟”

“أمك ما ماتتش في الحريق.”

سلمى تجمدت.

“إيه؟”

يوسف قال:

“هي ماتت بعد الحريق بفترة.”

“مين قتلها؟”

يوسف نظر إلى سليم.

ثم إلى ليلى.

وقال:

“الراجل اللي أمر بقتلها…”

توقف.

“كان شخصًا داخل عيلتكم.”

سليم عقد حاجبيه.

“مين؟”

يوسف مد يده وأخرج صورة.

في الصورة كانت زوجة سليم الراحلة واقفة بجانب رجل لم يعرفه سليم.

لكن سلمى عرفته فورًا.

كان مدير الفندق.

الرجل الذي رفض يشغلها يوم وصلت إلى وادي النخيل.

سلمى همست:

“هو.”

يوسف هز رأسه.

“هو كان بيشتغل مع جمال.”

ثم أضاف:

“وهو اللي كان بيراقبك من أول يوم.”

سليم أمسك يد سلمى بقوة.

“يعني وصولك للفندق…”

يوسف قال:

“ما كانش صدفة.”

سلمى شهقت.

“مين اللي بعتني هناك؟”

يوسف بص لها.

“أمك.”

سلمى سكتت.

“إيه؟”

يوسف ابتسم بحزن.

“قبل موتها بأيام، رتبت إنك تروحي وادي النخيل. كانت عايزة تبعدك عنهم.”

“لكن ليه الفندق؟”

يوسف رد:

“لأنها كانت تعرف إن فيه شخص واحد هناك يقدر يحميك.”

سليم عقد حاجبيه.

“مين؟”

يوسف ابتسم.

“إنت.”

سليم بص لسلمى.

وفجأة فهم.

لم تكن مقابلتهما صدفة.

ولم يكن زواجهما مجرد اتفاق.

كل خطوة…

منذ اليوم الذي دخلت فيه سلمى الفندق بثوبها المتهالك…

كانت جزءًا من خطة أمها الأخيرة لحمايتها.

سلمى بدأت تبكي.

“يعني أمي كانت بتقودني ليك؟”

يوسف هز رأسه.

“أيوه.”

سليم اقترب منها.

“وهي كانت عارفة إنك هتقابليني.”

سلمى بصت له.

“إنت كنت مكتوب في قدري من قبل ما أعرفك.”

ابتسم سليم.

“وأنا كنت فاكر إني أنا اللي اخترتك.”

ضحكت وسط دموعها.

“يمكن إحنا الاتنين ما اخترناش.”

سليم مسك إيدها.

“بس دلوقتي نقدر نختار.”

“نختار إيه؟”

“نكمل.”

وفي تلك اللحظة، دخلت ملك ونور من باب المنجم وهما يجريان.

نور صاحت:

“ماما!”

سلمى فتحت ذراعيها.

جرت الطفلتان نحوها.

يوسف نظر للمشهد وابتسم.

ثم قال لسليم:

“دي مش زوجة على الورق.”

سليم ابتسم.

“أنا عارف.”

نظر إلى سلمى وهي تحتضن البنات.

“دي مراتي.”

سكت لحظة.

“وأم بناتي.”

لكن قبل ما يخرجوا من المنجم…

رن هاتف سليم.

كان رقم الشرطة.

رفع الهاتف.

تغير وجهه.

“إيه؟”

جاءه صوت الضابط:

“جمال هرب.”

سليم وقف فجأة.

“إزاي؟”

“العربية اللي كانت بتنقله اتعرضت لهجوم.”

سليم قبض يده.

“مين هاجمها؟”

الضابط صمت لحظة.

ثم قال:

“الرجل اللي ساعده في الهروب ترك رسالة.”

سليم سأل:

“إيه الرسالة؟”

الصوت جاء واضحًا:

“قولوا لسليم المنصوري إن الحساب الحقيقي لسه ما بدأش.”

سليم أغلق الهاتف.

سلمى شافته.

“جمال؟”

هز رأسه.

“لا.”

ثم نظر ناحية الجبل.

“حد أخطر.”

وفي مكان بعيد، داخل سيارة سوداء، كان جمال جالسًا بجوار رجل مجهول.

الرجل فتح ملفًا قديمًا.

وفي الصفحة الأولى كانت صورة سلمى.

وتحتها اسم واحد:

“الوريثة الأخيرة.”

ابتسم الرجل وقال:

“دلوقتي نبدأ اللعبة الحقيقية.”

أما سلمى…

فلم تكن تعرف أن زواجها من سليم لم يكن نهاية الحكاية.

كان أول خيط فقط.

لأنها لم تكن مجرد الفتاة التي أنقذها الرجل الغني…

بل كانت صاحبة الحق الذي قاتلت عائلتان لإخفائه لأكثر من عشرين سنة.

حكايات شروق خالد

بعد ثلاثة أيام، كان وادي النخيل كله بيتكلم عن سقوط جمال الشناوي.

الشرطة قبضت عليه بعد مطاردة طويلة في الجبل، والملفات اللي جمعها يوسف وليلى كانت كافية لكشف شبكة التزوير والتهريب كلها.

لكن سلمى ما كانتش مهتمة بجمال.

كانت واقفة قدام قبر أمها.

حطت وردة بيضاء، وفضلت ساكتة شوية.

يوسف وقف بعيد عنها.

ولما خلصت، قرب منها.

“سامحتيني؟”

سلمى مسحت دموعها.

“إنت ما سبتنيش بإرادتك.”

هز رأسه.

“بس ضيعت سنين من عمرك.”

“المهم إنك رجعت.”

احتضنها.

ولأول مرة، ما كانش فيه خوف ولا أسرار بينهم.

كان فيه أب وابنته.

وبس.

—

بعد شهر، اتغير قصر المنصوري بالكامل.

الخدم اللي كانوا بيهينوا سلمى خرجوا من القصر.

مديرة البيت اعتذرت لها، وسليم عيّن ناس جديدة.

لكن سلمى رفضت تعيش كست غنية مدللة.

فتحت مطبخًا صغيرًا في جزء من أرض العائلة، وبدأت تعمل الخبز والحلويات اللي كانت بتحبها من وهي طفلة.

ملك ونور كانوا أول زبائنها.

كل صباح كانوا يدخلوا المطبخ وهم لابسين مريلات صغيرة.

نور كانت تعجن.

وملك كانت تحاول تسرق القرفة.

وسلمى كانت تضحك:

“يا بنتي استني لما تخلص!”

نور ردت:

“بس هي ريحتها حلوة.”

ومن بعيد، كان سليم واقف يتفرج عليهم.

في البداية، كان القصر محتاج زوجة تحمي بناته.

لكن من غير ما يحس…

سلمى بقت قلب البيت كله.

—

وفي مساء هادئ، خرجت سلمى إلى الشرفة.

سليم كان واقف هناك.

مد لها علبة صغيرة.

فتحتها.

كان بداخلها خاتم بسيط.

مش ذهب مبالغ فيه.

ولا ألماس.

خاتم رقيق محفور من الداخل.

سلمى قرأت:

“من أول يوم… اخترتك.”

بصت له.

“إيه ده؟”

قال:

“المرة الأولى اتجوزتك عشان البنات.”

ابتسم.

“المرة دي بطلب منك تتجوزيني عشاني.”

دموعها لمعت.

“وهنطلق الأول؟”

ضحك.

“لو عايزة.”

سلمى قربت منه.

“لا.”

مدت إيدها.

“أنا موافقة.”

لبسها الخاتم.

ثم قال:

“بس عندي شرط.”

“إيه؟”

“ممنوع تقولي لي يا بيه تاني.”

ضحكت.

“حاضر يا سليم.”

“أهو كده.”

وفي اللحظة نفسها، خرجت ملك ونور من الباب.

“ماما!”

سلمى لفت لهم.

“نعم؟”

نور سألت:

“بابا قال لك إيه؟”

سليم رد:

“طلبت إيدها.”

ملك ابتسمت.

“وافقت؟”

سلمى رفعت إيدها بالخاتم.

البنتان صرخوا من الفرحة.

وجروا يحتضنوهم.

—

بعد سنة…

كان البيت مليان أصوات.

يوسف وليلى كانوا قاعدين في الحديقة.

ملك ونور بيلعبوا.

وسلمى كانت واقفة جنب سليم وهي حاملة طفلهما الصغير.

سليم بص للطفل.

“شايفة؟”

“شايفة إيه؟”

“أول مرة أشوف البيت ده مليان حياة بالشكل ده.”

سلمى ابتسمت.

“لأنك أخيرًا بطلت تبني جدران.”

ضحك.

“وأنتِ اللي كسرتيها.”

بصت للبيت.

ثم للبنات.

ثم لأبوها.

وقالت:

“أنا دخلت القصر ده وأنا فاكرة إني محتاجة شغل.”

سليم مسك إيدها.

“وخرجتي منه؟”

ابتسمت.

“لقيت عيلة.”

هز رأسه.

“وأنا لقيت مراتي.”

ملك صرخت من بعيد:

“ماما! بابا! تعالوا!”

سلمى ضحكت.

وسحبت سليم من إيده.

“يلا.”

“رايحين فين؟”

“عند بناتنا.”

مشى معها.

وفي آخر النهار، وقفوا جميعًا أمام البيت.

البيت الذي بدأ بصفقة.

ثم تحول إلى زواج مصلحة.

ثم صار حبًا.

ثم أصبح عائلة.

أما سلمى جابر…

الفتاة التي دخلت وادي النخيل بفستان متهالك، وجوعٍ لا يرحم، وقلب مكسور…

فلم تعد تبحث عن لقمة عيش.

لأنها وجدت ما كان أغلى من كل ثروات المنصوري:

مكانًا تنتمي إليه.

ومع غروب الشمس، قالت نور وهي تمسك يد سلمى:

“ماما، هتفضلي معانا على طول؟”

انحنت سلمى وقبلت جبينها.

“على طول.”

ومن خلفها، ابتسم سليم.

لأنه عرف أخيرًا أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا صدفة…

بل يصلون إليها بعد أن تقودهم كل الطرق، مهما كانت قاسية، إلى المكان الذي كان ينتظرهم من البداية.

تمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى