منوعات

طابخ مني السيد

حكايات مني السيد حصري

حماتي قالتلي: هنعمل كحك بنتك على السطوح ونلم الحبايب ونفرح البت قبل ما تطلع من بيتنا..

بداية الحكاية

الفرح فاضل عليه يومين اتنين بالعدد، البيت مقلوب، الشنط مفتوحة، والعروسة عينها بتلمع ومستنية كحك فرحها اللي بيتوزع على المعازيم بفخر.

نزلت السوق من النجمة، دمي اتصفى في المصاريف، وانتوا طبعاً عارفين يعني إيه تجهيز كحك عروسة في الأيام دي! شيكارة دقيق خمسين كيلو من أنضف نوع، صفايح سمنة بلدي على نباتي، روايح الموز والورد، سمسم متنقي حبة حبة، وحليب بخيره دافي ومظبوط بالشعرة.

فلوس شقاي وتحويشة عمري حطيتها في الشيكارة دي وأنا راضية ومبتسمة، كفاية إن بنتي هترفع راسها وسط الناس وتقول: ده كحك أمي.

طلعنا السطوح مع الشمس بعد ما طلعت، فرشنا الحصاير، وجهزنا الصيجان، وشغلنا الأغاني والزغاريد كانت مالية الحارة كلها.

قعدت على ركبي، شمرت دراعاتي لحد الكوع، ودخلت في شغل العجن والتجهيز. خمسين كيلو بيتجهزوا على الإيد لحد ما كفوف إيديا اتخدرت وضهري حسيت إنه انقسم نصين، بس ريحة السمنة والسمسم وهي طالعة كانت بتهون كل تعب الدنيا.

العجينة في الطشت الكبير كانت تتاكل نية، بيضا وطرية وملمومة زي الملبن، حاجة تشرح القلب الحزين.

وفجأة، طلعت شيماء أخت جوزي على السطوح، جاية متأخرة بعد ما خلصنا أغلب الشغل، تبص للطشت بعين باردة وتقول بمنتهى البرود والتعالي:

“إيه ده؟ إنتوا ما حطتوش سكر بودرة في العجينة؟ هاتوا كيس السكر هندوبه في شوية لبن ونكبه هنا!”

أنا دمي فار في عروقي، بس بلعت ريقي واتكلمت بهدوء:

“يا حبيبتي مينفعش، السكر لو دخل العجين هيفرش الكحكاية في الفرن ويخليها تقسى، الكحك بيتحط عليه السكر لما يستوي ويبرد.”

بصتلي باحتقار وقالت:

“لأ هيتحط، إحنا طول عمرنا بنعمله كده، ولا إنتي جاية تفهمينا الصنعة في بيتنا؟!”

خدتها عند، تحدي صريح إن كلمتها هي اللي تمشي، مش عشان صح، لأ.. لمجرد إنها تكسر كلمتي في عجين أنا اللي شقيانة ومكلفة تمنه قرش بينطح قرش.

بصيت لحماتي أستنجد بيها، الست الكبيرة العاقلة اللي المفروض تفصل بالحق، لقيتها بتبصلي بابتسامة صفرا وتقولي:

“حطي السكر يا مروة، هتكوني أشطر من بنتي يعني؟ كلمة بنتي ما تنزلش الأرض!”

حكايات_مني_السيد

قولتلها وصوتي بدأ يترعش من القهر:

“مش حاطة يا حماتي.. ده كحك بنتي وشقاي ومصاريفي ومش هبوظه على آخر لحظة عشان عند فارغ!”

الكلمة ما كملتش في بوقي، ولقيت الدنيا بتلف بيا في مشهد مش قادرة أنساه..

الست الكبيرة، حماتي، قامت بهيبتها، وبحركة سريعة مسكت ودن الطشت الكبير بكل عزمها، وقلبته في نص السطوح قدام الطيور!

حصري على صفحة روايات واقتباسات…

خمسين كيلو شقاي، كحك فرح بنتي، اتدلق على الأرض والتراب، والفراخ والبط هجموا عليه.

أنا اللحظة دي اتصدمت، وداني صفرت، وفجأة صرخت صرخة شقت الحارة كلها، صوتي جاب سابع جار، ودخلت في حالة انهيار ومش شايفة قدامي، والناس طلعت تجري على السطوح، والزغاريد اتقلبت لحزن في ثواني!

أهلي جم يجروا، لقوني قاعدة في التراب بنهار، أخويا شدني من وسطي وهو متضايق جداً وقال:

“حقك في رقبتي، والكحك هيتعمل على حسابي في أكبر مصنع حلواني في البلد، بس بنتك هتتجوز وراسك في السما.”

أخدوني ونزلت شقتي أجرجر خيبتي، بس المشكلة الأكبر ما كانتش في الكحك اللي اترمى، المشكلة كانت في جوزي اللي دخل عليا الشقة بوش جامد.

قفل الباب بالمفتاح، وقال كلمة خلتني أتجمد في مكاني:

“حق أمي وبنتها يرجع الأول، قدامك ربع ساعة، هتنزلي تعتذري لأمي قدام الناس، وإلا فرح بنتك مش هيكمل، وورقتك هتبقى معاها في نفس الليلة!”

يتبع

حكايات_مني_السيد

الجزء التاني

حكايات_مني_السيد

الكلمة نزلت على دماغي زي الصدمة:

“تنزلي تعتذري لأمي، وإلا فرح بنتك مش هيكمل، وورقتك هتبقى معاها في نفس الليلة!”

فضلت مبرقة في وشه، وداني بتزن زن عالي أوي، وصوته بيتردد في نفوخي كأنه صدى طالع من مكان بعيد.

بصيت لإيديه المقفولة بعصبية، ولبنطلونه اللي متبهدل دقيق وتراب من عتبة السطوح، ولعينيه اللي طالع منها غضب شديد، مفيهوش حتى ذرة رحمة لمراته وأم بنته اللي ليلتها بعد بكرة!

في اللحظة دي بالذات حسيت إن التلاتة وعشرين سنة اللي عشتهم مع الراجل ده اتمسحوا بأستيكة، كأني كنت متجوزة شخص معرفتوش طول السنين دي.

“إنت بتقول إيه يا صابر؟”

الكلمة طلعت مني بالعافية، من قعر صدري، مبلولة بدموع القهر.

“أعتذر لها؟ هي عملت إيه عشان أعتذر؟! ده شقاي! ده كحك بنتك اللي رمتها في الأرض وكسرت فرحتها قبل ما تبدأ! ده أنا ضهري مكسور من الصبح، وجاي تقولي أعتذر عشان بنتها كانت عايزة تغير طريقة الخبيز؟! هو ده اللي شايفه صح؟!”

صابر قرب مني خطوة، وشه احتقن من الغضب، ورفع صباعه في وشي، وصوته كان واطي لكنه حاد:

“صوتك ميعلاش عليا في بيتي! أمي ما تغلطش، وأختي لما تقول كلمة تتسمع حتى لو هتغير طريقة العجين كلها! أمي الست الكبيرة، ست البيت، وإنتي هنا دخلتي عليهم، وخير البيت ده فضل عليكم.. خمسين كيلو دقيق مش هما اللي هيخلوا راسك تعلى على أمي!

ربع ساعة يا مروة.. الساعة المعلقة على الحيطة دي لو عقربها اتحرك، وما شوفتكيش تحت بتعتذري لأمي وبترجعي حقها اللي شايفة إنك أخدتيه قدام الجيران، مش هتدخلي قاعة الفرح، والبت دي هتروح لراجلها من غير أم، وورقة انفصالك هتكون ملفوفة في إيدك مع قايمتها!”

رزع الباب وراه برزعة هزت جدران الصالة، كأن البيت نفسه اتشرخ.

قعدت على الأرض مكاني، ساندة ضهري على كنبة الأنتريه القديمة المتهالكة، مش قادرة أتنفس. الهوا داخل وخارج من زوري بصعوبة.

بنتي تقى كانت واقفة ورا باب أوضتها، بتترعش، لابسة عباية بيتي مبهدلة، وطرحتها ملفوفة كروتة، وعينيها وارمين من كتر العياط.

خرجت تجري عليا، رمت نفسها في حجري، وحضنتني بكل قوتها وهي بتشهق:

“يا ماما.. والنبي يا ماما عشان خاطري.. علشان خاطري بلاش الفرح يبوظ! ده عريسي وأهله دافعين الشيء الفلاني في القاعة، ده الناس كلها عارفة إن فرحي بعد بكرة.. هيقولوا عليا إيه؟! هيقولوا أمها انفصلت يوم حنتها؟! هيقولوا أبوها طردها؟!

والنبي يا ماما انزلي اعتذري لها وقوليلها حقك عليا.. معلش، تعالي على نفسك المرة دي عشاني، فدايا يا ماما.. مش إنتي بتقولي بموت في ترابك؟ ريحي أبويا عشان نعدي اليومين دول على خير!”

كلام بنتي وجعني أكتر من كلام أبوها ألف مرة.

الوجع لما ييجي من حد غريب بيكون صعب، بس لما ييجي من الحتة اللي إنتي دافعة فيها عمرك وصحتك ودم قلبك، بيكون أصعب بكتير.

بنتي اللي كنت بشتغل خياطة بالساعات بالليل وأنا عيني مزغللة عشان أجيبلها طقم صيني زيادة، بنتي اللي كنت بحرم نفسي من اللقمة عشان أجيبلها أرقى جهاز في عيلتها.. كانت مستعدة تشوف أمها تتنازل عن كرامتها، بس عشان شكلها قدام الناس والقاعة!

مسكت وشها بين كفوفي اللي لسه فيهم ريحة السمنة البلدي الممزوجة بالتراب، بصيت في عينيها أوي وقولتلها بصوت ناشف زي الحطب:

“عاوزاني أعتذر لها يا تقى؟ عاوزة أمك اللي ربتك وعلمتك إن الكرامة أغلى من الدهب اللي لابساه في إيدك، تنزل تتنازل عن حقها عشان سيادتك تروحي تلبسي فستان أبيض وترقصي والناس تسقفلك؟!

تفتكري لو تنازلت النهاردة، بكرة لما تروحي بيت جوزك وحد يغلط فيكي، هتعرفي ترفعي عينك فيه؟! ده أنا لو عملت كده هبقى دفنتك ودفنت نفسي بالحيا..

إنتي فاهمة يعني إيه الست تتنازل عن حقها وهي مظلومة؟ يعني بقيت ضعيفة، وخلفت بنت ضعيفة، وهسلمك لبيت جوزك وانتي متعودة تطاطي وتسكتي!”

البت انهارت، قعدت في الأرض تبكي:

“يا لهوي يا فضيحتي.. يا خراب بيتي قبل ما يبدأ.. يا ناس الحقوني، حماتي هتعايرني وأهل جوزي هيشمتوا فيا.. منك لله يا عمتي، منك لله يا ستي!”

في اللحظة دي، جرس الباب رن ضربات سريعة ومكتومة، ورا بعضها، كأن اللي ورا الباب مستعجل.

قمت سحبت نفسي بالعافية، فتحت الباب، لقيت أخويا الكبير محمود ومعاه فاطمة مراته.

محمود راجل شقيان، أرزقي على باب الله شغال في ورشة حدادة، دراعاته خشنة وناشفة من دق الحديد، بس قلبه حنين زي مية النيل، وشه كان متضايق جداً.

أول ما شافني متبهدلة ومڼهارة، دخل الصالة بخطوة واسعة، قفل الباب وراه وقال بصوت قوي:

“ولا كلمة! ما تنطقيش ولا حرف! أنا سمعت صوت صابر وهو نازل على السلم بيتكلم معاكي، وسمعت كلامه وهو بيقول للقهوجي اللي تحت إنك هتنزلي تعتذري دلوقتي..

إنتي أخت محمود الحداد يا مروة، وراس محمود الحداد ما تنزلش لحد مهما كان التمن!”

فاطمة مراته خدتني في حضنها، وقعدت تطبطب عليا وتقول:

“اهدي يا مروة، اهدي يا أختي، والله العظيم حقك مش هيضيع، ده ربنا اسمه العدل، واللي حصل فوق السطوح ده مش هيعدي بالساهل، وربنا مطلع على النوايا وحُرقة القلوب.”

محمود بص لتقى اللي قاعدة في الأرض منهارة، وقالها بنبرة حازمة:

“قومي يا بت اقفي على حيلك! قومي بطلي بكاء! إنتي عروسة، وفرحك هيتعمل، وهتدخلي بيتك مهما حصل، واللي فاكر إنه هيكسر ضهرنا بالقرشين بتوع الكحك ولا بشكل الفرح، يبقى لسه ميعرفش مين هو محمود الحداد.. قومي غسلي وشك!”

تقى قامت بتترعش وجريت على الحمام، ومحمود قعد على كرسي السفرة، طلع علبة السجاير بتاعته، أشعل سيجارة وخد نفس طويل وطلعه مع تنهيدة.

وبصلي:

“اسمعي مني يا مروة، وخدي الكلمة اللي مفيهاش رجوع.. صابر مش عاوز كرامة لأمه، صابر لقى الفرصة اللي يضغط عليكي بيها.

بقاله سنين حاسس إنك أحسن منه، شايلة بيته وشايلة همه، ولما بنتك خطوبتها تمت والناس كلها شهدت بأدبك وبجهاز بنتك اللي مفيش زيه، حس بالنقص.. هو وأمه وأخته شيماء مبيتلك النية من زمان.

شيماء قاعدة في البيت وسنها عدى الستة وتلاتين ومحدش بيخبط على بابها، وحماتك عينها في القرش اللي معاكي ومستكترة على بنتك إنها تتجوز جوازة كويسة.

الدقيق اللي اتدلق ده مش دقيق.. دي مشاعر سلبية كانت موجودة من زمان وظهرت فجأة!”

كلام أخويا نزل على الجرح ونبهني لحاجات كتير.

كان صح.. كل تفصيلة مرت في شريط ذكرياتي أكدتلي ده.

شيماء لما شافت أطقم الحلل الجرانيت اللي اشترتها لتقى، فضلت تزن وتقول:

“ليه التبذير ده؟ ما الحلل الألومنيوم عايشة بقالها مية سنة، ولا هي بنت ناس وإحنا أقل؟!”

حماتي لما شافت دهب الشبكة، قعدت تقول:

“دهب خفيف وقشرة، بكرة يقع في إيديها، كان زمان صابر بيجيبلي الدهب الأصلي!”

وصابر نفسه.. كل ما يشوفني بحوش قرش من خياطتي ولا من جمعية عاملاها، عينه تزغلل، ويدور على أي خناقة عشان يسحب الفلوس مني.

ولما رفضت أديله فلوس شيكارة الدقيق وقوت السمنة عشان الفرح، زعل جداً.

قولت لمحمود والدموع بتملا عيني تاني:

“طب هنعمل إيه يا أخويا؟ الفرح بعد بكرة، والمعازيم معزومين، وأهل عريسها مستنيين الكحك يروح بكرة العصر حسب الأصول، عشان الحنة بكرة بالليل!

لو الكحك مراحش، أهل العريس هيقولوا إيه؟ هيقولوا أهلها استخسروا فيها وضحكوا علينا، وصابر هيطلقني ويفضح البت!”

محمود طفى السېجارة في غطا البرطمان اللي على الترابيزة بكل هدوء، وقام وقف وقال بصوت هادي:

“أنا قولتلك، كحك بنتك هيتعمل، وهيروح لأهل العريس من أنضف حلواني في مصر، والكراتين هتنزل قدام عمارة حماتك، وهخلي الحارة كلها تقف تتفرج على الخير اللي مروة وبنتها فيه..

بس الأول، لازم نرتب الأمور مع صابر.”

“ترتيب إيه يا محمود؟ ده هيطلقني!”

قولتله بقلق.. مش خوفاً على صابر، لأ والله، كنت زعلانة منه جداً، بس خوفاً على شكل بنتي وكسرة خاطرها قدام عريسها.

محمود بصلي بحدة:

“يطلقك؟! هو يطول؟! إنتي فاكرة الانفصال ده لعبة في إيده؟!

الراجل ده ناسي إن الشقة دي شقتك إنتي؟ ناسي إن العقد بتاع الشقة دي مكتوب باسمك انتي وبفلوس ورثك من أبونا الله يرحمه لما باع قيراطين الأرض في البلد؟

ناسي إنه ملوش فيها غير الهدوم اللي لابسها؟!

إنتي اللي سكتيله سنين، وعيشتيه في دور سيد الرجالة، لحد ما صدق نفسه وافتكر إنه يقدر يرميكي في الشارع!”

الكلام فوقني زي القلم على الوش.

أيوة.. الشقة دي شقتي!

العمارة كلها تلات أدوار، الأرضي بتاع حماتي، والدور التاني شقة شيماء اللي مقفولة، والدور التالت شقتي، بس السطوح مشترك.

الأرض والحيطان دي بتاعتي أنا، أنا اللي بنيت الدور التالت ده بفلوس ورث أبويا بعد ما اتجوزت صابر بسنتين، وصابر كان ماضياً على العقد عشان الفلوس كانت كاش مني لأصحاب البيت الأصليين قبل ما حماتي تشتري الأرضي والأول.

أنا اللي من طيبتي كنت بقول عيب، الراجل كرامته من كرامتي، وأنا وهو واحد، وسبت الأمور تمشي لحد ما لقيت نفسي في موقف صعب.

في اللحظة دي، سمعنا صوت صابر طالع على السلم، خطواته كانت تقيلة وسريعة.

الربع ساعة كانت خلصت.

الباب اتفتح بالمفتاح بتاعه، ودخل وشه مقلوب، وعينيه بتدور في الصالة، اتفاجئ بوجود محمود الحداد قاعد على الكنبة وحاطط رجل على رجل.

صابر وشه اتغير للحظة، بس ركب وشه القديم، وقال بنبرة جافة:

“أهلاً يا محمود.. كويس إنك جيت، عشان تشوف أختك اللي مش عاملة حساب لراجل ولا لكبيرة البيت، وتفهمها إن البيت ده له أصول.”

شيماء قالت:

“يا أخويا، وريهم العين الحمرا! بقت الحرباية دي تعلي صوتها على أمي وتقول مش حاطة السكر؟! ده إحنا كرمناكي وسكناكي في بيتنا ووقفنا جنبك بعد ما كنتي تعاني في بيت أبوكي!”

محمود مبصلهاش، بص لحماتي وقال بصوت هادي:

“تعاني في بيت أبوها يا حجة فتحية؟ طب اسمعيني كويس.. تنزلي من الشقة دي إنتي وبنتك حالا بالأدب، بدل ما أطلب منكم تمشوا زي ما طلبتوا مننا نمشي من حياتكم.. وبنتك شيماء، لو لسانها نطق كلمة تانية عن مروة، هخلي الموضوع يوصل لأهله بالطريقة القانونية.”

حماتي اتراجعت خطوة لورا، محمود راجل قوي ومحدش في الحارة بيحب يدخل معاه في خلاف، بصت لابنها صابر تستنجد بيه:

“إنت ساكتله يا صابر؟! ساكت لمحمود يتكلم عن أمك وأختك في بيتك؟!”

صابر كان واقف مش عارف يقول إيه، العرق بينزل من جبينه، وشه رايح جاي بين محمود وبيني وبين أمه.

بلع ريقه بصعوبة وقال:

“يا أمي.. انزلي إنتي وشيماء دلوقتي.. انزلوا تحت وأنا هتصرف.”

شيماء صاحت:

“ننزل فين؟! إنت متردد كده ليه؟! انفصل عنها يا صابر! خلينا نشوف قرارك!”

أنا مشيت ناحية الباب، فتحته على آخره، وشاورتلهم بإيدي:

“برا شقتي، وبرا حياتي، وبرا فرح بنتي! وحق الدقيق والسمنة، وحق الإهانة، والله العظيم مش هسيبه، وربنا شاهد ومطلع.. برا!”

حماتي بصتلي، ووشها احمر من الغيظ، وقالت وهي نازلة:

“بكرة تجيلي تطلبي مني أرجعلك صابر، وبنتك دي مش هتشوف فرح، وعريسها هيتراجع لما يعرف إن بيتكم فيه مشاكل!”

نزلت ونزلت وراها شيماء وهي بتتكلم بكلام متضايق.

صابر فضل واقف مكانه، عينه في الأرض، مش عارف يروح فين ولا يجي منين.

محمود بص له وقال:

“شنطتك تتلم في خمس دقايق، وورقة انفصال أختي تتكتب بكرة الصبح، وقايمة عفشها وحقوقها كاملة مكملة تتدفع، وإلا يا صابر الموضوع هيتحل بالقانون، والحقوق هتتاخد بالطريقة الرسمية.”

صابر بصلي بنظرة كلها حزن، وقال بصوت مهزوم:

“بقى بتبيعي عشرة تلاتة وعشرين سنة عشان شوية كحك يا مروة؟ بتخربي بيتك بإيدك؟”

بصيتله بثبات وقلت:

“إنت اللي ضيعت العشرة يا صابر من أول يوم لما سمحت لأمك تقلل من كرامتي وكنت بتسكت..

إنت اللي ظلمت بنتك لما وافقت تفسد فرحتها عشان ترضي أختك..

المشكلة مش في الكحك، المشكلة في موقفك إنت، لإنك عمرك ما وقفت جنبي وقت ما كنت محتاجة لك.

أنا شيلت وشيلت لحد ما تعبت.. اتفضل لم هدومك، والباب يفوت جمل!”

دخل صابر الأوضة، طلع شنطة سفر قديمة، لم فيها هدومه وهو إيده بتترعش، وخرج من الشقة وهو مطاطي راسه.

أول ما الباب اتقفل وراه، أنا مانهارتش.. كنت متوقعة إني هقع وأعيط، بس حسيت براحة غريبة، كأن جبل كان على صدري واتشال فجأة.

بس كانت المشكلة الكبيرة لسه موجودة.

بكرة حنة بنتي، وبعد بكرة الفرح.. وأهل العريس مستنيين كحك العروسة بكرة الساعة أربعة العصر!

تقى خرجت من الحمام، وشها كان أصفر من القلق، قالت بصوت مبحوح:

“ماما.. بابا مشي؟ الفرح هيبوظ يا ماما؟

طنط أم أحمد أم العريس رنت عليا مرتين ومردتش، مستنية تسأل على ميعاد وصول الكحك عشان يفرقوه على حبايبهم زي ما متفقين.. هقولهم إيه؟”

محمود ابتسم ابتسامة هادية، ومسح على راس تقى:

“قولتلك عيب عليكي يا بت أختي، وإنتي في ضهرك خال زي محمود الحداد..

بصي في الساعة كده؟ الساعة دلوقتي تمانية بالليل.. قدامنا لحد بكرة العصر عشرين ساعة.. فاطمة!”

فاطمة مراته وقفت:

“أمرك يا أبو أحمد.”

محمود طلع رزمة فلوس من جيبه، كان شايلها عشان يجيب حديد جديد للورشة، حطها على الترابيزة وقال:

“دي تمانية وعشرين ألف جنيه، شقاي اللي شايله.. تاخدي مروة، وتتصلوا بالحاجة أم محمد بتاعة حلواني الشبراوي الكبير اللي في أول الشارع، الست دي أصولية وجدعة وبتعمل طلبيات للمصانع والبيوت، وعندها مخبز وفرن شغال ليل نهار..

تاخدوا الفلوس، وتروحولها، وتقولولها الطلبية دي تخلص قبل الساعة اتنين الظهر بكرة..

كحك سادة، وكحك ملبن، وكحك عين جمل، وبيتي فور، وبسكوت نشادر، وغريبة.. وتتعبى في الكراتين الدهبي اللي بنكتب عليها اسم العروسة!”

أنا دمعت وجريت على محمود:

“لأ يا محمود، دي فلوس شغلك، دي شقاك وشقا عيالك، مقدرش أخدها منك!”

محمود مسك إيدي وباس راسي وقال:

“فلوس إيه وتعب الدنيا إيه يا مروة؟! إنتي أختي الكبيرة، لحمي ودمي، وكرامة بنتك من كرامتي..

لو معملتش كده للبت في يوم زي ده، مين هيعملها؟! الفلوس بتروح وتيجي، بس كسرة النفس مبتتداواش..

امشي مع فاطمة، ومتفكريش في مليم!”

نزلنا من الشقة، نزلنا على السلم وروسنا مرفوعة.

لما عدينا قدام شقة حماتي في الدور الأرضي، كان الباب موارب حتة صغيرة، وشوفت عين شيماء وأمها بيبصوا من الشق، مستنيين يشوفوني بجرجر رجلي وبعيط ورايحة أترجاهم..

بس لقوني لابسة عبايتي الخروج السودا النضيفة، ورابطة طرحتي بمشابك دهب، وماشية في إيد أخويا ومراته، وبنتي في النص، وضحكتنا سابقة خطوتنا.

الباب اترزع في وشنا بغضب وحسرة!

روحنا لحلواني الشبراوي، والست أم محمد أول ما شافت محمود وحكينالها الموقف باختصار من غير ما نفضح البيوت، شهقت وقالت:

“يا نهار مش فايت! فيه ناس بالشكل ده في الدنيا؟! وحياة النبي يا محمود، لخلي الفرن كله يشتغل لحساب عروستنا الليلة دي!

عندي دقيق متجهز للصباحية هقلبه كحك وبسكوت لتقى، وهنخبز وننقش ونعبي، وهتطلعي من هنا بأفخر كحك يتعمل!”

وفعلاً.. قضينا الليلة في المحل، مش نايمين، بنشرف على الصيجان، ريحة السمنة البلدي الصافية ملت الحتة، والبسكوت نازل من المكنة زي الدهب، والغريبة دايبة دوب.

ومحمود جايب شاي وقهوة وبيوزع على العمال في الفرن ويقول:

“جدعنة منكم يا رجالة، فرح بنت أختي بعد بكرة وعاوزين الشغل يشرف!”

الصبح شقشق، الساعة حداشر الضهر، كان أدام المحل عربية نص نقل متأجرة، مرصوص فيها سبعين كرتونة دهبي فاخرة، كحك وبسكوت وحلويات تشيل وتفيض، وعليها شرايط حمرا مكتوب عليها:

“ألف مبروك لأجمل عروسة.. تقى ومحمد.”

الساعة تلاتة العصر، العربية دخلت الحارة.

الحارة كلها كانت مستنية تشوف المشكلة، الجيران طالعين في البلكونات بعد ما حماتي وشيماء نشروا إن مروة وبنتها خرجوا من البيت وإن صابر انفصل عنها ومفيش كحك رايح لأهل العريس.

بس العربية وقفت، وشغلنا أغاني الكحك والزغاريد، والدي جي بتاع الفراشة بدأ يرن في الحارة!

نزل محمود وصبيان الورشة، وبدأوا ينزلوا الكراتين الدهبي الفاخرة، ريحة السمنة البلدي قلبت الحارة كلها، والكراتين شكلها يشرف أفخم عيلة في مصر.

خرجت أم العريس، الست أم أحمد، ووراها قرايبها، كانوا جايين ومعاهم عربيات عشان يستلموا الكحك.

أول ما شافت المنظر، وعرفت إن الكحك معمول مخصوص من أكبر حلواني، زغردت زغرودة شقت السما، وحضنتني وقالت قدام كل الجيران اللي واقفين:

“تسلم إيدك يا أم العروسة! ده أنضف وأرقى كحك شوفته في حياتي، الله يكتر خيركم ويعلي مراتبكم، رفعتوا راسنا وشرفتونا!”

بصيت لفوق، لشباك الدور الأرضي، لقيت شيماء واقفة ورا السلك، وشكلها متضايق جداً، وحماتي واقفة وراها كأنها مش مصدقة اللي شايفاه.

كل خططهم اتقلبت عليهم، والناس في الحارة بدأت تسقف وتبارك، وصابر ملوش أثر.

العربيات اتحملت ومشت بالزغاريد رايحة بيت العريس، والناس بدأت تتجمع عشان حنة الليلة.

دخلت شقتي، بصيت لبنتي تقى، لقيتها لابسة فستان الحنة الأحمر، وعينيها بتلمع بالدموع بس دموع فرح وفخر.

قربت مني ومسكت إيدي وباستها وهي بتقولي:

“سامحيني يا ماما.. سامحيني إني في لحظة ضعفت وفكرت في كلام الناس ونسيت إن كرامتك هي كرامتي..

ربنا يخليكي ليا ويخليلي خالي محمود، أنا راسي مرفوعة بيكي للسما.”

حضنتها وقولتلها:

“إنتي بنتي يا تقى، واللي ميعرفش يصون كرامته، ميعرفش يفرح..

الليلة حنتك، وبكرة فرحك، والليلة دي هنرقص ونفرح، ومش عاوزة أشوف دمعة واحدة في عينك!”

الحنة بدأت، الصوان اتنصب قدام البيت، الأنوار اتعلقت، والحريم اتلمت.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى