منوعات

حصون العاشق مني السيد

“أنا عمري ما سمحت لحد يقرب مني بالشكل ده… إنتي عملتي إيه فيا؟!”

كانت مجرد العاملة في بيته… لكن في ليلة مرضه، فضلت جنبه لحد الصبح، ولما فتح عينه لقاها ماسكة إيده وابنها نايم…

بداية الحكاية ✨

الساعة كانت بالظبط ٥:١٧ صباح يوم ثلاثاء. في اللحظة دي، حصل جوه فيلا يوسف الرفاعي في التجمع موقف محدش من رجال الحراسة اللي شغالين معاه كان ممكن يتوقعه…

يوسف ابتسم… ابتسامة صغيرة، لكنها كانت حاجة شبه المستحيل تحصل. عشرين سنة كاملة عدّوا من غير ما حد يشوف الابتسامة دي على وشه، من ليلة وفاة أبوه، اللي بعدها يوسف اتغير تمامًا وبقى راجل مبيسمحش لأي حد يقرب منه. حصري على صفحة روايات واقتباسات.

لكن الغريب إن واحدة زي ريتان، العاملة اللي لسه بقالها كام أسبوع في البيت، قدرت تعمل اللي محدش قدر عليه.

قدرت تخليه يبتسم… وهي أصلًا كانت نايمة جنب سريره، حاضنة ابنها الصغير على صدرها…

يوسف فتح عينيه ببطء.

في البداية افتكر إن الحرارة مخلياه يشوف حاجات مش حقيقية… لكن لما ركز، شاف طبق المية، والفوط المبلولة، والترمومتر، وكوباية عصير البرتقال اللي محدش لمسها.

وبعدين حس بحاجة أغرب… إيد ريتان كانت لسه ماسكة إيده. كانت قاعدة على كرسي جلد جنب السرير، ونامت من التعب وهي مسنودة براسها على طرف المرتبة.

شعرها البني كان فلت من رابطة شعرها، ووشها عليه علامات إرهاق واضحة… أما ابنها الصغير، اللي عنده سنة ونص، فكان نايم تحت بطانية صفراء قديمة.

يوسف فضل باصص لهم من غير ما ينطق. هو… يوسف الرفاعي. الراجل اللي محدش في القاهرة الجديدة، ولا حتى رجال كتير براها، كان بيحب يدخل معاه في خلاف.

راجل عنده شركات ومطاعم ونوادي وعقارات، وكل الناس شايفاه رجل أعمال ناجح ومحترم…

لكن اللي يعرفه بجد، كان عارف إن عالم يوسف مش كله مكاتب وعقود وصفقات.

#حكايات_مني_السيد

كان فيه عالم تاني… عالم محدش بيتكلم عنه، وعشان كده، محدش كان بيقرب من يوسف إلا لو واخد فلوس منه، أو شغال بأمره، أو عنده سبب يخليه يتجنبه.

لكن ريتان… ريتان مكنتش من دول.

قبل ست أسابيع بس، كانت ريتان واقفة قدام بوابة فيلا يوسف في التجمع الخامس، ماسكة شنطة قديمة، وكيس أكل صغير حطت فيه سندوتشين، ومعاها مبلغ بسيط جدًا في حسابها البنكي.

كانت محتاجة الشغل ده بأي شكل.

استقبلتها الحاجة نوال، مديرة البيت، ست عندها اتنين وستين سنة، واشتغلت مع عيلة الرفاعي سنين طويلة.

بصتلها نوال من فوق لتحت وقالت:

“بصي يا بنتي، الشغل هنا مش صعب… بس عندي ليكي نصيحة واحدة.”

ريتان قالت: “إيه؟”

نوال قربت منها وقالت بصوت واطي:

“لما تكوني حوالين الأستاذ يوسف… اشتغلي في هدوء.”

ريتان سكتت لحظة، وبعدين سألت:

“يعني هدوء قد إيه؟”

“هدوء.”

“هو بيحب البيت ساكت للدرجة دي؟”

نوال هزت راسها:

“الأستاذ يوسف بيحب محدش يكلمه.”

ريتان بصت للفيلا الكبيرة حواليها، وقالت:

“ده هو شاري فيلا بالملايين… أكيد يقدر يشتري الهدوء كمان.”

نوال بصتلها بصدمة:

“إنتِ عايزة تبوظي مستقبلك من أول يوم؟”

ريتان ضحكت وقالت:

“بهزر يا حاجة.”

لكن نوال مكنتش بتضحك… لأن قبل ريتان، تلات عاملات مشيوا من البيت… واحدة قعدت ١١ يوم.

والتانية ٨ أيام… والتالتة مكملتش ٤ أيام.

ريتان كانت محتاجة المرتب لدرجة إنها قالت:

“متقلقيش… أنا هقدر أتعامل معاه.”

ومكنتش تعرف وقتها إنها بعد ست أسابيع بس هتكون قاعدة طول الليل جنب سريره، بتسهر عليه وهو بيحارب حرارة شديدة، وهي أصلًا معاها طفل صغير.

أول يوم دخلت فيه مكتب يوسف، كان قاعد ورا مكتبه الخشب الكبير، قدامه لابتوب وملفات كتير.

كرسيه كان في نص المكتب، واتنين شاشات قدامه.

يوسف رفع عينه وقال ببرود:

“إنتي الجديدة؟”

ردت:

“أيوه. ريتان.”

“أنا عارف.”

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:

“كويس… وفرت على حضرتك وقت السؤال.”

يوسف بص لها ثواني، وبعدين رجع يبص للشاشة.

ريتان خرجت… أو ده اللي كانت ناوية تعمله.

لكن بعد شوية، رجعت بصت حوالين المكتب وقالت:

“هو حضرتك قريت كل الكتب دي؟”

يوسف رفع عينه تاني:

“إيه؟”

“الكتب.”

“أيوه.”

“كلها؟”

“أيوه.”

“طب كويس.”

سكتت لحظة وبعدين قالت:

“أنا طلبت من الحاجة نوال حد ينضف… مش حد يقرأ.”

يوسف فضل باصص لها.

قالت بسرعة:

“أنا بعرف أنضف وأسأل في نفس الوقت… متعددة المهام.”

يوسف قال ببرود:

“أنا بحب الهدوء.”

هزت راسها وقالت:

“تمام.”

خرجت.

لكن بعدها بأسبوع حصلت أول مشكلة… كانت ريتان بتنضف المكتب، ولما المكنسة خبطت في ترابيزة جانبية، مجموعة ملفات وقعت على الأرض.

يوسف قال بصوت حاد:

“استني!”

ريتان وقفت:

“نعم؟”

“إنتي فاهمة إنتِ عملتي إيه؟”

بصت للورق وقالت:

“وقعت شوية ورق.”

يوسف رد:

“دي ملفات مترتبة بالشكل ده بقالها شهور.”

ريتان قالت:

“طيب قولّي أرتبهم إزاي.”

يوسف ضيق عينيه:

“إنتي مش فاهمة.”

ريتان سكتت لحظة، وبعدها قالت:

“غالبًا لأ… عشان كده بقول لحضرتك فهمني.”

المكتب كله سكت… أي حد تاني كان قالها وهيجري يعتذر.

لكن ريتان كانت واقفة مكانها، وإيديها بتترعش من الخوف، ومع ذلك حاولت متبينش.

نزلت على الأرض ولمّت الورق، وقالت:

“أنا غلطت، وأنا آسفة. قولّي الترتيب الصح وأنا هظبطه.”

يوسف فضل ساكت… لأول مرة من سنين، حد بيعتذر له من غير ما يكون متوتر منه.

قال أخيرًا:

“الملف الرمادي الأول.”

“حاضر.”

“الأزرق تحته.”

ريتان بدأت ترتب الملفات واحدة واحدة، ولما خلصت، قامت ودفعت عربية التنظيف ناحية الباب.

يوسف قال:

“ريتان.”

لفت له… كانت مستنية توبيخ جديد.

لكنه قال بهدوء:

“خلاص… روحي.”

خرجت.

وبمجرد ما قفلت الباب، سمعت صوت الحاجة نوال وهي بتهمس لها في الممر:

“إنتِ بتحاولي تطردي نفسك من الشغل؟”

ريتان ردت بمنتهى الهدوء:

“هو كان بيتكلم بطريقة مستفزة.”

نوال شهقت:

“ده الأستاذ يوسف!”

ريتان قالت:

“ما هو برضه بني آدم.”

وسابت نوال ومشيت…

يوسف كان لسه جوه المكتب…

وسمع كل كلمة…

فضل ساكت… لكن لأول مرة من عشرين سنة، لقى نفسه مهتم يعرف… هي ريتان دي ليه مش بتخاف منه؟

ومكنش يعرف وقتها إن الست دي هتكون أول شخص يدخل حياته من غير خوف…

وأول شخص يفضل جنبه وهو مريض…

وأول شخص، من غير ما يقصد، يقدر يرجّع الابتسامة لوش يوسف الرفاعي بعد عشرين سنة كاملة.

يتبع…

#حكايات_مني_السيد

الفصل الثاني

النور الخافت اللي اتسلل من بين الستاير التقيلة بتاعة الأوضة بدأ يلمس وش يوسف، والحرارة اللي كانت مرهقة جسمه طول الليل بدأت تهدى شوية بشوية.

يوسف حس بحركة خفيفة، أنفاس منتظمة بتدغدغ كف إيده، ولما بص لتحت، كانت ريتان لسه مسندة راسها على طرف السرير، صوابعها الصغيرة متبتة في كف إيده وكأنها خايفة يبعد عنها أو يتعب تاني.

وابنها… الطفل الصغير، كان دافن وشه في بلوزتها، نايم في أمان تام وسط دنيا كلها قلق.

يوسف حاول يسحب إيده براحة شديدة، مكنش عايز يقلقها، بس الحركة البسيطة دي خلت ريتان تتفزع فجأة.

فتحت عينيها العسليتين بسرعة، الرموش اللي كانت مبلولة بدموع الإرهاق رفعت لفوق، وأول ما شافت يوسف باصص لها وعينيه صافية ورايقة، اتعدلت بلهفة ونسيت كل حواجز المقامات والحدود اللي نوال صدعت دماغها بيهم.

حطت كف إيدها التاني على جبينه بتلقائية تامة:

“الحمد لله… الحرارة نزلت كتير، كنت بتغلي بالليل وكنت فاكراك هتتعب أكتر.”

يوسف اتخشب مكانه. لمسة إيدها الناعمة على جبهته كانت إحساس غريب ودافي مشي في عروقه كلها.

عشرين سنة محدش لمس يوسف الرفاعي كده، من غير مصلحة، من غير خوف، ومن غير انتظار مقابل.

يوسف بص لعينين ريتان القريبة منه، صوته كان مبحوح ومتحشرج من التعب:

“أنا عمري ما سمحت لحد يقرب مني بالشكل ده… إنتي عملتي إيه فيا؟!”

ريتان ارتبكت لما استوعبت حركتها، وسحبت إيدها بسرعة ووشها احمر خجل:

“أنا… أنا معملتش حاجة، ده واجبي الإنساني. أي بني آدم يشوف حد تعبان كان هيعمل كدة.”

يوسف كرر الكلمة بابتسامة باهتة على شفايفه الناشفة:

“إنساني؟ إنتي مش عارفة أنا مين يا ريتان؟ كل اللي في القصر ده لو شافوني تعبان، مكنش حد هيجرؤ يقرب مني إلا بعد ما يستأذن. والكل بيتعامل معايا بحذر… ليه فضلتي هنا؟ وابنك طول الليل في البرد؟”

ريتان قامت من على الكرسي براحة، وعدلت البطانية الصفرا على ابنها اللي بدأ يتمطع، وبعدين بصت ليوسف بابتسامة هادية وبسيطة من غير أي تكلف:

“أنا مش بشوفك الأستاذ يوسف اللي الناس بتتجنب الكلام معاه، أنا شوفت إنسان تعبان ومحتاج مساعدة. وبعدين… مهما كنت قاسي ومبتضحكش، في الآخر إنت صاحب فضل، وفتحتلي باب بيتك واشتغلت هنا عشان أربي ابني بكرامتي.”

سكتت ثواني، ولفت ضهرها تاخد طبق الكمادات وقالت بمرح خفيف عشان تكسر التوتر:

“وبعدين قولتلك قبل كده، إنت بني آدم برضه… مش روبوت شغال بكهربا عشان متتعبش.”

يوسف ضحك، ضحكة خفيفة طالعة من قلبه هزت صدره، وبص لها بذهول:

“والله شكلك هتبوظي هيبتي في البيت ده.”

ريتان وقفت عند الباب، وبصت له من فوق كتفها:

“الهيبة في القلب يا أستاذ يوسف، مش في الكشرة اللي شايلاها على وشك بقالك سنين. هروح أحضرلك شوربة دافية وليمون، وهبعت نوال تجيبلك الدوا.”

خرجت ريتان، ويوسف فضل سارح في أثرها، حاسس إن في حاجة في قلبه اتكسرت… حاجة اسمها الجليد والوحدة.

مرت الأيام بعد الليلة دي، وفيلا يوسف مبقتش زي الأول.

الهدوء المقبض اللي كان شبه المقابر بدأ يتبدل. يوسف بقى يتعمد يقعد في ركن الجنينة يشتغل على اللابتوب في الميعاد اللي ريتان بتطلع فيه ابنها “عمر” يلعب على النجيلة.

كان يوسف بيراقبها من ورا النضارة الشمسية، يشوف ضحكتها الرنانة وهي بتجري ورا ابنها، خفة دمها، حنيتها اللي بتوزعها على كل ركن في المكان.

كانت بتدخل روحه بالتدريج، زي النور لما يتسلل لأوضة ضلمة بقالها سنين مقفولة.

وفي يوم، كان يوسف قاعد في مكتبه بيمضي أوراق مهمة، الجو برة كان بيمطر بغزارة وصوت الرعد بيهز الشبابيك.

فجأة الباب خبط خبطات سريعة ومرتبكة، وقبل ما يلحق يقول “ادخل”، لقى ريتان داخلة ووشها شاحب، وماسكة عمر والولد متوتر جدًا من صوت الرعد.

ريتان اتكلمت بصوت بيترعش:

“أنا آسفة… والله آسفة إني دخلت من غير إذن، بس النور قطع في أوضتي وعمر بيخاف جدًا من الرعد، والمكان هنا فيه المولد الشغال… ملقتش حتة تانية أروحها.”

يوسف قفل الملف اللي في إيده بهدوء، وقام من مكانه.

مشي بخطوات واثقة لحد ما وقف قدامها. ريتان كانت بتترعش هي كمان، كانت خايفة من البرق ومن صوت الرعد، ومش بس عمر.

يوسف مد إيده، ولأول مرة يلمسها هو بإرادته. مسك دراعها براحة، وصوته كان مليان حنية عميقة وغريبة عليه:

“اهدي يا ريتان… إنتي هنا في أمان، متخافيش.”

ريتان رفعت عينيها ليه، شافت في ملامحه نظرة حماية ودفء عمرها ما حست بيهم في حياتها كلها.

يوسف نزل على ركبته لمستوى الطفل عمر، وطبطب على خده بحنان مكنش يعرف إنه جواه:

“متبقاش بطل وبتخاف من شوية صوت يا كابتن؟ الرعد ده السحاب بس بيتكلم بصوت عالي.”

الطفل هدي تدريجيًا وبص ليوسف بعينيه البريئة، ومسك صباع يوسف الصغير.

اللحظة دي كانت زي السحر، ريتان دموعها نزلت من غير ما تحس، ويوسف لما قام ولقى دموعها، مقدرش يمسك نفسه، ومد صباعه مسح الدمعة السايلة على خدها:

“ليه الدموع دي دلوقتي؟”

ريتان قالت بصوت متقطع:

“محدش حمانا قبل كده… محدش وقف جنبي وجنب ابني بالطريقة دي، أنا كنت دايمًا لوحدي وبحاول أواجه كل حاجة لوحدي.”

يوسف قرب خطوة زيادة، عينيه كانت بتحكي كلام كتير ملهوش نهاية، وقال بصوت واطي ومليان مشاعر مكتومة:

“معدتيش لوحدك يا ريتان. من الليلة اللي سهرتي فيها جنبي ورجعتيلي الحياة، وأنا حاسس إن كل حاجة بملكها ملهاش قيمة لو إنتي مش موجودة فيها. إنتي الوحيدة اللي دخلتي حصوني من غير ما أطلب منك، ودلوقتي… أنا مش عايزك تخرجي منها أبداً.”

ريتان قلبها كان بيدق بسرعة، الحيرة والدهشة والراحة اتجمعوا في صدرها في نفس اللحظة:

“أستاذ يوسف… إنت رجل أعمال كبير، وأنا مجرد…”

يوسف قاطعها وحط صباعه على شفايفها برقة تامة:

“انسي كل الكلام ده. إنتي الست الوحيدة اللي شافت يوسف البني آدم مش يوسف الرفاعي… وأنا مش هسيب البني آدم ده يضيع منك تاني.”

وفي اللحظة دي، سمعوا خطوات سريعة ومرتبكة جاية من الممر الخارجي، وصوت نوال بتنادي بفزع:

“يا أستاذ يوسف! إلحق، رجالة من شركات المنافسين واقفين برة على البوابة ومصممين يدخلوا يقابلوك بالقوة!”

يوسف بعد خطوة عن ريتان، ملامحه الحنينة اتقلبت في ثواني للجمود والقوة، لكنه مسك كف إيد ريتان وضغط عليه برقة وقال لها:

“خليكي هنا ومتحركيش، ومتقلقيش من أي حاجة في الدنيا طول ما أنا عايش.”

خرج يوسف بخطوات ثابتة عشان يواجه اللي برة، وساب ريتان قلبها متعلق معاه، عارفة إن في سر كبير وعالم غامض وراه، بس مشاعرها تجاهه خلاص عدت كل حدود الخوف.

يتبع…

الفصل الثالث والأخير

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى